عند أي أزمة يعد السؤال الأكثر طرحًا عند الكل دون استثناء هو ما الحل، وهذا السؤال هو الأكثر طرحًا والأكثر بحثًا من طرف الشعوب، خاصة شعوب ما اصطلح عليه بالعالم الثالث، كل تلك الشعوب لذلك العالم تطرح ما الحل لتجاوز كل المشاكل التي جعلت منهم يعيشون في تأخر عن ركب الأمم الأخرى.

ولأن الجزائر مثلها مثل تلك الدول، التي تتذيل ترتيب الدول في العالم، فعند كل انتخابات رئاسية يبحث الناس عن الحل الأمثل للتغيير، لتغيير هاته الحكومات غير المحبوبة من طرف شعوبها، فيذهب الكثيرون إلى حلول سهلة ومستهلكة ظانين أنها لو طبقت لكانت الحلول المثلى لإرغام السلطة على التنحي، وترك المجال للشعوب لاختيار مرشحيها.

من بين تلك الحلول الجاهزة التي يرددها الكل هي الاضراب الشامل من طرف الشعب، في أن يبقى في بيته، مع إغلاق المحلات، وتوقف المواصلات، وشلل الإدارة، وما إلى ذلك من إضراب شامل في كل ربوع الوطن، أٌقول إنه حل مثالي جدًّا، بل هو حل فعال، والمتتبع لثورة التحرير الوطني فيجب عليه أن يقف إجلالًا بتحية إعجاب وتقدير للجنة التنفيذ والتنسيق حينما قرروا الإضراب الشامل، لمدة ثمانية أيام سنة 1957، مما اصطلح عليه فيما بعد بإضراب الثمانية أيام، والمتتبع لثورة التحرير الوطني يدرك جيدًا مدى فاعلية ذلك الإضراب والضرر النفسي قبل كل شيء الذي ألحقه بالعدو الفرنسي، والثقة التي بثها في رجال الثورة التحريرية.

نعم إن فكرة الإضراب فكرة عظيمة، لكنها في حالة الجزائر 2019 لن تؤتي أكلها ولو بعد حين، إذا استمر الوضع كما هو، وذلك لأسباب عديدة، أهمها، أننا لو قمنا بإضراب شامل للضغط على السلطة الحاكمة، ولنفرض أن السلطة الحاكمة استجابت للشعب تحت ضغط الإضراب، فما البديل الذي نقدمه، كيف سيتصرف الشعب بعدها، في ظل غياب النخبة تحت حجة تغييبها من طرف السلطة، في من سيثق الشعب؟ من هو مرشح الشعب؟ كيف ستدار المرحلة من بعد؟

ألن يكون من السهل اختراق ذلك الإضراب الذي قدم بدون بديل، في حركة شجاعة وجريئة لكنها غير مدروسة العواقب، مثلها مثل قصة دون كيشوت الذي لبس خوذته وحمل سيفه وركب حصانه، ولما قرر القتال، هاجم طواحين الهواء لتعلو به عاليًا وتطرحه صريعًا يعاني المرض حتى الموت.

إن فكرة الإضراب الشامل رغم نجاعتها تاريخيًّا، فإنها يجب أن تكون مدروسة، ويجب أن تطرح حينما يكون البديل جاهزًا، والأرضية ممهدة، ففي إضراب الثمانية أيام، كانت هناك قيادة موحدة يثق بها الشعب، وينتظر أن تمثله وقت نجاح الإضراب، ممثلة في جبهة التحرير الوطني (الحقيقة)، فما إن نجح الإضراب حتى كان ممثلو الشعب في وجه العدو بكل قوة وثقة ضد العدو، لأخذ حقوق الشعب والدفاع عنه.

إن الحل لأجل إخضاع السلطة، وحفظ حقوق الشعب، وفوز مرشح الأغلبية، أيًّا كان نوع المرشح، يجب أن تمهد إليه الطريق بالشكل الصحيح، وذلك عبر نشر الوعي من طرف النخب باختلاف عقائدها، فعندما نكتسب درجة من الوعي نكون قادرين على المطالبة بالحقوق المتبوعة بأداء الواجبات تجاه الوطن، ساعتها فقط سينجح الإضراب، وكل طرق الضغط الشرعية، للإخضاع السلطة الحاكمة لقرار الشعوب.

إن سبب تخلف الدول المستبدة التي اصطلح عليها بالعالم الثالث هم الحكام؛ لأنهم يملكون استخدام كل الآليات بما فيها العنف، لأجل تكريس ثقافة الذل والخضوع، وسياسات الترهيب والترغيب، ولأجل مجابهة استبداد الحكام وجب على الشعوب أن تسعى لأجل اكتساب الوعي الكافي لأجل المطالبة بالحقوق حتى أخذها، مع القيام بالواجبات على أكملها تجاه الوطن، ونشر الوعي لا يكون إلا بالدور الحقيقي القوي و الجريء من طرف النخب.

إذا لم تتقدم النخب لأجل لعب دورها الحقيقي، في نشر الوعي لدى الشعوب، والوقوف في الصف الأول للمعارضة، ضد السلطة، فأي حراك للشعوب وحدها لن يكون إلا فوضى في ثوب ثورة، ستجعل من البلد أكثر بؤسًا مما هو عليه في ظل سلطة مستبدة، لذا فإني وإن كنت معتقدًا كل الاعتقاد بأن سبب تأخر دول العالم الثالث رغم مواردها الهائلة هم الحكام، فإني معتقد أيضًا كل الاعتقاد أن سبب استكانة الشعوب ورضاها بالذل الذي هي عليه، هو بسبب انقسام النخبة، بين جبناء وبائعي الذمم، وبعض شريف منهم، لكم هم إما في السجون أو أصوات متفرقة لا تسمن ولا تغني من جوع، للأسف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد