الفقر ظاهرة عامة لا ترتبط بظروف محددة بذاتها ولا تقتصر على شعوب بذاتها, فالفقر يوجد في كل مكان، ولا توجد وصفة شاملة تحل مشكلة الفقر لكل زمان ومكان. فحل المشكلة يختلف من بلد لآخر؛ فالفقر في أمريكا ليس هو الفقر في النيجر, ولا يشابه الفقر في بلدان الخليج مثلا, فالمكان والزمان والثقافة تختلف, ومن ثم تختلف المشكلة وتختلف حلولها: قل لي أي نوع من الفقر تعاني ومن هم الفقراء، أقل لك كيف تواجهه وتتعامل معه.

ومن أهم عيوب كثير من مداخل علاج الفقر في بلادنا: اعتبار الفقر سببًا وليس نتيجة, لأن تعريف الفقر يؤدي بشكل تلقائي إلى السياسات المتبعة أو المقترحة لعلاجه أو التخلص منه. فالناس لا يولدون فقراء, لكن يتم إفقارهم عمدًا بسبب سياسات وأساليب للإنتاج والتوزيع للموارد ينتج عنها الفقر. وحدوث الفقر ليس بسبب عدم الإنتاج, إنه ينتج عن عدم وجود فرص العمل أو إغلاقها أمام القادرين والراغبين فيها والباحثين عنها. فإنتاج شخص عاطل يساوي صفرًا ليس لأنه غير قادر على الإنتاج ولكن لأنه ليست لديه وظيفة, والدليل أن العديد من أشهر محامينا وموظفينا وفلاحينا وأطبائنا قد تخطوا الستين.

كيف نواجه الفقر؟

والمواجهة الجادة لظاهرة الفقر تتطلب أولا تحليل العلاقة بين الفقر ومؤشرات التنمية البشرية، وتحتاج ثانيًا إلى التعمق في فهم قضايا الفقر في ارتباطها بسياسات الدول، خاصة ما يتعلق بمشكلات التهميش الاجتماعي التي تتعرض لها بعض الفئات مثل: المرأة والطفل والشباب والأقليات الدينية أو العرقية أو الإثنية أو الجماعات المعارضة لأنظمة الحكم داخل البلدان المختلفة.

فالناس ليسوا فقراء لمجرد أنهم غير منتجين,ففي الأغلب هم غير منتجين لأنهم أعيقوا بصورة جعلت منهم فقراء. ولا يوجد بَلدان يواجهان نفس الفقر على وجه التطابق, ومن ثم ستختلف طرق معالجة الفقر من بلد لآخر ومن مكان لآخر داخل نفس البلد، بل من فئة لأخرى أيضًا.فلكل نظام اقتصادي عرفه التاريخ الحديث والمعاصر فقره الخاص به.

 

فشل مستمر:

لذا فعندما نريد أن نفهم الفقر فإن نظرية الاقتصاد التقليدية لن تنفعنا كثيرًا. فالفقر مسألة يجب فهمها من منظور مختلف عن منظور النظرية التقليدية، خاصة رؤية الليبراليين الجدد أو كهنة اقتصاد الريع والفساد في أممنا المبتلاة بقادتها ونخبها. فالفكر الاقتصادي الوضعي يدرس مسائل الاقتصاد بعيدًا عن الدين والأخلاق، ويرى أنه من الأفضل تسوية الأمور الاقتصادية بالرجوع إلى السلوك الاقتصادي لا بالاستناد إلى أية منظومة اجتماعية للسلوك الأخلاقي.

فالنظام الرأسمالي مثلا يجد فلسفته في المذهب الفردي, وهو يرى أن لا تعارض بين خير الفرد وخير الجماعة. والفكر الكلاسيكي الجديد يرى أن السوق تقدم أفضل الحلول للمشكلات الاقتصادية وهذا لم يكن صحيحًا أمس ولا اليوم ولا غدًا. وهو يرى أن إدارة حكومة البلد للاقتصاد في أفضل حالاتها غير فاعلة وهي في أسوأ حالاتها تزيد الأمور سوءًا، وهناك وجهة نظر يتبناها صندوق النقد والبنك الدولي تلقى تأييدًا واسعًا مؤداها أن النمو الاقتصادي يمكن تعزيزه بمجموعة من السياسات التي ترمي إلى تشجيع استقرار الاقتصاد الكلي: (تضخم منخفض ثابت، وعجز منخفض للميزانية العامة ودين خارجي يمكن الوفاء به) وتشجيع الانفتاح على التجارة الدولية, إلا أن ذلك أدى إلى أن أصبح ثلثا العالم فقراء.

وعلى الرغم من أن الاقتصاد الاشتراكي يقوم – نظريًّا – على إشباع الحاجات وليس تحقيق أقصى الربح، إلا أنه فشل في القضاء على الفقر. فقد فشلت المنظومة الاشتراكية في عالمنا على مدار أكثر من سبعين عامًا في أن تقضي على الفقر من خلال الاشتراكية وتدخل الدولة وتأميم وسائل الإنتاج. وما خلفته النظم الاشتراكية والشيوعية في بلدان المنظومة الشرقية ومن دار في فلكها أبلغ دليل على الفشل الذريع لفلسفة الفكر الاشتراكي العلمية في التعامل مع الفقر.

على الجانب الإسلامي، بالرغم من أن التجربة النبوية وامتدادها في حكم الراشدين حققت نجاحًا نسبيًّا في التعامل مع الفقر وتقليله من خلال سياسات اقتصادية وأدوات لتوزيع وتفتيت الثروة والوصول بها للفئات الفقيرة في المجتمع ومحو الفقر من المجتمع, إلا أن مجمل التجربة الخاصة بالمسلمين في التاريخ بعد تلك الفترة – إلا استثناءات قليلة – لم تنجح في القضاء على الفقر, بل تزايد معدله بموجات كبيرة.

ولا يعود ذلك إلى الإسلام ذاته؛ فقدرته قد أثبت جدارتها التاريخ عبر التجربة النبوية وفترة حكم الراشدين. لا, بل إلى عدم قدرة المسلمين على ابتكار نظام اقتصادي عادل لأسباب تتعلق بليل الاستبداد الطويل الذي خيم على أرضهم, وما عانته الأمة من احتلال خارجي, وإهدار لقدرات وملكات الإنسان المسلم عبر الإفقار المعرفي والمادي الذي عانى منه الإنسان المسلم طيلة أربعة عشر قرنًا.

 

براديم فكري جديد لفهم الفقر:

ومن هنا كان الاحتياج إلى نموذج أو براديم فكري لفهم الفقر ليحيط بأبعاد الظاهرة وقسماتها السائدة, فمنهج التحليل الاقتصادي الكلاسيكي غير كاف لتحليل مشاكلنا الاجتماعية وبخاصة الفقر, ولا ينفع التركيز على عامل واحد مثل النمو الاقتصادي لحل المشكلة, فهناك عوامل غير اقتصادية تحيط بالمشكلة وتعقدها وتجعلها عرضة للوقوع في الدائرة المفرغة وبالتالي الفشل في حلها. فلا توجد مشاكل اقتصادية فقط ولا يوجد فقر فحسب, ولكن الأنظمة الاجتماعية تملك مشاكل مختلفة لها جوانب سياسية واقتصادية وثقافية. فكل الجوانب مترابطة وينبغي درسها في إطار تعقدها الثقافي إذا أردنا التخلص من الفقر.

فالحكومة باعتبارها ممثلة للمجتمع، عندما تقرر الطريقة التي ينبغي أن يوزع بها الدخل القومي، قد تستخدم مقاييس غير اقتصادية مثل: عدم ترك إنسان يلفظ أنفاسه بسبب الجوع, ورعاية غير القادرين عن العمل, وتمكين بعض الوظائف من الحصول على دخل أكبر لأن عادات المجتمع وتقاليده تظلم هذه الطوائف لأسباب متعددة. وهي عندما تقر التدخل في توزيع الدخل تدخلًا مباشرًا لا تنظر إلى مشكلة التوزيع على اعتبار أنها مشكلة اقتصادية فحسب, بل على اعتبار أنها مشكلة اجتماعية وخلقية وسياسية أيضًا.

لذا فإن ما نحتاجه اليوم هو إعادة التفكير في كل ما نعرفه عن الفقر وكيفية التعامل معه من جديد. فمن يسعى لتوجيه التحول في اقتصاد ما عليه أن يدرك بأن التغير في الفلسفة التي تحكم اختيار السياسات والمؤسسات ينبغي أن يسبق التغيرات في العوامل الاقتصادية. ومن يروم القضاء على الفقر عليه أن يحدد وجهته ورؤيته قبل أن يرسم سياسة أو ينفذ برنامجا.

 

ثلاثة إصلاحات:

عند الحديث عن حل مشكلة الفقر في بلادنا فنحن نحتاج إلى ثلاثة إصلاحات: إصلاح مؤسساتنا السياسية، والاقتصادية، وإصلاح رؤيتنا لعلم الاقتصاد ذاته. فالإصلاح السياسي متعلق بوجود نظام ديمقراطي يخضع لقيم العدل والمساواة والحرية، ويخضع للمعايير العالمية للحوكمة والشفافية، ويتم فصل المال عن السياسة وإعادة الحكم للشعب، وإصلاح التعليم والإعلام والاهتمام بالصحة والأخلاق, وكل ذلك شأن سياسي.

وإصلاح الاقتصاد يتعلق بإعادة توزيع الدخول بين رأس المال والعمل، وعلى السياسة العامة أن تعكس الهم الإنساني الأساسي بدلا من الاهتمام بالنمو, فالفقر يتطلب خططًا لإعادة توزيع الدخول وسياسات لرفع المستوى المعيشي للشعب ليحيا حياة طيبة من شتى جوانبها. وتغيير رؤيتنا لعلم الاقتصاد باعتباره اقتصادًا معياريًّا يحترم كرامة الإنسان ويظهر الحساسية للمعاناة الإنسانية والحاجات الإنسانية الأساسية غير المشبعة. وهنا دور الأمة المسلمة الغائب لتحقيق ذلك.

 

الإنسان هو المورد الوحيد الذي لا ينضب فكيف نتركه يجوع ويعرى ولا يعمل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

البطالة, الفقر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد