بعد الواحدة صباحًا كلّ ليلة أسير برفقة صديقي في شوارع مدينتنا الواقعة على أطراف القاهرة في عادة عمرها يقارب السنوات الثلاث، في ساعات اللّيل المتأخرة تكون كل الأمور أهدأ. لا تبلغ جولتنا يومًا منتصفها إلا ويترامى إلى مسامعنا صوت أم كلثوم من مكان ما. قد يكون (كشكًا) صغيرًا على أحد جوانب الطريق، مقهى شعبيًّا عتيقًا لا يزال محتفظًا بمقاعده الخشبيّة، أو حتّى بائع الفاكهة الذي وضع صورة الست بجانب صورته الشخصيّة على اللّافتة التي تحمل اسم «فكهاني الأطلال» تيمنًا بأحد أغانيها.

في العام الماضي أديت الخدمة العسكرية الإجبارية وكان مكان خدمتي الأول يقع في «روض الفرج» وهو أحد أشهر الأحياء الشعبيّة بالقاهرة، صوت أم كلثوم كان حاضرًا طيلة الوقت وفي كلّ الأنحاء مما كان له لطيف الأثر في نفسي، ذلك الأثر بأنّني وإن كنت بعيدًا عن بيتي وأهلي فأنا على الأقل لست بعيدًا عما أحب. بعدها بثلاثة أشهر عدت إلى وحدتي الأساسية في قلب الصحراء وكان صوت أم كلثوم حاضرًا مرّةً أخرى، هذه المرّة كان صوتها يتحدّى كل المخاوف والمخاطر وكانت مقطوعة «سنين ومرّت زي الثواني.. في حبك أنت» بالذات قادرة دومًا على أن تتحدى برودة السّلاح في ساعات الصباح الأولى، كان للسّلاح ملمس بارد أعرفه جيدًا ولا أحبه.

لماذا نحب أم كلثوم؟ ما السبب الخفي الذي يجعلنا نقع في حب أغانيها كل مرة ترد على مسامعنا وكأنها المرة الأولى؟ أسئلة تحمل عشرات الإجابات الممكنة. كل منا يجيب بحكايته معها والحكايات مع أغانيها لا نهاية لها. لم أكن يومًا من هواة تمجيد الأشخاص مما يدفعني لعدم حب الست بشخصها فقط ولكن أيضًا حب من عملوا معها خلف الكواليس، مبدعون أنتجت أم كلثوم على كلماتهم وألحانهم حالة عاطفية هي الأصدق والأقرب للقلب على الإطلاق. دعني أخبرك أنني عندما أستمع إلى وصلتي المفضلة في الكوبليه الأخير من «أنساك» يتبادر إلى ذهني صدق أبيات مأمون الشناوي وبراعة ألحان زكريا أحمد جنبًا إلى جنب مع عذوبة صوت أم كلثوم والتجلّي في إلقائها للأغنية.

أحيت أم كلثوم حفلها الأول عام 1922 وقت أن كان يطلق على مصر اسم الخديوية المصرية، كان الحفل بقصر عز الدين باشا يكن بالقاهرة ضمن الاحتفالات الدينية بليلة الإسراء والمعراج، تلقت ثلاثة جنيهات وكان أجرها الأول بالإضافة لخاتم ذهبي أهدته لها زوجة عز الدين باشا لحسن إحيائها للحفل. بعدها بعامين كانت أم كلثوم قد تعرفت على القصبجي وكان قد شرع في إنشاء فرقة موسيقية كاملة لها وبالفعل خرجت الفرقة للنور في عام 1926، حيث بدت أم كلثوم للمرة الأولى في زي الآنسات المصريّات المعهود في ذلك الوقت وأدت قصيدة «أراك عصيّ الدمع» على ألحان رياض السنباطي. كانت فترة أواخر العشرينيات هي فترة بزوغ نجم أم كلثوم وصعودها للساحة وحتى صيف عام 1934 عندما افتتحت الإذاعة المصرية وكانت هي أول من يغني فيها.
بحلول الخمسينيات ووصولًا للستينيات كانت أم كلثوم وصلت لقمة نضجها الفني، يكتب لها أكبر شعراء الوطن العربي بالفصحى تارة وبالعامية تارةً أخرى وتغني على ألحان أساتذة صنعوا لأغانيها مقدمات موسيقية ملحمية لا تستطيع تخطيها مهما طالت.

من واقع ارتباطي الشخصي بأغانيها منذ صغري لاحظت قاسمًا مشتركًا بين معظم من كتبوا لأم كلثوم ألا وهو الصدق والوقع القادران على أن يستحوذا على كلٍّ من سمعك وخيالك في آن، من الصعوبة بمكان أن تستمع لكلمات أغانيها بشكل عابر دون أن تلتفت إليها بل وتسقطها على مشاعرك الشخصية وتدندن معها. يأخذني ظني إلى أن معظم شعراء أم كلثوم لم يكونوا يكتبون باعتبار الكتابة مصدرًا لكسب الرزق أو حتى باعتبارها هواية، بل كانوا يكتبوم لأنهم مروا بأمرٍ ما ترك في قلوبهم أثرًا عميقًا لا يزول وأرادوا أن يترجموا هذا الأثر في كلمات فأخرجوا لنا حكايات غاية في البلاغة عن الحب والشوق والوصال والهجر.

رامي و«حيّرت قلبي» نموذجًا

من بين أكثر من مائة أغنية كتبها أحمد رامي لأم كلثوم تبقى «حيّرت قلبي» هي الأبرز، ليس فقط للقوة والشجن في كلماتها وإنما أيضًا للظروف التي أحاطت بكتابة الأغنية، حيث يروى أن رامي كتبها خصيصًا لأم كلثوم في نهاية الخمسينيات في نوع من أنواع إظهار المحبّة والعتاب. ولم يكن يخفى على أحد في الوسط الفني آنذاك مشاعر رامي تجاه أم كلثوم. كل كوبليه في الأغنية حافل بكم أسى وشجن لا يخفيان على مستمع، بدايةً من الكوبليه الثاني الذي يبدؤه رامي بـ«يا قاسي بص ف عينيا وشوف ايه اتكتب فيها..» مرورًا بـ«دي نظرة شوق وحنيّة ودي دمعة بداريها..» وصولًا إلى نهاية الكوبليه بالمقطع المشهور «وأقولك ع اللي سهّرني وأقولك ع اللي بكاني.. وأصورلك ضنى روحي وعزة نفسي منعاني» وبعده «ياما ليالي، أنا وخيالي.. أفضل أصبّر روحي بكلمة يوم قولتهالي».

هذه الأبيات من رامي مع أداء استثنائي من أم كلثوم وألحان متقنة من رياض السنباطي في الخلفية، يشكلون مشهدًا كاملًا أعتبره – بشكل شخصي – أقسى وأصعب مشاهد العتاب والحيرة في الحب على الإطلاق. جاء المشهد بهذا الصدق والعمق لأن رامي لم يكن يكتب لأم كلثوم أبياتًا تغنيها بل كان يكتب كلامًا هو في الحقيقة موجّه لها، طيلة عقدين من الزمان هما قوام مشوار رامي وأم كلثوم معًا كان يحمل مشاعره تجاهها في صمت، وإذا أراد أن يقول لها ما يقال بين المتحابين محبة أو شوقًا أو عتابًا كان يكتبه لها شعرًا وتصعد هي لتغنيه على المسرح ويجلس هو بين الجمهور يسمع منها بأسى ما لا تعرف أنه كتب في الأساس لها وعنها. قيل إن الست لم تعرف أبدًا أنها الحبيبة المجهولة في كل أشعار رامي وقيل إنها عرفت وتجاهلت. في أيّ من الحالتين، أهل الحب صحيح مساكين.

على جانب آخر دائمًا ما يثير استغرابي أن البعض يعتبرون طول افتتاحيات أغاني أم كلثوم مأخذًا عليها أو أمرًا ينطوي على ملل ورتابة، للموسيقى في أغاني الست بريق وحكايات تمامًا كما كان لكلماتها. حكايات عن بليغ حمدي الذي كان يقدم في حفلاتها آنذاك بصفته «الموسيقار الشاب»، عن عبد الوهاب وبعض الغيرة الفنية التي تحولت بعد «إنت عمري» لتعاون أنتج أفضل أغاني أم كلثوم وأكثرها رقيًّا. حكايات عن المقدمات الموسيقية لـ«ألف ليلة وليلة» و«ليلة حب» و«دارت الأيام» و«هذه ليلتي». ذلك النوع من الموسيقى الذي يتسنى لك أن تستمع إليه وتستمتع به منفردًا دون الحاجة لأداء غنائي.

كان الخميس الأول من كل شهر لأم كلثوم وحدها. في مسرح سينما قصر النيل أو في مسرح الأزبكية أو حتى أمام الراديو في البيوت والمقاهي. في حفلاتها سيدركك صوتها ممتزجًا بآهات عشاق لا حصر لها. ستسمع ذلك الخمسيني يقول لها بحماس لا نظير له «كمان مرة والنبي يا ست دا أنا جايلك من طنطا»، وفي حفلة أخرى ستسمع تلك الزغاريد التي أطلقتها سيدة مجهولة بمنتهى العفوية مع كوبليه «ولما يرحمني قلبك ويبان لعيني هواك». ولو كنت محظوظًا وعاصرتها كنت ستتمكن بنفسك من الاستماع إلى صبي يعمل في مقهى لم يتلق أي تعليم يغني وراء الراديو بفصحى سليمة:

«يا فؤادي لا تَسَلْ أين الهوى، كان صرحًا من خيالٍ.. فهَوَى».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد