في هذه السلسلة نستعرض مجموعة من العوامل التي ساعدت الإنسان في تاريخه الطبي، وإن كانت الصدفة قد لعبت دورًا كبيرًا في بعض المجالات الإنسانية، إلا أنها لم تكن صدفة مجرَّدة وهذا ما نؤكده؛ فهي صدفة لاقت عينًا فاحصة وأذنًا واعية مما أفاد العالم في إيجاد فرص نجاح خالدة، وقد صنعت الصدفة من الفسيخ شربات!

في المقال السابق (اقرأ المقال هنا) عرضنا لدواء اعتُبِر الأكثر مبيعًا في كل العصور، ولم يقف الأمر عند المبيعات فقط خصوصًا في العالم الإسلامي؛ فقد صاحب ظهور هذا الدواء شعور آخر وتغيرت النظرة التي كانت تتهم الغرب بالتحيُّز! كان ذلك عام 1998 حين فاز الكيميائي المسلم الألباني الأصل الأمريكي الجنسية، فريد مراد، بجائزة نوبل للطب بالتشارك مع زميليه، روبرت فورجوت، لويس إجنارو، لاكتشافهم الخصائص القوية لمركب أول أكسيد النيتروجين، ومن خلال هذا المركب الكيميائي توصَّل العلماء الثلاثة إلى الأسس التي قدمت الفياجرا للبشرية. فوز مراد بجائزة نوبل حمل رؤية إيجابية للجنة الجائزة التي اتُهِمت بالتحيز للغرب ضد المسلمين، ويأتي بعد فوز الباكستاني محمد عبد السلام عام 1979 بالجائزة ذاتها في الفيزياء، وفي 1999 فاز الدكتور أحمد زويل بجائزة نوبل مما ينفي التحيز المُضمر ضد المسلمين.

كان ألفريد نوبل قد عانى من مشاكل بالقلب؛ فنصحه الأطباء بتناول مادة مستخرجة من أحادي أكسيد النيتروجين كعلاج مناسب لحالته! ليأتي ثلاثة علماء بعد مائة عام من وفاة ألفريد نوبل ويكتشفوا الخصائص العلاجية لمركب أحادي أكسيد النيتروجين، ويفوزوا بجائزة نوبل. فشلت فايزر في ابتكار دواء لعلاج الذبحة الصدرية عام 1992 ثم عادت بنفس العقار إلى عالم الأرباح عام 1998 بالصدفة البحتة.

والآن نمضي في هذا السبيل لنرصد ملمحًا جديدًا من ملامح هذا الموضوع، وأنت تدرك تمامًا أن الأحكام المسبقة تمنع الفرد من متابعة الأمر بشغف؛ فلو أنك تتابع مباراة بين أفضل فريقين في العالم، وقد عرفت مسبقًا النتيجة النهائية لهذه المباراة؛ فهل يكون حماسك وتركيزك منصبًّا على متابعة الأحداث عن كثب؟ إن كانت إجابتك بالنفي؛ فهذا منطقي لأن عامل التشويق والباعث على الشغف قد فُقِد، وإن كانت إجابتك على عكس ما نفترض؛ فهل يكون الشغف بنفس القوة؟!

هذا ما عايشه ألكسندر فليمنج! دخول الكيميائي معمله والطبيب عيادته وهما يحملان أحكامًا مسبقة عن نتائج التجارب التي لم تبدأ بعد، يعادل حكم القاضي على المتهم قبل سماع أقواله. انتبه لهذا الدرس! فقد كلف ألكسندر فليمنج الكثير؛ لعلَّك تذكر أن فليمنج اكتشف المضاد الحيوي، ولكنني لم أكتب هذا المقال لمجرد أنه اكتشف المضاد الحيوي! الذي يستحق الوقوف عليه مع فليمنج أبعد من ذلك بكثير، وهذا الدرس يجب أن نستوعبه في كل صور حياتنا.

صورة ألكسندر فليمنج

كان فليمنج يعاني من الاكتئاب وانعكس ذلك على عمله بوضوح، وكان فليمنج يعمل في مبنى قديم مهترئ يتبع مستشفى سانت ماري بالعاصمة الإنجليزية لندن، وفي بعض أيام أغسطس 1928 ترك عن دون قصد أحد أطباق بتري المعملية مكشوفًا. ربما لو عاد فليمنج لمعمله في اليوم التالي لاستدرك هذا الخطأ، لكن هذه الصدفة صادفت سفره إلى إسكتلندا في إجازة سنوية استمرت شهرًا. عاد فليمنج إلى لندن وباشر عمله في 28 سبتمبر؛ لينتقل العالم إلى رحابٍ جديد هو عالم المضادات الحيوية. في تلك الفترة كان تركيز فليمنج الأول ينصب على دراسة مرض الإنفلونزا؛ الذي أودى بحياة الإسبانيين ولم يكن في مخططاته ابتكار مضاد حيوي يغير خريطة العالم الطبية.

عندما استيقظت بعد الفجر مباشرةً في 28 سبتمبر 1928 لم أكن على استعداد بالتأكيد لإحداث ثورة في عالم الأدوية من خلال اكتشاف أول مضاد حيوي في العالم، لكنني أفترضُ أن هذا ما فعلته بالضبط. ألكسندر فليمنج.

ولعلَّك تسأل: وكيف ذلك؟ وما علاقته بالصدفة؟ الصورة التالية تشرح لك فكرة عمل اختبار المضادات الحيوية، وهي نفس الفكرة التي اكتشف فليمنج من خلالها المضاد الحيوي الأول في معمله بتوقيع الصدفة البحتة.

صورة اختبار حساسية المضادات الحيوية

في الصورة السابقة توجد أقراص من المضادات الحيوية المختلفة وُضِعت في وسط بكتيري، وتمثل الدائرة الفارغة حول كل نوع من المضادات الحيوية القدرة الفعالة لهذا المضاد على قتل البكتريا. تستخدم هذه الطريقة معمليًا لتعيين أفضل مضاد حيوي يمكن استعماله في القضاء على البكتريا فيما يُعرف باختبار حساسية المضادات الحيوية، وتختلف النتيجة من شخص لآخر وفقًا لظروف متباينة من أهمها مقاومة المضادات الحيوية. فإن سألت: وما علاقة ذلك بفليمنج؟ قلت لك: ترك فليمنج طبق بتري مدة شهر وهو يحتوي على وسط غذائي بكتيري، والعرف أن يكون الطبق محكم الغلق؛ فلما كان الطبق مفتوحًا دخله غبار يحمل مادة ما، وتكاثرت هذه المادة بطريقة أزاحت بعضًا من البكتريا. لاحظ فليمنج الفراغات في طبق بتري، اعتقد فليمنج الأهمية المحتملة للدائرة الخالية من البكتريا، ثم عزل جزءًا من تلك الدائرة في وسط غذائي مناسب فوجدها إفرازات لفطر يدعى بنيسليوم نوتاتوم Penicillium notatum وأن هذا الفطر له القدرة على قتل البكتريا؛ فأطلق عليه البنسيلين.

الصدفة تفضل العقل المستعد. لويس باستور.

كانت صدفة فليمنج غاية في الأهمية للعالم؛ ويمكنك تصوُّر أهمية هذا الاكتشاف المهم بقراءة معاناة سيملويس مع زملائه من الأطباء، ودحض لويس باستور لنظرية التوالد التلقائي، واستعمال إدوارد جنير للمطهرات خلال العمليات الجراحية، وكيف أن تلوث الجروح بعد العمليات كان سببًا كافيًا لموت المريض. حفط البنسلين 15% من عمليات البتر خلال الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1944 أنتجت الولايات المتحدة الأمريكية 2.3 مليون جرعة بنسيلين.

البنسيلين في الحرب العالمية الثانية

الاكتئاب الذي سيطر على فليمنج قيَّد روحه العلمية الوثابة؛ فكان عليه أن يباشر التجارب حول هذا الاكتشاف الذي تتوق له البشرية، لكنه لم يواصل التجارب في هذا الميدان واكتفى بالصدفة التي عنَّت له. كان بوسع فليمنج أن يحقن البنسيلين في فئران التجارب، وملاحظة التغيرات على الفئرات وتسجيل التأثيرات العلاجية. الحقيقة التي قد تدهشك هي أن فليمنج زهد في إجراء تلك التجارب ليس عن نقص الخبرة في هذا الجانب، بل لأنه توهَّم أن البنسيلين لا يستحق تلك المحاولة! ربما تمتلك أنت الآن مهارة أو ملكة ما، وتتوهم في قرارة نفسك أنها غير ذات قيمة؛ راجع نفسك! فربما كنت تقلل من أهمية فكرةٍ أو مهارةٍ قد تخدم بها من حولك، ولا تقلل من شأنك ولا تقبع في دائرة التخاذل والتقزُّم.

الأحكام المسبقة جريمة في حق نفسك وانتهاك صريح للمغامرة والاكتشاف، لو لم يقرر فليمنج في دواخله أن البنسيلين أقل من أن تُجرى عليه التجارب المعملية، ربما أحزر تقدُّمًا أكبر في تاريخه ومجده الشخصي. البنسيلين الذي استخف به فليمنج هو نفس المادة التي خلعت على فليمنج لقب فارس، وحصد من خلالها جائزة نوبل في الطب بالإضافة إلى هوارد فلوري وآرنست شين. لم يفز فليمنج بجائزة نوبل وحده لسببٍ خطير، وعليك أن تنتبه لهذا السبب؛ فقد يكون هو الذي يؤخر بزوغ فجر نجاحاتك، إنه التواصل الفعال!

اكتشف فليمنج البنسيلين بالصدفة، ثم قعدت به همته عن إجراء التجارب المعملية لتأكيد النتائج؛ فاقتنص هوارد فلوري وآرنست شين هذه الغنيمة الباردة، وطفقا يدرسان الفائدة الطبية للبنسيلين بالدراسات المكثفة، ثم قدما أوراقًا بحثية في هذا الصدد. كانا أشد حماسةً للأمر من فليمنج، في حين افتقر فليمنج للمهارات الاجتماعية وكان متحدثًا ضعيفًا لا يتمكَّن من لقاء الجماهير والخطابة وإيصال المعلومة لمن حوله، اعتاد أن يحاور الأطباق في معمله ولم يكسر حاجز الخوف من مخاطبة البشر والتأثير فيهم. كانت مشكلة فليمنج تتمثل في نقص المهارات الاجتماعية ونقص الأدلة حول البنسيلين؛ لذلك لم ينفرد بجائزة نوبل وإنما شاركه فيها من امتلكا المهارات الاجتماعية والأدلة الموثقة حول فعالية البنسيلين.

الاكتئاب أعاق فليمنج عن مواصلة طريقه العلمي تجاه نوبل، كما أنه عقد لسانه وسيطر عليه فكان منطويًا يرهب لقاء الجماهير والنقاش العام وتفنيد النقد، وأنت صديقي: هل تجد صعوبةً في التواصل مع من حولك؟ إن كان ذلك كذلك؛ فثق أن نجاح المرء يعتمد على المهارات الاجتماعية بنسبة 85% في حين أن الكفاءة التخصصية تسهم بما لا يزيد عن 15% من نجاحه. بادر باكتساب المهارات الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع مهاراتك العلمية؛ واستفد من درس فليمنج! امتلك وسائل النجاح ولا تتوقف عن مطاردة حلمك وهدفك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد