«كانت همة الوليد في البناء وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقولُ ماذا بنيت؟ ماذا عمرت؟ وكانت همة أخيه سليمان في النساء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول كم تزوجت؟ ماذا عندك من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن وفي الصلاة وفي العبادة، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل فيقول كم وردك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ماذا صليت البارحة؟ والناس يقولون: الناس على دين مليكهم»، كان هذا جزءًا من كلام ابن كثير في كتابه الماتع «البداية والنهاية» في ترجمة الوليد بن عبد الملك.

سياق الحديث هنا عن ثلاثة نماذج من خلفاء الدولة الأموية، هم الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، والخليفة عمر بن عبد العزيز، وكيفية تأثيرهم على طبيعة حياة شعوبهم، الأمر الذي يجعل البعض يتصور وكأن حياة الناس بين أصابع الحاكم يقلبها كيفما شاء؛ فالباحث المدقق في هذا النص يعي أنه يمكن تلخيصه في الجملة الأخيرة، التي لا أعرف في الحقيقة هل هي من وحي خيال ابن كثير -الذي لا أستبعد أبدًا على فطنته أن يكون هو من أضافها- أم أنها كانت عبارة تجري على ألسن الناس بالفعل في هذه الأزمنة «الناس على دين مليكهم». أي أن الحاكم له تأثير السحر على شعبه، فإذا كان مصلحًا صلحت سائر الرعية، وإن كان غير ذلك؛ فالرعية أيضًا ستكون على شاكلته. ولكن هنا ثمة إشكاليةُ كبرى تطرح عدة أسئلة منطقية.

هل الحاكم يملك هذا التأثير في شعبه؟ أم أن الشعب هو سيد قراره كما تعلمنا صغارًا؟ أسمع أحدكم بالفعل يرددها الآن نعم، «الشعب هو المعلم»، العبارة الخالدة للرئيس جمال عبد الناصر، رددها كثيرًا ومن ورائه أجيال وأجيال رددوها، أو بالأحرى تستطيع القول إننا تربينا عليها، ولكن مرت السنون والأعوام، وأدركنا جميعًا أن الشعب لم يكن معلمًا، بل لم يصل بعدُ إلى درجة تلميذ في مدارس حكامنا المتعاقبة.

في الواقع أستطيع القول بنفس هادئة مطمئنة، إن هذه العبارة لم يعد لها مكان في أرض الواقع، ولا يمكننا تطبيقها في عصرنا الحالي؛ فهناك العديد من الأسباب التي تدفعنا إلى الجزم بعدها جزءًا من الماضي، الذي طالما أراد بعضهم استدعائه؛ إما لقلة إنجازهم، وإما لأن الحاضر بالفعل سيئ، أولها أننا نعيشُ في عصرٍ أصبح فيه ما يسمى بكيان الدولة، فهناك حاكم ومحكومون، دستور وقانون، مؤسسات تنفيذية وأخرى تشريعية، هذا الكيان يفرض على الحاكم اتجاهات معينة وفق ما حددها الدستور والقانون – بالطبع أتحدث هنا عن الدول التي تلتزم بهذه المعايير فعلًا، لا التي تتظاهر بذلك وفي الحقيقة هي تنتهك الدستور عشرات المرات-.

السبب الثاني هو أنه كيف يمكن أن نسمح لأنفسنا في عصر السماء المفتوحة أن نرضى بهذه الدونية، أو أن نقع تحت إمرة حاكم، مهما بلغت قدرة قبضته المحكمة أو إمساكه بزمام الأمور، أن يسيرنا كيفما يشاء، لماذا نرضخ لهذا الوضع المشين؟ هل لأننا نحن العرب مصائرنا دائمًا لا تحدد بأيدينا، بل بأيد خارجية، هل ألفنا الخنوع والاستسلام؟ أم هي قلة الحيلة؟ تحدثني نفسي الآن بأن أتوقف عن جلد الذات، نعم صدقتِ يا نفسي، كيف يمكن أن ألوم من لا يستطيعُ تقريرَ مصيرهِ؟ كيف أستطيع أن أوبخ من ليس له من الأمر شيء؟ هل أترك السجان وألوم السجين؟ فاعلم -حفظك الله- أننا شعوب لم تتذوق طعم الحرية ولو لمرة.

كفى هراء فما زلنا أحياء وقادرين على تقريرِ مصائرنا،كفى يأسًا فما زال القلب ينبض والنفس يسري، خلقنا أحرارًا، وسنبعث أحرارًا، فلا معنى إلا أن نعيش أحرارًا، لا أطلب شيئًا إلا أن نعيش بهذا المعنى، وأن يتملكنا اليقين من أن أي محنة هي لا محال إلى زوال، بالطبع لا أريد أن أتحول الآن إلى مدرب تنمية بشرية يدفعك إلى النهوض من الفراش وشرب كوب من الحليب الدافئ، واستقبال يومك بنفس عميق ممتلئ بالإيجابية؛ لأنني في الحقيقة لا تروق لي مثل هذه الأفكار -بالمناسبة لا أعرف عن النفس العميق أنه ممتلئ بشيء سوى جزيئات الأكسجين- لكن ما وددت قوله هو دعونا نتعلم من أصدقائنا الإنجليز حين يقولون دائمًا: It is never too late.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!