رقصت «منى البرنس» فانتفض المجتمع ورفع حراس الفضيلة سيوفهم وأعلنت نقابة علماء مصر التي لم ترى النور – وأحمد الله على ذلك – ضرورة فصلها من عملها فيما تقدم محامي برفع دعوى، لأنها تعدت عليه باعتباره ينتمي لـ«الهيئات القضائية» ولا أعرف متى كان المحامي «هيئة قضائية»؟

إخواننا من أصحاب نظرية أن «فتاة الزقازيق» تستحق بسبب ملابسها الخادشة للحياء لم يخرجوا علينا بفتواهم وإن كان آخرون تطوعوا بمقولة أخرى من قبيل «لو دي أختك هترضى تشير مقطع فيديو لها زي كده».

كل هذا العبث يحدث بعد عبث آخر عن حوادث الاغتصاب حتى صفعتهم الحقيقة بـ«اغتصاب طفلة البامبرز»، ثم صفعتهم مرة أخرى باغتصاب «طفل معاق ذهنيًا»

الاستاذة «منى البرنس» التي اتُهمت فجأة بازدراء الأديان وانتقدها المجلس الأعلى للجماعات، رغم أن أحد أعضائه قال «دي عليها رقص» على حد وصف من روى لي الواقعة، قالت إنها لم تفعل شيئًا خطأ وأن ارتداءها للبكيني أمر عادي، ونحن نقول لها أن ما فعلته سواء رقص أو ارتداء بكيني هو أمر عادي جدًا لا ينتقص منها ولا يسيء إليها، بل يسيء إلى كل من انتقدها من منظور «حارس الفضيلة».

الأمر ذاته تكرر مع طلاب إحدى المدارس الأمريكية، حين نظموا حفلة لتخرجهم في أحد الأماكن المخصصة لذلك، ولعلنا نقف أولًا أن تلك الحفلة كانت في مكان خارج أي مؤسسة تعليمية وأن الطلاب استأجروا مصورًا فيما يعرف بـ«الفوتو سيشن» ليلتقطوا الصور التذكارية، ونُشرت على أحد مواقع التواصل الاجتماعي لينهال الجميع عليهم من نفس الباب والتأكيد أن ذلك يتنافى مع منظومة القيم والتعليم.

ورغم كثرة الجوانب لهذا العبث، لكن حالة الازدواجية التي نعيش فيها ليل نهار لن تزيدنا سوى شقاء وبؤس، إذ يمكن قبول تلك المبررات في حالة أن هناك تعليم من الأساس، لكن أن يتركوا كل أسباب التخلف ويجعلوا «رقصة» هي سبب انهيار القيم المنهارة أساسًا، والدليل حوادث تلك الأيام من اغتصاب وسرقة وتحرش، يعني أننا مستمرون في الطريق نحو الهاوية.

على مدار السنوات الماضية والتعليقات المستفزة موجودة، في البداية كان الأمر لا يعدو اختلاف وجهات نظر، في بعض الأحيان آراء جاهلية تقبلناها كما نتقبل كافة الآراء من منطلق الحرية.

ما ظهر لاحقًا بدد تلك النظرة، أن الأمر ليس تقبل آراء بل إقصاء وتعجيز وحبس وإرهاب فكري في وقت نحارب فيه إرهاب السلاح ، ففي الوقت الذي يزج بالسجون كل من اختلف مع الدولة فكريًا، وبتهمة ساذجة كخدش الحياء العام وازدراء الأديان تُترك المنابر للذين يحرمون كل عيد ويؤكدون أن مصافحة غير المسلم «حرام» يدعونا لمعرفة بوصلة تلك الدولة.

«منى البرنس» حالة تجسد الأمر، من تحرك ضدها مؤسسات دولة، عاقبوها وقال أحد «العلماء» أن العلم والقيم سقط حين ارتدت «البكيني».

إذا كانت الدولة تريد ذلك فلتعلنها بوضوح إنها دولة «طاهرة» ولن ندقق في نسب الاغتصاب ومشاهدة أفلام البورنو وجرائم السرقة والفساد والإرهابيين، سنتغاضى عن كل ذلك باعتبار أن أمثال «منى البرنس» هم السبب الأول في ذلك، فقط عليها أن تخبرنا أين نذهب حتى نرى مصر الجميلة المتقدمة الطاهرة التي تسود العالم وتنهي الفساد وتتقدم في مؤشرات التنمية والشفافية وتقيم فيها الصلاة ليل نهار، سنصدق حراس الفضيلة في أن «الرقص عيب» و«الغنا حرام» و«البكيني» رجس من عمل الشيطان وسبب الغمة وبلاء الأمة في مقابل أن تصبح الدولة قوية متقدمة.

وإذا كانت الدولة تشاطر حراس الفضيلة نفس الاعتقاد فلتعلنها صريحة دون مواربة ولنطرد كل من على شاكلة الأستاذة الجامعية لأنهم «أناس يرقصون»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد