هل العجز والنقص في اللغة العربية أم في المسلمين؟

شد انتباهي عنوان تقرير للكاتب عبد القادر بن مسعود، على موقع ساسة بوست «خذ السبحة والعن فرنسا.. هل حان وقت التخلي عن اللغة الفرنسية في الجزائر؟»، إذ – هكذا تبادر إلى ذهني- يبشر العنوان بنقلة نوعية في وعي الشعوب المسلمة على حقيقة الصراع وكيفية التحرر، وعي على أدوات التبعية التي يجب أن تُهدم عن بكرة أبيها، والتي من بينها: تبني لغات أجنبية واستعمالها في تعاملاتهم اليومية، سواء في البيت، أو الشارع، أو الشؤون الإدارية، أو العلوم التجريبية، أو السياسية، أو في المدارس والجامعات، والتباهي بتلك اللغات الأجنبية، وهجر اللغة العربية، لغة القرآن والسُّنة، لغة دين وعقيدة وشريعة كل مسلم، اللغة العربية التي تمثل ببساطة هُوية كل مسلم آمن بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (سورة يوسف)، «وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا» (سورة الرعد)، «كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (سورة فصلت).

فبدأت قراءة التقرير بشغف، ليخيب أملي، وأكتشف أنه ليس من كل الذي تبادر إلى ذهني أي شيء، وإنما الحديث كله عن رغبة المسلمين في الجزائر في استبدال اللغة الإنجليزية باللغة الفرنسية، أي تغيير أهل الإسلام وُجهة التبعية من الفرنسية للإنجليزية، الخروج من قفص للدخول إلى قفص آخر، وكأن القوم ليس لديهم دين وتاريخ ولا لغة خاصة بهم تمثل جزءًا محوريًّا من هويتهم، منذ أن اعتنق أجدادهم الإسلام قبل أكثر من 1400 سنة.

هل نسي القوم أصلهم وأن لهم دينًا ولغةً؟ لماذا لا يرفعون شعار «استبدال اللغة العربية باللغة الفرنسية»؟

هل العجز والنقص في اللغة العربية أم في المسلمين؟

هل اللغة العربية غير قادرة على مسايرة التطور الحديث في العلوم التجريبية، وعقيمة عن ولادة مصطلحات عربية فصيحة لكل ما استجد من مسميات، وعاجزة عن التعبير عن كل الأفكار والمعاني والأدوات في مختلف العلوم والمعارف في الدنيا، وعن التعبير عن كل ما يمكن أن يخطر من أفكار وأحاسيس ومشاعر في ذهن الإنسان وقلبه، حتى تلجؤوا، أيها المسلمون، للغات أجنبية كالفرنسية والإنجليزية؟ قطعًا لا، العُقم والشلل هو الذي أصاب المسلمين الذين هجروا لغتهم العربية ولم يجتهدوا لتعلمها، ناهيك عن الاجتهاد لاشتقاق مصطلحات جديدة من مفردات عربية لكل ما جَدَّ من مسميات في مختلف العلوم والمعارف «من بينها الطب، والفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، وعلوم الأحياء، والحاسوب والبرمجيات، والفلك… إلخ».

كيف تعجز اللغة العربية عن مواكبة التقدم المادي البشري، واشتقاق كلمات عربية لكل مفهوم جديد، وهي لغة الوحي التي تعبر عما هو أعظم وأكبر وأهم من العلوم والمعارف البشرية، تعبر عن إرادة الله وشريعته، تعبر عن العلم الغيبي، تصف خلق الله للكون والإنسان، تصف الجنة والنار، وغير ذلك الكثير. اللغة العربية التي اتخذ الله منها أسماءه الحسنى، أسماءه المطلقة التي تعبر عن عظمته سبحانه أدق تعبير، كيف لا نستطيع التعبير بها عما هو دون الله من مسميات وأدوات بشرية؟

أجدادكم المسلمون، لَمَّا كان عندهم عزة وكانوا يعتبرون اللغة العربية جزءًا لا يتجزأ من الإسلام، جزءًا أساسيًّا من هويتهم، لم يتخذوا اللغات الأجنبية لغة يتحدث بها المسلمون في ما بينهم، ولم يجعلوها لغة الدراسة والعلوم، بل كانت اللغة العربية هي لغة دولة الإسلام، بها يتعاملون في كل المجالات، بها درَسوا ودرَّسُّوا أبناءهم كل المعارف والعلوم. أجدادكم المسلمون ترجموا كتب الأمم السابقة من مختلف بقاع العالم، ومن مختلف اللغات الى اللغة العربية «من اليونانية، والسريانية، والسنسكريتية -لغة هندية- وغيرها من اللغات، إلى اللغة العربية». وأوجدوا أسماء عربية لكل جديد اكتشفوه وطوروه في مختلف العلوم.

أجدادكم المسلمون ألَّفُوا آلاف الكتب باللغة العربية في مختلف المعارف, من فقه، وسياسة، وأدب، وشعر، وفلسفة، وطب، وفلك، ورياضيات، وكيمياء… إلخ، لم يعجز أجدادكم المسلمون عن اختلاق مصطلحات عربية فصيحة لكل جديد اكتشفوه في أي مجال من مجالات العلوم والمعرفة، ولم يعجزوا عن إيجاد كلمة عربية فصيحة لكل مصطلح أجنبي حين ترجموا الكتب الأجنبية. فأين ذهبت كل تلك المصطلحات العربية في مختلف مجالات المعرفة والبحث التجريبي؟

وكيف تعجزون أنتم اليوم، أيها المسلمون، عن ترجمة مصطلحات إنجليزية أو فرنسية إلى اللغة العربية في المعارف والأدوات التي أبدع فيها الغرب اليوم، فتدَرِّسوها لأبنائكم باللغة العربية بدلًا من الفرنسية أو الإنجليزية؟ كيف تستسلمون للغات الدول التي احتلت بلدانكم، وتحارب دينكم ولغتكم، وتنهب خيراتكم، ووَلَّت عليكم حكامًا رويبضة ظلمة ليحكموكم؟ كيف أصبحتم، حتى المثقفين منكم والمشايخ، لا تجدون غضاضة في إدماج كلمات فرنسية أو إنجليزية في حديثكم اليومي وفي خطاباتكم لمسلمين يتحدثون العربية مثلكم؟

كيف لا تدركون أن الانسان حين يتحدث بخليط من العربية العامية والفرنسية والإنجليزية، يفقد هيبته وشخصيته، يصبح كالبهلواني، كالمهرج، يكاد يفقد إنسانيته.

يدمجون كلمات فرنسية في الحديث نفسه الذي يلعنون فيه اللغة الفرنسية

ومما جاء في تقرير الكاتب عبد القادر بن مسعود، شريط مُصوَّر يستبين آراء مسلمين في الجزائر في اللغة الفرنسية. فكان من الطرائف المضحكة المبكية، بل من المهزلة، أن تجد غالبية الذين يلعنون اللغة الفرنسية وفرنسا التي احتلتهم وقتلتهم ونهبتهم واغتصبتهم، يدمجون في أجوبتهم عن أسئلة الصحافيين كلمات فرنسية، يدمجون كلمات وجملًا فرنسية في الحديث نفسه الذي يلعنون فيه اللغة الفرنسية. يا للعجب!

شاهد في الرابط التالي رأي مسلمين في الجزائر حول تغيير اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية:

https://www.youtube.com/watch?v=g-ThKbqTjp4

والمهزلة نفسها تراها في المظاهرات التي يقوم بها المسلمون في الجزائر لأسابيع متواصلة، إذ تجد لافتات تُرفع باللغة الفرنسية، وبعض الشعارات والهتافات باللغة الفرنسية.

 

ليست الجزائر وحدها من تعاني من انفصامٍ في اللسان

ظاهرة انفصام اللسان، والتي تتمثل في اعتماد المسلمين لغة أجنبية في بلدهم، ودمجهم كلمات أجنبية في أحاديثهم، هذه الظاهرة المرضية الخطيرة لم يُصب بها أهل الجزائر فحسب، بل كل الشعوب المسلمة في كل باقي البلدان الإسلامية، الاختلاف فقط في اللغة الغربية التي يميل المسلمون في هذا البلد المسلم أو ذاك لاستعمالها وتبنيها وإدماج كلماتها في حديثهم، فتجد هنا اللغة الفرنسية، وهناك اللغة الإنجليزية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، ها هو المغرب صوَّت أغلبية نوابه قبل أيام على مشروع قانون ينص على معاودة اعتماد اللغة الفرنسية لتدريس العلوم التجريبية والتقنية والرياضيات، في مراحل التدريس الثانوي «التعليم العالي المتعلق بهذه المواد يدرس أصلًا باللغة الفرنسية». فبدلًا من إتمام مسيرة التعريب التي بدأها المغرب في تسعينيات القرن الماضي «تعريب المواد التقنية والعلوم التجريبية والرياضيات إلى اللغة العربية في المراحل الإعدادية والثانوية»، وذلك بتعريب تلك المواد أيضًا في الدراسات الجامعية والعليا، ومن ثم حل المشكلة التي يجدها الطلبة حين التحاقهم بالجامعة، تراجع المغرب عن مسيرته، وقرر إعادة فرنسة التعليم الثانوي؛ إرضاءً لفرنسا وأتباعها المتسلطين في البلد.

فكيف لشعوب أن تتحرر وهي واغلة في التبعية للدول التي تدَّعي أنها تريد التحرر من هيمنتها؟ كيف لشعوب أن تتحرر وهي نسيت تاريخها، وجهلت حاضرها، وأعرضت عن دينها ولغتها، وتفضل الحديث بلغة الدول التي تستعبدها؟

نهضة الشعوب لا تتحقق قط إلا بلغتها الأم، لغة هويتها وعقيدتها.

المشكلة ليست في تعَلُّم لغات أجنبية.. ولكن في استعمالها في غير محلها

يجب الإشارة إلى أن المشكلة ليست في تعَلُّم لغة أو لغات أجنبية، ولكن المشكلة في استعمال اللغة الأجنبية في غير محلها، استعمالها بدلًا من اللغة العربية وسيلة للتواصل في الحياة اليومية للمسلمين في ما بينهم، وفي حياتهم السياسية، والإدارية، والاقتصادية. المشكلة تكمن في تدريس العلوم التجريبية والتقنية والرياضيات في بلدان مسلمة بلغة أجنبية بدلًا من اللغة العربية.

تَعَلُّم لغات أجنبية وإتقانها يجب أن يكون لغرض الاستعانة بها فقط في المجال والظرف الذي يحتاجها فيه المسلم، كالسفر لدول غربية للدراسة، أو العمل، أو السياحة، أو للاطلاع على كتب ومؤلفات أجنبية، أو لمخاطبة أجانب لا يتحدثون اللغة العربية، أو لترجمة كتب أجنبية إلى اللغة العربية، أو لابتعاث سفراء، أو للتجسس على دول أجنبية. لكن حين يحاور مسلمٌ مسلمًا «كلاهما عرب»، وحين يتعامل مسلمون في ما بينهم وفي بلدهم المسلم، فمن العار والذل واحتقار الذات وعقدة النقص أن يتحاوروا بلغة أجنبية بدلًا من لغتهم الأم، اللغة العربية.

اللغة العربية لا علاقة لها بالقومية العربية.. وإنما هي لغة أمة محمد

يجب كذلك الإشارة إلى أن الدعوة لاعتماد اللغة العربية لا يعني البتة الدعوة لما يُسمى القومية العربية، ولا يعني تفضيل العرب على غيرهم من المسلمين غير العرب، ولا يعني منع المسلمين غير العرب من تعلم لهجاتهم «من خلال مدارس خاصة وليست حكومية» والتحدث بها في ما بينهم. لكن الدولة المسلمة لا تعتمد إلا اللغة العربية لغة رسمية للبلاد في الإدارة والتعليم في كل مراحله ومستوياته.

اعتماد اللغة العربية دافعه عقائدي إسلامي ليس إلا؛ لأنها لغة القرآن والحديث النبوي، لأنها اللغة التي اصطفاها الله لرسالته للبشرية جمعاء. باللغة العربية حُفظ الوحي، وإن ضاعت اللغة العربية ضاع الدين بأكمله. اللغة العربية هي اللغة التي نتعبد بها الله في صلاتنا، وتسبيحنا، ودعائنا، وحجنا، وتلاوة القرآن، اللغة العربية هي التي نفهم بها خطاب الله والرسول لنا. فمن كان يحب الله والرسول قبل قومه وعشيرته وأسرته، ويحب سماع خطاب الله كما أُنزل من السماء، وحديث الرسول كما نطق به هو – صلى الله عليه وسلم- وفهمه واستيعابه، سيحب اللغة العربية قبل أي لغة أخرى في الدنيا، وسيحرص على تعلمها وإتقانها. فالمسلم الكردي، والمسلم الأمازيغي، والمسلم التركي، والمسلم الفرنسي… إلخ، كل منهم سيحب اللغة العربية قبل الكردية، أو الأمازيغية، أو التركية، أو الفرنسية؛ لأن الأولى لغة نبيهم ووحي ربهم الذي خلقهم ويرزقهم وإليه سيرجعون، أما الثانية فلغة أقوامهم الذين لن يغنوا عنهم شيئًا يوم القيامة «فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ» (سورة المؤمنون)، «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» (سورة الأنعام).

فها هم كثير من أهم علماء المسلمين الأوائل، الذين نأخذ عنهم ديننا ولغتنا العربية لم يكونوا عربًا، لكنهم جهابذة في اللغة العربية، أحبوها وتعلموها بدافع ديني. فمثلًا أصح كتب الحديث النبوي «صحيحا البخاري ومسلم» أصحابها ليسوا عربًا. كذلك لم يكن عربًا أصحاب الكتب الصحاح للحديث النبوي، كأبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، والدارمي. وأهم كتب علم النحو في اللغة العربية ألفه فارسي وليس عربيًّا، وهو سيبويه.

فاللغة العربية، لأنها لغة الوحي، هي وحدها اللغة الجامعة لكل المسلمين، والماحية للنعرات القومية. ولأنها لغة الوحي، شأنها أعظم من شأن أي لغة أخرى في الدنيا، وحبها أولى من حب أي لغة أخرى في الدنيا. ولأنها لغة الوحي ولغة العلم الغيبي، فهي أولى أن تكون لغة ما هو أدنى من العلم الغيبي، وهي العلوم البشرية المشهودة «كالعلوم التجريبية، والتقنية، والرياضية… إلخ».

فالمسلم الذي فهم حقيقة الإسلام، لا يفرق بين اللغة العربية وبين الإسلام، فوعاء الإسلام هي العربية. وكما أن الإسلام ليس دين قوم وإنما دين البشرية جمعاء، فكذلك العربية ليست لغة قوم وإنما لغة المسلمين كافة أينما وجدوا في العالم، هي لغة أمة محمد – صلى الله عليه وسلم-.

المسلمون اليوم حالهم كحال غراب البين الذي ضيع المشيتين

القصة تقول إنه كان هناك غراب يمشي مشيته التي خُلق عليها، مشيًة أنيقة رشيقة يرفع فيها رجليه الواحدة بعد الأخرى، مشية تظهر هيبة الغراب وعظمته. إلا أنه بينما كان في يوم من الأيام سائرًا في الغابة، رأى الغرابُ عصفورًا يمشي بقفزات سريعة متوالية، فأعجبته تلك المشية، وقرر تقليد العصفور فيها. بدأ الغراب يقفز قفزات سريعة، لكن ثِقل جسده وطول رجليه جعلاه يفشل في تقليد مشية العصفور بدقة، فلما أراد أن يعود إلى مشيته الأصلية نسي كيف كانت! وهكذا بقي الغراب يمشي مشيًة مترنحة مضحكة، لا هي مشية الغراب، ولا هي مشية العصفور، بل قفزات قبيحة مضحكة، وكلما رأته الحيوانات على ذلك الحال ضحكوا عليه وسخروا منه، وقالوا: غراب البين ضيع المشيتين.

هكذا حال المسلمين اليوم للأسف، في سعيهم المستميت لتقليد الغرب الكافر، لا هم أتقنوا مشية الغرب «لغته وثقافته وديمقراطيته، ناهيك عن قوته العسكرية والصناعية»، ولا هم استطاعوا الرجوع لمشيتهم الأصلية «لغتهم العربية الفصحى وشريعة دينهم وسيادتهم، إلخ» التي تليق بمقامهم وترفع من شأنهم وتجعلهم مميزين من بين شعوب العالم. فكانت النتيجة أن أصبحوا يريدون دولة مدنية علمانية، التشريع فيها للبشر وليس لله «كما هو عند الغرب» ممزوجة بشيء من الإسلام لا يكاد يتعدى الشعائر المتعلقة بالفرد، وأصبحوا يتحدثون لغة عامية «الدارجة» فاقدة لأبسط قواعد اللغة العربية، وممزوجة بكلمات فرنسية، أو إنجليزية، أو إسبانية. ظاهرة التحدث بخليط من اللغات لا نراها إلا عند الشعوب المسلمة، وهي ظاهرة تعبر عن أدنى مستوى الانحطاط، وانفصام اللسان والشخصية التي يمكن أن يصل لها الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد