يولد الإنسان في حارتنا باكيًا، فإذا كان من طبيعته التفاؤل، ولم يبك، فإن الداية “تقرِّصه” ليبكي، وساعتها يفرح أبواه بأنهما أضافا إلى التعساء شخصًا جديدًا، ويظل أبواه يعلمانه كيف يعيش مكسور الجناح بجوار “الحيط”، وأن لا ينازع الفتوات في سلطانهم على الحارة، ويرضى بدفع الإتاوات المفروضة منهم، وأن يعيش حياته يكدح ويتعب ليعيشوا هم في نعيم، وأن هذا قدره وعليه أن يستسلم له، وإلا يكون كافرًا بما قدره الله عليه، ويظل يترنح في خطواته إلى أن يتزوج وينجب أطفالًا، ليبدأ في تربيتهم على ما تربى عليه، لتكتمل دورة الحياة في الحارة، ويصبح ترتيل هذه الأقوال والأفعال كأنها مزامير الشيطان، وتصبح هذه المزامير هي القانون المتبع في الحارة، ويظل الفتوات يتمتعون بخيرها ويظل الحرافيش والصيع والدراويش ينحتون في صخورها، لأن الفتوات إذا تغلبوا على حارة أو قرية أسرع إليها الخراب؛ فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، وأن رزقهم في ظلال نبابيتهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه.

الرجال في حارتنا التعسة غثاء كغثاء السيل ليس لهم قيمة أو أهمية، تجدهم محبطين يتألمون في صمت، تضيع حقوقهم وحتى أعراضهم التي يتحكم فيها الفتوات بقسوة شديدة ودناءة ليس لها مثيل، إنهم طيبون مغلوبون على أمرهم، تعساء في حارتهم، يهيمن عليهم الشقاء، ويهيمن على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم الغموض والضياع والتشوه.

والنساء تعيسات الحظ، إذا كن شريفات عفيفات، وذات حظ عظيم إذا كن لعوبات ضاحكات غانيات، خاصة إذا كن من صاحبات الجمال والدلال، فهذه الحارة لا تعطي خيرها إلا للفتوات، وبقية فتات موائدهم تعطى للغانيات اللعوبات، واللاتي يحظين بروابط وعلاقات مع الفتوات.

وبالرغم من أنه يجب قبل مقاومة الفتوات، تهيئة ماذا يستبدلون به، هل يتم استبدالهم بفتوات آخرين بنفس القسوة والسطوة، لكن أهل الحارة لا يعرفون إن معرفة الغاية شرط طبيعي للإقدام على كل عمل، كما أن معرفة الغاية لا تفيد شيئًا إذا جُهل الطريق الموصل إليها. والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقًا، بل لا بد من تعيين المطلب والخطة تعيينًا واضحًا موافقًا لرأي الكل، أو الأكثرية التي هي فوق الثلاثة أرباع عددًا، أو قوة بأس، وإلا فلا يتم الأمر. حيث إذا كانت الغاية مبهمة نوعًا، يكون الإقدام ناقصًا نوعًا. وإذا كانت مجهولة بالكلِّية عند قسم من الناس أو مخالفة لرأيهم، فهؤلاء ينضمون إلى الفتوة الجديد الحاكم بأمره في حارتنا التعسة، فتكون فتنة شعواء. وإذا كانوا يبلغون مقدار الثلث فقط، تكون حينئذ الغلبة في جانب الفتوة.

ثم إذا كانت الغاية مبهمة، ولم يكن السير في سبيل معروف، ويوشك أن يقع الخلاف في أثناء الطريق، فيفسد العمل أيضًا وينقلب إلى انتقام وفتن. ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة، وإخلاص وإشهارها بين الكافة، والسعي في إقناعهم، وتحصيل رضائهم بها ما أمكن ذلك، بل الأوْلى حمْل العوام على النداء بها وطلبها من عند أنفسهم.

إن هذه الحارة التعيسة تعاني منذ قديم الأزل من بؤس روحي يولد التخلي عن الذات والتضحية بالنفس، إن هذا البؤس يساوي البؤس الجنسي والعقلي والسياسي والفكري، وما عداه من بوس آخر، غريب كيف أن مشهد حمق واستلاب الجار يستثير ابتسام سخرية من بعض عن روية حنقه واستلابه هو، إن المسيحي الذي يأكل يوم الجمعة السمك يبتسم من روية المسلم يرفض أكل لحم الخنزير، ويستهزئ من اليهودي وهو يرد القشريات، وينظر المتعبد اليهودي الذي يهتز أمام حائط المبكى باندهاش للمسيحي الجاثي قبالة مركز صلاته، في الوقت الذي يطرح المسلم سجادة صوب مكة، ومع ذلك فلا أحد بينهم يستنتج أن القشة في نظر الجار تساوي العارضة في نظره هو، وأن الروح النقدية المرحب بها دائمًا كلما تعلق الأمر بالغير سينتظر كثيرًا لو امتدت لتطبق على السنن الذاتية.

وبالرغم من مرور عشرات المصلحين على هذه الحارة التعسة، إلا أن افة أهلها الخضوع للقوي والذل في معيته، يبدأ الذل والاستكانة لقوته وجبروته شيئًا بسيطًا، وسرعان ما يسير طبعًا، حرافيش وصيع ودراويش يخافون الفتوات، ويطلقون عليهم النكات الرمزية، حتى إذا حضروا بجبروتهم غابت النكات وحضر الذل في أرذل معانيه، وردد أبناؤها كل ما يقوله الفتوات مثل الببغاء، رددوا أن الحارة لا يصلح شأنها إلا بالفتوات، وأنه لا يصلحها الصالحون أو الدراويش والحرافيش، وأنها تحتاج دائمًا إلى فتوة قوي يحميها، ويدافع عنها، ولكنهم دائمًا ما يتمنون فتوة قوي يكون عادلًا في نفس الوقت، فلا يحابي الأعيان ورجاله على حساب الحرافيش.

ولما كان سكان هذه الحارة التعسة فانين منتهين محدودين ومتألمين من هذا الإكراه، ولما كان الاكتمال يشغلهم، فإنهم أخذوا يحتكرون قوة لها بالضبط الصفات المقابلة لصفاتهم، وانطلاقًا من نقائصهم التي تقلب كما تقلب أصابع زوجي القفاز، أنا فان؟ وهناك حي لا يموت، أنا محدود وهناك من لا حد له، أنا منته وهناك بالتأكيد ما لا ينتهي، أنا لا أعلم كل شيء، وهناك من هو عليم خبير، أنا لا أقدر على شيء وهناك قدير، ليس لي قدرة الوجود في أكثر من مكان، وهناك من له القدرة على الوجود في كل مكان، أنا مخلوق وهناك خالق، أنا عاجز وهناك جبار مقتدر، أنا في الأرض وهو في السماء، أنا ناقص وهو كامل، لست شيئًا وهو كل شيء.

إن أهل هذه الحارة التعسة على مر القرون لا يعرفون أن غياب الفتوات في أوقات معينة لن يغير شيئًا من سلطتهم ونفوذهم على أرض الحارة، التي احتلوها واحتفظوا بها وسيرتها على مدى يجاوز الألفي عام، وأن أرض هذه الحارة مكسب، وجغرافيتها شهادة على حضور قديم، وعلى نفخ أيديولوجي وذهني وتصوير وروحي، فحتى حين يغيب الفتوات يظلون حاضرين؛ لأنهم فتحوا أجسام وأرواح وأجساد ونفوس أكثر سكان هذه الحارة التعسة، وانسحابهم الاستراتيجي لا يعني نهاية نفوذهم الفعلي، هنا يكمن استمرار الصراع ورهانيته ضد هذه القوة التي تظل مصدر تهديد بقدر ما تعطي الانطباع بكونها بالية ومنتهية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد