المجتمع المصري الآن يحصد نتاج القرارات والسياسات الخاطئة التي انتهجتها الأنظمة الحاكمة منذ قرابة النصف قرن، مجتمع غرق في بحر من الفساد والجهل والمرض والفقر حتى يئس من النجاة واستسلم للأمواج العاتية ورقد بالأعماق جثة هامدة، حالة شديدة من اليأس وانعدام الرؤية وفقدان الرغبة في الحياة تظهر جليًّا على وجوه الخلق، فقط ابتعد عن برامج التوك شو وصفحات الإنترنت وهواة التنظير والتفلسف واهبط إلى قلب المجتمع والتحم مع عرق الناس واستشعر دقات قلوبهم المتوجسة واستمع لآهاتهم المكتومة.

يزعم المؤرخون أن أول ثورة جياع بالتاريخ كانت مصرية خالصة، حيث ثار المصريون بوجه الملك بيبي الثاني بعد تردي الأوضاع ووجود مجاعة وفقر شديد، وما فعله الأجداد منذ آلاف السنين يمكن أن يكرره الأحفاد اليوم، الحالة الاقتصادية المتردية والفقر المدقع الذي تجاوز الفقراء ليشمل قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطى لا يحتاج عين خبير كي يدرك خطورة الوضع، وأن المصريين علي وشك الانفجار، ناهيك عن أن السياسات الاقتصادية الحالية تساهم بعجلة متسارعة لحدوث طوفان شعبي قادم، فالنمو الاقتصادي يشهد تراجعًا عنيفًا، والتنمية الاقتصادية لا تشهد تطورًا يُذكر منذ عقود، معدل التضخم يصل 13.4 % وفي ازدياد مستمر، والدولار يسجل مستويات غير مسبوقة، المواطنون البسطاء ممن كانوا خارج المعادلة السياسية ولا تحركهم قضايا مثل الحرية وعدم التبعية والاستقلال الوطني رغم ارتباطها الوثيق بحياتهم اليومية بدأت تظهر بينهم بوادر احتجاجات؛ عندما طالت السياسات الخاطئة جوانب حياتهم بصورة مباشرة، وبقدر لا يطاق ويستحيل احتماله، المؤسسة العسكرية وهي المؤسسة الوحيدة المتماسكة بدأت تطالها سهام النقد بشكل مكثف، وهو أمر غريب على المجتمع المصري، فرفع الدعم أدى لزيادة هائلة في أسعار الكهرباء والمياه والوقود بكافة أنواعه والسلع الغذائية وغيرها، وبالطبع الزيادة ستستمر ولن تتوقف؛ فالحكومة تلجأ لمواجهة عجز الموازنة بمزيد من الاقتراض وآخرها صندوق النقد الدولي، الذي سيحملها تطبيق أجندة اقتصادية تخدم مصالحه وتحفظ حقوق المقرضين، وبالطبع سيتحمل الفقراء والطبقة الوسطي وحدهم آثارها التي بدأت تظهر نواياها في حديث الرئيس السيسي عن اعتباره أول تجربة حقيقية للإصلاح الاقتصادي بمصر، وبدأت بالفعل في إقرار قانون الضريبة المضافة التي ستظهر آثاره بداية أكتوبر المقبل وستضيف أعباء أخرى على عاتق المصريين، لكن يبدو واضحا أن السلطة الحالية تعول في كثير من قراراتها علي صبر المصريين وقدرتهم الفائقة علي التكيف مع أقسى الظروف، ولكن حتى وإن صح هذا الرأي في جانب من جوانبه لكنه ليس صحيحًا في المطلق، فالمصريون لم يحرروا صكًا بكونهم مسالمين صبورين، فلو استعرضنا آخر مائة عام فقط من عمر الشعب المصري لوجدناه يبدأ بثورة 1919 ثم سنوات المقاومة الشعبية  للاحتلال الإنجليزي، مرورا بثورة يوليو، التي أحدثت تغييرات جذرية بحياة المصريين، ثم محاولات استرداد الأرض بحرب الاستنزاف، والتي توجت بحرب أكتوبر 1973، مرورًا بانتفاضة الخبز ضد السادات ،1977 وإضراب 6 أبريل بالمحلة الكبرى وثورة 25 يناير وختاما 30 يونيو، التي أسقطت حكم الإخوان المسلمين، فأي تعويل على صبر المصريين لا بد وأن يتبع برؤية شاملة وفهم عميق لنفسية المصريين وعزتهم وإدراكهم لقوتهم  قدرتهم علي تغيير الأمور، وما يعكسه تاريخهم الطويل على سمات تتضح جليًّا في شخصياتهم، بدون شك أن المصريين لن يتحملوا كثيرًا هذه السياسات التي تعظم من ثروات الأغنياء وتفقر الفقراء، لن يتحملوا إعلانات الكومباوندات والمنتجعات السياحية الفاخرة التي تلي مباشرة إعلانات تحث المواطنين على التقشف والتبرع للفقراء، كل رعشة يد امتدت للسؤال والحاجة من شيخ عجوز وكل نظرة مكسورة من عين طفل حرم طفولته وكل شعرة بيضاء توغلت قبل آوانها مغتصبة مكان أخرى سوداء في شعر شاب ستضيف دلو ماء لتصنع طوفانًا قادمًا لا محالة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد