بعد أيام قليلة من انطلاق المظاهرات في الجزائر أبدى صديقي دهشته الشديدة من عودة مشاهد المظاهرات والاحتجاجات مرة أخرى إلى شوارع المدن العربية، مستغربًا كيف لم يستوعب الشعب الجزائري الدرس القاسي الذي تجرعته شعوب الموجة الأولى من الربيع العربي بعد أن تعرضت لقمع عنيف ووحشي كان يهدف بالدرجة الأولى إلى معاقبة الشعوب على مطالبتها بالحرية وإعطائها درسًا يبقى عالقًا في الذاكرة ويمنعها من تكرار ذلك إلى الأبد.

ففي مصر تم الانقلاب على نتائج العملية الديمقراطية، وفي سوريا قتل مئات الآلاف وتم تهجير الملايين فضلًا عمن عذبوا واعتقلوا وجرحوا وتيتموا في سبيل بقاء بشار الأسد في السلطة، وفي اليمن احتلت صنعاء بمليشيات حوثية ليست أفضل حالًا من القوات السعودية التي تحاربها والتي تورطت في دماء الآلاف من المدنيين عبر القصف الجوي والغارات الدموية، حتى وصل الأمر باليمنيين إلى الموت جوعًا ومرضًا، أما في تونس فما زال الارتباك سيد الموقف، ولا زالت المخاطر المحدقة بالتجربة موجودة مع تصاعد خطابات التخوين والتهديد والوعيد بين الفرقاء السياسيين، حتى تجرأ بعض مرتزقة الأنظمة القديمة إلى اتهام الربيع العربي بأنه المسؤول عن تلك الكوارث التي حلت بالدول العربية، بل وحتى اتهام الثورات بأنها السبب وراء قرار ترامب الاعتراف بضم هضبة الجولان المحتلة إلى إسرائيل، وفقًا لما زعمته صحيفة اليوم السابع الموالية للنظام في مصر عبر رسم كاريكاتوري لا يقل في وقاحته عن وقاحة ترامب نفسه، صديق السيسي الحميم!

لكن بعد كل هذه المآسي الهائلة ما زالت الشعوب العربية لديها القدرة والجرأة على الخروج إلى الشوارع بدءًا من السودان مرورًا بالجزائر، وحتى مصر التي لم تشهد حراكًا شعبيًا منذ 2016 شهدت ميادينها مظاهرات محدودة من مواطنين ليسوا بمسيسين اعتراضًا على تردي الأوضاع الاقتصادية، واحتجاجًا على حادث قطار رمسيس الذي أودى بحياة 22 شخصًا وكشف عدم اكتراث السلطة بإصلاح منظومة النقل التي تهدد حياة المصريين، كما تشهد شوارع سوريا خروج الآلاف من السوريين في كل فرصة تتاح لهم للتعبير عن أن الثورة لا زالت حية، وتشهد محافظة درعا التي يسيطر عليها النظام حراكًا جديدًا رافضًا للنظام، بعد أن خرجت المئات رفضًا لإقامة تمثال حافظ الأسد مرة أخرى بعد أن حطمه المتظاهرون في بدايات الثورة عام 2011، وكتب سوريون على جدران المدينة «ثورتنا مُستمرة» و«يسقط الأسد».

ثمة العديد من الأسباب التي يمكن تناولها لتحليل أسباب عودة عجلة الربيع العربي إلى الدوران مرة أخرى، لكن أهم وأبرز تلك الأسباب يتمثل في عجز أنظمة ما بعد قمع الربيع العربي عن تقديم أي بديل أو إنجاز لإقناع المواطنين بتجنب الاحتجاج، ففي مصر مثلًا اعتقد قطاع من المصريين أن الاستسلام والتنازل عن الحرية السياسية سيؤدي إلى العيش في رخاء ونعيم وأمان، مع تدفق المليارات من بعض الدول الخليجية الداعمة للنظام وفقًا للمعادلة القديمة «الخبز مقابل الحرية» لكن المعادلة فشلت هذه المرة فشلًا ذريعا ووجد المصريون أنفسهم أمام واقع اقتصادي يأكل مدخراتهم ويضغط على معيشتهم بشكل يفوق الاحتمال وكما قال الكاتب أسامة غريب ذات مرة «لقد رضي الناس بالذل لأنهم اعتقدوا الأمان قرينه.. فإذا بالذل يفاجئهم ويأتي وحده». ولا يختلف الأمر في السودان أو في المناطق التي عادت إلى حكم بشار الأسد مرة أخرى، التي تعاني من أوضاع اقتصادية خانقة مع تطبيق العقوبات الأمريكية الجديدة فيما يبدو وكأن إيران لا تستطيع المساعدة هذه المرة ومد يد العون، إذ تعاني هي الأخرى اقتصاديًا بشكل كبير جراء استئناف العقوبات الأمريكية.

أما السبب الآخر المهم الذي أفشل محاولة تعليم الشعوب العربية درس عدم المطالبة بحقوقهم مرة أخرى، فيتمثل في الغطرسة الشديدة التي تعاملت بها الأنظمة مع الشعوب بعد قمعها أول مرة، فلم يتم الاكتفاء بالقمع فقط بل كان هناك إصرار على إذلال الشعوب ومعاملتها بإهانة واستهانة بالغة والإمعان في تجاهل مطالبها، بل والسخرية من تلك المطالب علنًا وإطلاق التهديدات ضد الشعوب بشكل صريح ومباشر، وكأنهم يقولون «نحن هزمناكم شر هزيمة وسنذيقكم الذل والمهانة كل يوم».

فكثيرة هي المناسبات التي سخر فيها السيسي من مطالب المصريين وآلامهم، ولا تزال وعوده بعدم تعديل الدستور التي أطلقها قبل أشهر قليلة فقط ماثلة إلى الأذهان، فيما يبدو وكأنه قرر فجأة تمرير تعديل الدستور ليلحق بصديقه ترامب قبل أن يغادر البيت الأبيض، كما ينوي رفع الدعم نهائيًا في يونيو المقبل رغم غضب المصريين العارم، كما أن إصرار الزمرة المحيطة بالرئيس الجزائري على ترشيح بوتفليقة رغم حالته الصحية المتردية أفضى إلى إحساس عميق بالإهانة شعر به الجزائريون، وهو نفس الإصرار الذي يتمتع به الرئيس السوداني الذي يبدو أنه لم يتخل حتى الآن عن مشروعه لتعديل الدستور ليبقى في الحكم إلى ما شاء الله، وحتى في ليبيا التي كانت ماضية في طريقها لإقامة مؤتمر وطني جامع يفضي إلى انتخابات حرة وتقاسم للسلطة بشكل حضاري، لم ترض أنظمة الشر العربية بتلك النتيجة وأصرت على الحسم والسحق بشكل كامل عبر إطلاق عملية عسكرية يقودها «الخادم الأجير» حفتر بحسب تعبير الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي.

والآن مع نجاح الحراك الجزائري في الإطاحة ببوتفليقة واقتلاع نظام البشير في السودان وتصاعد دعوات معارضة النظام في مصر وتمسك السوريين بثورتهم وإعلان الرئيس التونسي عدم ترشحه لولاية رئاسية جديدة، يبدو أن الشعوب العربية لم تتعلم الدرس فعلًا.

لكن يبدو أن البعض لم يستوعب الدرس ولكن هذه المرة بالمعنى السلبي بعد انتشار عدد من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تمجد في الجيش الجزائري وجنرالاته وتتحدث عن أن الحراك الجزائري سيصنع نموذجه الخاص، وتشير إلى وجود مليارات الدولارات المنهوبة وتقوم بتقسيمها على عدد الجزائريين ليحصل كل جزائري على نصيبه، وهي منشورات نسخة طبق الأصل من مثيلاتها التي انتشرت في مصر بعد تنحي مبارك، عندما تغزل البعض في المجلس العسكري وتحدثوا طويلًا عن نصيب كل فرد من الأموال المهربة بعد استعادتها وقالوا عن الثورة المصرية إنها الأفضل والأعظم في التاريخ، فإذا بها ثورة عادية مثل غيرها يمكن احتوائها والانقلاب عليها، ندعو الله أن يجنب إخواننا في الجزائر ذلك المصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد