مقدمة

نخر أعداء الخلافة الإسلامية العثمانية من المشرق والمغرب عضدها طيلة قرنين من الزمن، وكانوا يستعظمون سقوطها ويتخوفونه مع أنهم يأملونه – كما يتخوف أهل الإسلام اليوم من سقوط النظام الدولي – إلى أن انتهت الأفعى اللقطاء – بريطانيا – ومن بعدها ربيبتها – أمريكا – إلى فكرة السقوط المرحلي؛ ومفادها أن لا تسقط الخلافة إلى العدم فيستصعب ذلك على أمّة الإسلام، فتخوض معركة وجود تتجاوز خلافات عملوا عليها دهرا، وتستشرس في القتال، وإنما سقوط مرحلي من نظام الخلافة في الأمة إلى نظام دولة القطر الوظيفي، وهم يقودوننا اليوم إلى السقوط الثاني من مفهوم الدولة على أساس القطر إلى دويلات أساسها المذهب والطائفة، ثمّ سقوط رابع أخير بدويلات عدمية أساسها العرق – يُعدم فيها الآخر – فتنغلق ذاتيا عن مفهوم خلافة الله في الأرض.

لكن الأمّة لم تستسلم فتحركت ذاتيا لخوض الصراع حتى انتظمت جماعات وأحزابًا. وقد أشرت في المقال الأول إلى بعض التقنيات في اختراق وتوظيف التنظيمات الجهادية، وجعلتها تحت التقنية المركبة والمعقدة في الإكراه النفسي وتوجيه ردة الفعل، والحقيقة أن التقنيات النفسية المستعملة في الصراع كثيرة وخطيرة سواء على مستوى الفرد أو التنظيم أو الأمة. سأركز في هذه الأسطر على أخطرها دون إسهاب.

1- تقنية “إسقاط النبوءات” لتعطيل قيادة محمد صلى الله عليه وسلم

عندما كنت تحت التعذيب في 2002 قلت للمحقق: “أنتم تسوقكم خططكم إلى الهلاك”، فقال: “وأنتم تسوقكم نبوءاتكم إلى خططنا”. لا أحب حشو الكلام لكن لا بد التركيز على هذه التقنية كثيرا لأنها دائما تصيبنا في مقتل، وحاصلها ما يلي:

– قام العدوّ بوسائله المتقدمة وتجاربه المتراكمة بدراسة النبوءات، عندنا دراسة دقيقة ومعمّقة، كيف لا وهو يرى أن أعظم ما سطره المسلمون قائم على نبوءاتهم، حتى قال تيودور هرتزل: “محمد لا يزال يقود الجيوش 14 قرنا من قبره”.

– فقد تم فتح الشام وفارس والروم والهند والسند والقسطنطينية ودحر التتر وفتح بيت المقدس كل ذلك بنبوءات محمد صلى الله عليه وسلم، ولا زال منها الملاحم والمهدي وفتح روما والقدس ثانية وعيسى بن مريم عليه السلام وفتح القسطنطينية ثانية إلى فتح الدجال الذي يكون على رأس النظام الدولي آنذاك.

كل ذلك في نفس النبوءات وعلى نفس السياق. لم أكن أعي ذلك الوقت ما يقصده المحقق تماما، وقد كان في زمرة من استخبارات متعددة لكنها متفقة. لكن عندما رجعت إلى قصة جهيمان باقتحام الحرم 1979، بعد تصدير محمد بن عبد الله صهره للمهدوية وقد التقيت في السجن بشاهد عيان قص عليّ خبره.

ثم ادعاء المهدوية في السودان، فادعاء الخلافة في بيشاور، ثم إشاعة أن أمير المجاهدين العرب في البوسنة والهرسك مهديّ أيضا، وقد عنّف كل من يقولها حفظه الله، والتقوّل على الشيخ أبو عمر في الشيشان أنه المهدي وقد دحض ذلك بنفسه رحمه الله، ومثلها كثير في أفريقيا والهند وجزر الفلبين.

إلى أن رأينا عناصر من القوقاز تقتل أهل الإسلام في العراق والشام مدّعين أنهم جيش الروم من بني إسحاق الذي يتبع المهدي، ثم رأينا ادعاء الدولة، واقتباس اسم العدناني الذي يقود الناس بعصاه آخر الزمان.

فادعاء الخلافة بلباس “المسوّدة”، وراياتهم السود بإخراج مطابق لنشأة الحكم العباسي وبنفس نبوءة بني العباس والرايات السود التي تأتي من خراسان، وبنفس فقه المتغلب الذي أوجد التكييف الفقهي لسفك دماء المسلمين وقهرهم.

وتفيد معلومات أكيدة أن بعض الأطراف في الشام تحضر لإعلان ظهور المهدي، وقبل شهر تأتينا أنباء عن تحضير رايات سود في الصين وخراسان من جهة معروفة في تركيا. ولا أدري من سيدعي أنّه عيسى بن مريم عليه السلام.

ما أودّ قوله أنّه في غفلة من علمائنا ورجال أمّتنا اخترقت صفوفنا العقدية الأُولى واحترفت شياطين الخراب توظيف نبوءاتنا لصالحهم بعدما أبهرتهم قوتها الدافعة لتحريك جيوش المسلمين، ويريدون أن يوظفوها لحرقنا من جهتين:

1- حرق مراحل البناء والإعداد بإيهامنا أن النبوءة تحققت وحان قطف ثمارها.

2- حرق الجيل الذي أشرقت نفوسه وقويت عزائمه، ولمّا يشتد عوده فيسهل كسره وحرقه.

يبدو كذلك أن ‏اليهود‬‬‬ والنصارى‬‬‬ قد درسوا تاريخ الفرق بشكل أدق من علماء ‏الأمة‬‬‬،
حتى تمكنّوا من إعادة توظيف نبوءات وأحقاد الشيعة‬‬ و‏الخوارج‬‬‬ أحسن ما يكون التوظيف لكسر أهل الإسلام. إنه الصراع من وجه آخر جد خطير يريدون تسفيه ما وعدنا الله فيهم، إنّه صراع النبوءات بين وعد حق ووعد مفترٍ، ومن لم يفهمه اليوم سيذكره غدا، ولات حين مندم.

2- تقنية إجهاض الحُلم

من التقنيات المستعملة لتحطيم الخصم، إخراج حلمه للواقع إلى ساحة تخضع لقوانين لعبتك، فإذا تهيّب دخولها فاجعل حياته مستحيلة في موقعه، فإن قاوم فاجعل بعضا من أتباعك الذين يعرفهم ويثق بهم يركضون نحو السراب، حينها سينكر واقعه ويصدّق الوهم.

إنّ أخطر ما كنا نحذره على خطى الابتلاء أن يقتل الحلم في صدور أبناء الأمّة، وما أرى اليوم أشدّ خطرا ونحن على خطى التدافع من أن يستخرج أعداؤنا حلمنا من صدورنا، فنسقيه بدمائنا، ثمّ نقتله بأيدينا.

فإذا حلم الناس بالدولة الإسلامية أو الخلافة حملوها في بطونهم وهنا على وهن، وما هي إلا حين غرّة حتى تقع الأمة تحت سحر عدوها ويقنعها قبل وقت وضعها أنه حان ذلك، فتجتهد له. حتى تضع سقطا أو مسخا لا تطيق النظر إليه. وإلاّ ما معنى الدّماء التي تسيل بين أبناء الأمّة ودعواهم واحدة، ما معنى إعلان الخلافة بدعوى القهر والغلبة، وليست إلا على بعضهم البعض ناسين المنظومة القيمية التي قامت عليها الخلافة الراشدة التي فتحت القلوب قبل الأمصار.

ما معنى أن نكفر بسايكس – بيكو ونحن نجسد مشروع التقسيم؛ فللأكراد دولتهم وسيحظون باهتمام، ولإيران العمق الذي ترجوه على المتوسط ولكل مطالبه ودلاله وتنازلاته. أمّا السنّة سيقبلون كل ذلك وأقلّ عن قناعة وعقيدة، وكفى الله الكافرين القتال. لأنّه سوّق لهم الوهم فاشتروه، ثم ما معنى أن يكون كل هذا والأمّة تمانع من إنشاء مرجعيتها الجامعة الفاصلة الضابطة للبوصلة.

لقد أصبنا في المقاتل الثلاث

1- منظومة المثل والقيم.

2- منظومة الفقه والفكر.

3- منظومة الحكم.

مما يحتّم علينا العمل من جديد، لكن هذه المرّة في أنهار من الدّماء وتحت أنّات الثكالى. وصراخ اليتامى.. ضريبة للسكوت عن الحق.

أما العلماء والقيادات والنخب، فلكل منهم ما احتمل من الإثم.

3- تقنية اغتيال الذاكرة

 

لكن ما أود كشف خطره، هو اغتيال الذاكرة الجهادية، وهو ما أشرنا إليه من الإعداد المسبق لجيل خبيث من العملاء على درجة عالية من التدريب النفسي أكثر منه في الجانب العسكري كالتأثير والإيهام والدسّ وبناء التهمة وإحاطة الإشاعة بملابسات تقرّبها من خطّ الإقناع في مواطن الصراع.

– لكن خطرها الأكبر يكمن في تكوين هالة قوية حول القيادة، مخلصة كانت أو عميلة، ويفضّل أن تكون صادقة للصدقية والإقناع، غير أن هذا الصدق والإقناع يكون لخدمة القرارات والتوجهات التي بنتها وحدّدتها الهالة المحيطة، والتي غالبا ما تكون هي الخط المخترق.

– وهنا مربط الفرس إذ يحرصون على إبقاء العمر الجهادي للعناصر المقاتلة والعاملة قصيرا جدا في الساحات الجهادية حتى لا يسمح لهم باكتشاف اللعبة وفهم الصراع وأدواته فينقلبون عليهم قتالا فيحدّ شوكتهم، ولا يهمّهم كشف صورتهم لأنّ تلك الصورة مطلوبة لذاتها.

وغالبا تكون مدة الأداء الجهادي بين:

– شهرين إلى 6 أشهر للعقول.

– 6 أشهر إلى سنة ونصف أو سنتين لغيرهم ذوي التقنية والحرف، حسب ما تسمح به كفاءاتهم أو درجة غبائهم وطيبتهم، أو وضعيتهم الأمنية.

– ومدة مفتوحة للعناصر التي لا تحمل أدنى تورّع في الدماء، لكنها لا تصلح كعناصر قيادية.

وبهذه الطريقة تحرق الدفعة تلو الدفعة والجيل تلو الجيل وتبقى الأمّة الولودة المعطاءة بلا ذاكرة ترسل الشباب المتعطّش للجهاد والشهادة والمتعلّق بالموت والآخرة، فلا يفكّر في الدنيا ومشاكل الإمارة. ولا في حقوقه، أبعد ما يبحث عنه “الذاكرة” والتجارب السابقة، فهو عمّا قريب سيعانق الحور العين وتنتهي مشاكله ويبلغ حلمه، وا أسفاه على ذخرنا الاستراتيجي.

يتبع إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد