وقف الخلق ينظرون جميعًا، كيف أبني قواعد المجد وحدي. هذا هو مطلع قصيدة مصر تتحدث عن نفسها للشاعر الكبير حافظ إبراهيم و غنتها السيدة أم كلثوم. لكنه أيضًا مطلع فيلم اللمبي الذي عرض سنة 2002، بطولة محمد سعد، وعبلة كامل، وحسن حسني، وحلا شيحة.

إخراج وائل إحسان، وتأليف أحمد عبد الله، وإنتاج الأخوان السبكي قبل انفصالهما. وقت ظهور الفيلم على شاشة السينما لأول مرة اشتد الخلاف حوله، هل هو فيلم مسف لا قيمة له؟ أم هو تحفة فنية تسبق عصرها؟ وغلب الرأي الأول على الثاني بكثير، بالرغم من نجاح الفيلم في دور العرض وتحقيقه مكاسب كبيرة للغاية تفوقت على أفلام عادل أمام وقتها!

في هذا المقال لن أذكر رأي النقاد، سواء بالسلب أو الإيجاب، بل سأضع بعض المشاهد في هذا الفيلم، وأتساءل: هل فيلم اللمبي لم يأخذ حقه كاملًا بعد؟

يبدأ الفيلم بظهور محمد سعد «اللمبي» يترنح، ويحاول أن يمشي باتزان، بينما يغني جزءًا من أغنية السيدة أم كلثوم، وهو في الواقع لا يغني، بل يردد كلمتين فقط، وهما «وقف الخلق»، على عكس ما يظهر عليه تمامًا فهو لا يستطيع أن يمشي باتزان حتى!

وهذه سخرية واضحة من حاله، أو من الحالة التي وصلنا لها حيث كنا نضع قواعد المجد إلى أن وصلنا إلى هذه الحال.

وفي نفس المشهد يظهر نقيض اللمبي تمامًا، ضابط شرطة أنيق وواثق من نفسه يستوقفه ويسأل عن بطاقة هويته، يرد اللمبي أنه لا يحمل بطاقة، في دلالة على عدم وجود هوية اجتماعية له، وربما لا يوجد هوية على الإطلاق، فيسأله الضابط لماذا لا يحمل بطاقة، والإجابة هي أنه لا يملك جيب خلفي في سرواله!

وهذه إجابة عبثية تمامًا ليس لها علاقة بالسؤال الأصلي، وتعكس طبيعة حياته نفسها المليئة بالعشوائية، يأمره الضابط أن يرحل ولا يمر من هذا الشارع مرة أخرى، فيسأله اللمبي ببراءة «ليه هما لغوا الشارع؟» يمكن أن يحدث أي شيء لا أحد يعلم!

مشهد آخر يحمل دلالة رمزية هو صراع اللمبي مع كمان عم «بخ» على اسم الموسيقار الكبير «يوهان سباستيان باخ»، حيث يقول له عم«بخ» أنا بنضف ودانك، ويندم اللمبي سريعًا على موافقة دعوة عم بخ لسماع الموسيقى الكلاسيكية، ثم يبدأ الصراع بين اللمبي والكمان، فنرى القوس في البداية ينغرس في أذنه، ثم في مناطق مختلفة من وجهه، ثم يمسك القوص بفمه على طريقة شابلن وصراعه مع آلة تناول الطعام في فيلمه «العصر الحديث».

وفي مشهد عزاء والد عم بخ، ومفاجأة أن الصوان فارغ تمامًا، سوى من اللمبي وعم بخ، يسأل اللمبي «هو كان عنده إيه؟» يجيب عم بخ «اتنين صحابه» في دلالة أنه لا يمتلك إلا العلاقات الإنسانية وحدها.

وعند بكاء عم بخ يحاول اللمبي تهدئته، ولكن سبب بكاء عم بخ لم يكن وفاة والده، هو يعلم أن والده سيموت في يوم من الأيام كما أنه «عيط كتير» على حد قوله، ولا يوجد سبب جديد للبكاء على والده، لكن القهوة مرة، هذا مفاجئ ولا يوجد سبب، أهذا حقًا ما يستدعي البكاء!

وعند ظهور شخص ما بالخطأ يحاول اللمبي دعم صديقه بطريقته، أن يجبر هذا الشخص على التعزية، ويقوم بتخويفه بسلاحه الأبيض، هذه هي طريقته في دعم صديقه، ولا يعرف غيرها.

مشهد آخر مهم، هو حديث اللمبي مع والده عند إخراجه «عربة الكبدة»، هذا المشهد عبقري للغاية.. وهو الحديث مع الأهالي أو السلطة الأبوية بشكل عام، لا عائد أو منفعة حقيقية من خلاله، وكان الحديث عبارة عن نصائح لا قيمة لها، مثل «حط بصل كتير وفلفل كتير» أو «أهم حاجة النضافة» لا يوجد حل واضح أو دليل للسير عليه!

وبعض الآراء ذهبت أبعد من ذلك، وأسقطتها على العلاقة الإلهية، ومحاولة الإنسان للوصول إلى إشارة واضحة، لكن يأتي الحديث دون جدوى أو إجابة شافية، لكني لست مع هذا الرأى بشكل كلي.

اللمبي تجسيد حالة الضياع العام التي نمر بها في وطننا، حالة فقدان الأمل والبطالة وفساد الذوق وفقدان الهوية والأهلية، حتى أنه سأل سؤالًا وجوديًا «هو الواحد ليه متخلقش فرخة؟».

في محاولة للهروب من مشاكله، لكنه يتدارك ذلك سريعًا «بس حتى لو كنت فرخة كنت هلاقي ديك رزل يرزل عليا»!

كما أنه يواجه حقيقة الفناء وعدم وجود جدوى من كل ذلك في محاولة للنجاح في امتحانات محو الأمية بالغش «اعمل حاجة قبل ما تموت، ما انت كده كده ميت» ما الفارق أن يساعده للنجاح أو لا؟ سوف يموت في النهاية.

اللمبي ناقش قضية شديدة الحساسية بجملة كوميدية للغاية «إيه دا أنت بتفكري في الحاجات دي برده؟ وأنا اللى فاكرك مؤدبة» لخص تشيؤ النساء، واحتكار الرجال حق الرغبة الجنسية، ونظرة المجتمع لمن ترغب في الجنس بأنها مش مؤدبة، كأن النساء لا يشعرن.

كل ذلك في جملة واحدة، في مشهد واحد!

كما يذكرنا الفيلم بالشيوعية في مشهد الفرح والبدلة الحمراء، عندما سألته نوسة عن هذه البدلة التي يرتديها، فأخبرها ««إيه مش عجباك البدلة، دي أشيك بدلة عند أبويا لما اتمسك لما كان شيوعي، إيه الكلمة دي».

هو يعلم أن والده قبض عليه لأنه شيوعي، في نفس الوقت الذي لا يعرف فيه معنى الكلمة نفسها، وهذا حال معظم الناس، هي تعرف أن كلمة شيوعي تعني الذهاب إلى السجن، لكن ما معنى الشيوعية؟ لا تعرف!

كما بدأ الفيلم بأغنية لأم كلثوم انتهى الفيلم بأغنية أخرى، وهي ««حب ايه» لكن بالأداء الشعبي الذي تفهمه هذه الطبقة من الشعب، التي غناها اللمبي في فرحة؛ في إشارة إلى فوز الحب الحقيقي الذي لا يشترى بالمال كما يفعل غريمه.

(حب إيه اللي انت جاي تقول عليه، أنت عارف قبلة معنى الحب إيه؟).

آخر مشهد لدينا هو مشهد زيزي الرقاصة، وجملتها «أنا رقص استعراضي، الناس دي سكرانة مش هتفهم اللي أنا هقدمه الناس، دي عايزة أي واحدة عريانة ترقص على أي طبلة»

في إشارة لغياب الوعي العام لهذه الطبقة وغياب المقاييس الجيد والسيئ.

هل اللمبي سابق عصره حقًا؟ أم أن هذه خيالاتي أنا فقط؟ على كل حال إن كانت مجرد خيالات فهي خيالات ممتعة وتجعل الفيلم أفضل بكثير، وإن كانت مقصودة فنحن لدينا تحفة فنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اللمبي, فيلم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد