هناك الكثير من الشخصيات في تاريخنا المصري تُعرَفُ بالرموز الوطنية، جعلتها مناهجنا عِظامًا مُخَلَّدين، مع أن حقيقتهم ليست كذلك قط، وإنما هي سياسات خفية. وأول هذه الشخصيات هو أحمد عرابي، المتوفى عام 1911، قد ارتقى في سلم الجيش بشكلٍ متتابعٍ سريعٍ جدًا غير مسبوق، وقذ ذكَرَهُ بعض الكتاب أنه وصولي والبعض منهم لم ينفِ عنه مكانته الوطنيه مع الإقرار بذلك.

وقد كان يتقرب من أكبر اللواءات ويوقع بينهم ويتقرب أكثر وأكثر، ويأخذ ثقة هذا وذاك. وقد كشفه اللواء خِسرو باشا بعدما تيقن من مشاكلٍ قد أصابته بسببه، فطلب من وزير الحربية أن يعزل أحمد عرابي بسبب مشاكله.

لم يكذب عرابي خبرًا وهرع نحو المجلس العسكري فاشتكى وزير الحربية واللواء خسرو باشا. فسمع رئيس المجلس العسكري لشكوى عرابي، وقرر أن يبقى في منصبه. ولكنه ظن أنه وضع كلمته على الجميع فاستمر في مشاكِلِه الكثيرة التي غرضها الترقي أكثر وأكثر إلى غايةٍ كبرى، وظل على نبشه وضوضائه إلى أن تدخل الخديوي بنفسه وعزَله عن منصبه.

وحاول بعدها كثيرًا وكثيرًا ففشل في الرجوع. فتزوج أحمد عرابي في نهاية المطاف من مرضعة الأمير إلهامي باشا لعلاقاتها الوطيدة والكثيرة في بلاط القصر، وبالفعل عاد مرة أخرى لوظيفته في الحربية بعد ثلاث سنوات من عزله.

والواقعه الشهيرة التي قال فيها الخديوي: «هذه الطلبات ليس لكم حق فيها» هي حادثة مكذوبة؛ والدليل أن الخديوي بعد هذه الواقعة مباشرة وافق على طلبات عرابي وظل هذا الحال ساريًا إلى أن صار عرابي وزيرًا للحربية كما أراد منذ البداية.

وبين عامي 1881 و1882 أسقط عرابي أربع حكومات، وكانت الحكومة تسقط ويبقى عرابي وزيرًا للحربية، وهذا الأمر بشعٌ لا مراء في ذلك، وهو ما حَمل أنظار الإنجليز فيما بعد نحو تشتت الوضع المصري. وعندما شرع الاحتلال الإنجليزي يضرب في الإسكندرية وأحمد عرابي هو الرابض هناك ومعه الجنود، ببساطة عزيزي القارئ انسحب أحمد عرابي وجنوده بحجة عدم تكافؤ القوات، وترك الخديوي بمفرده مواجهًا الأمر الواقع، وهذا ما جعل أحد المؤرخين يقول أن عرابي كان يصبو أن يصير حاكم مصر في عهد الإنجليز، ولسنا في صدد هذا الآن.

المهم أن حاكم مصر وقع فريسةً في يد الإنجليز، فصدرت ضده فرمانات بخلعه من الوزارة وقيل طبعًا أن الخديوي من وقّع عليها، وبالطبع لا بد من ذلك فالخديوي نفسه أضحى مكبلًا بسلاسل الإنجليز.

ويكفي القول أن السلطان عبد الحميد الثاني أصدر فرمانًا يقول فيه أن عرابي عاصٍ وخارج على الدولة والسبب في تدخل الإنجليز في البلاد. وحينها بدأ عرابي يجمع الناس من حوله؛ مشايخ الأزهر وكبار القساوسة وأعيان البلد ضد الخديوي المحبوس في الإسكندريه وبالطبع شوه صورته واتهمه بالخيانة.

وفي عام 1882 هرب عرابي من معركة التل الكبير، تلك المعركة التي قال عنها المؤرخ أحمد شفيق باشا أنها لم تستمر 30 دقيقة، هرب بمعنى الكلمة بمفرده تاركًا الجنود يلاقون حتفهم وهرب إلى القاهرة، ليت شعري أي وطنية هذه.

وأعلن في القاهرة وثيقة الاستسلام التي كتبها بنفسه، وسلمها للإنجليز آملًا في رضاهم عنه. وفي النهاية وضعنا السبب المباشر في الاحتلال الإنجليزي رمزًا من رموز الوطنية، ونلقنها ونغرسها غرسًا في عقول النشء.

الشخصية الثانية هي سعد زغلول، وأنا لن أقول عنه إلا ما كتبه هو بنفسه في مذكراته، ويحسب له صدقه صراحةً، فهو يشبه الغربيين حين يكتبون مذكراتهم التي عندما تقرأها تظن للوهلة الأولى أنها فضائحهم. باختصار سعد زغلول كان صديقًا شخصيًا للورد كرومر، لعمري كيف لصديق عدوي أن يكون صديقي؟، كما أنه قال عن نفسه أنه ابتلي ببلاء القمار وألاعيب المقامرة وشرب الخمر، وكان رئيس الوزراء في حكومة الاحتلال، بحجة التحرير والجلاء، فكأنه يطبق قول الشاعر «وداوني بالتي كانت هي الداء».

وكان زغلول قائدًا للحركة التغريبية في الفِكر المصري فهو من أمر زوجته صفية زغلول بخلع النقاب أمام الملأ، وأقام لها مكانا في قصره كي تجتمع بالناس وتلقنهم مبادئ التغريب.

هذه الشخصيات وغيرها ممن عظمتهم المناهج والحكومات، قد عظَّمَتهم لأغراضٍ، فسعد زغلول خلدوه لأن ثورة 1919 التي قادها هي أول ثورة يكون توجهها غير إسلامي في مصر، وهذا لا يخفى على ذوي العقول سببه، كما التغريب والإفرنجية في شخصيته وشخصية زوجته. وأما عرابي فقد وضعوه لأنه المصري الوحيد الذي صرح بمهاجمة الخلافة العثمانية الإسلامية، والانفصال بمصر عن الإسلام والعروبة.

واستمر السب والشتم ومحاولة الإسقاط حتي سقطت، ولا زالوا لليوم يسبونها ويحترمون المبادئ العلمانية التي شربها العرب شربًا، معتنقين المبادئ الغربية الناهبة عن المبادئ الإسلامية الناهضة. كما أن نعت الوطني يصبُّ صبًا في الاستقلال بالدولة عن أخواتها من الدول العربية والإسلامية، وهذا أيضًا واضح سببه. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد