(1)

في العهد الجديد، الذي أرجو أن يكون غير بعيد، يبرز السؤال الأساسي، من يبني مصر؟، من يحمل الأمانة؟!، من الذي يجب أن يوسد إليه الأمر في المواقع المختلفة؟!، حتى لا نقع تحت طائلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري في صحيحه «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، والأحاديث المروية أنه من استعمل رجلًا وهو يجد من هو أفضل منه فقد غش الله تعالى ورسوله، مثل هذه الأسئلة هذا أوانها، وليس أوانها وقت تنازع الأهواء تحت وهم التمكين.

 (2)

من يحمل الأمانة في المواقع المختلفة، هل هم الأكثر إخلاصًا لله ورسوله وخلقه فيما نظن، أم الأكثر كفاءة كل في موقعه بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى، هل نختار الأكثر صمودًا على الحق، أم الأكثر ثباتًا عند الابتلاءات خلال الفترة الماضية، أم الأكثر معرفة ودراية في موقعه.

(3)

هل يتم إقصاء كل من أيد الانقلاب، أم نتعامل بلا إقصاء على الإطلاق ونترك للكفاءة المهنية وحدها أن تحدد، وإذا كان هناك إقصاء، فما هو مرجعه الأخلاقي والقانوني، وما هو حده؟

(4)

ولعل الذي يقربنا من إجابة هذه الأسئلة أن نستدعي ثنائية ذاعت في الستينيات حين قربت ثورة يوليو (أهل الثقة) وأبعدت (أهل الكفاءة)، وعقدت المقارنات بينهما، فلتكن نقطة الانطلاق هي سؤال: هل سنستدعي مرة أخرى هذه الثنائية بتقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة؟

(5)

أما عن إجابتي عن هذا السؤال فهي: نحن نحتاج في عصر ما بعد المحنة إلى ثلاثية وليس ثنائية، وهي ثلاثية لا تفاضل فيها، بل يجب أن تجتمع، وبهذا الترتيب: أهل الضمير، ثم الكفاءة ثم الثقة.

 (6)

لا يمكن أن تُبنى مصر بناء صحيحًا سليمًا إلا على يد أهل الضمير أولًا، الذين يتقون الله في البلاد والعباد، والذين لا يرضون بالظلم وانتهاك كرامة الإنسان المصري تحت أي مبررات برجماتية أو شعارات شوفينية، وعلى هذا لا يمكن أن يشارك في بناء هذا الوطن، في أي مستوى من مستويات مواقع المسؤولية (ولولا المبالغة لقلت: ولا حتى أن يكون رئيسًا على اثنين) من أيد قتل الناس في رابعة وغيرها من المذابح التي شهدتها مصر أو في أي موضع آخر، لا أن يكون وزيرًا ولا محافظًا ولا رئيس حي ولا حتى عمدة قرية، ولا رئيسًا لقطاع في عمل عام، لا ولا كرامة، مهما كانت كفاءته، ولا يتصور أن يخلو منحى من مناحي الحياة المصرية من الكفاءات في غير هؤلاء، ولو تصورنا أن من بين التسعين مليون مصري أربعين مليون بالغ، فلا يتصور أن يخلو موقع من المواقع من أكثر من كفاءة من أهل الضمير لشغل هذا الموقع، فإن تصورنا – على سبيل الجدال – أن هناك موقعًا يخلو من كل الكفاءات المناسبة إلا رجلًا ممن أيد هذه المذابح، فلنفترض في هذه الحالة أن هذا الرجل مات – وقد مات فعلًا يوم مات ضميره – فماذا نحن فاعلون، وإذا افترضنا وجود موقع يخلو من كل الكفاءات إلا رجلًا واحدًا، فمعنى ذلك أن عندنا بعض المواقع أيضًا تخلو من كل الكفاءات مطلقًا، فماذا نحن فاعلون فيها، سيقولون لك: ساعتها نستدعي أجنبيًا ليشغلها وينقل الخبرات إلى المصريين، هذا ما نفعله إذا وُجد موقع لا نجد فيه أي كفاءة مصرية، نقول: قد أجبتم إذًا، اعتبروا الموقع الذي فيه رجل واحد لا ضمير له قد أيد قتل مواطنيه في رابعة وغيرها كالموقع الذي لا نجد فيه أحدًا مطلقًا، ولنأت بخبير من تركيا أو ماليزيا، أو الجابون إذا اقتضى الأمر، فذلك خير من أن نجعل على رقاب الناس رجلًا لا ضمير له.

 (7)

كيف يستأمن على مواقع المسؤولية من طابت نفسه بإراقة دماء الأبرياء؟!!، وكيف نستأمن على مرؤوسيه رئيسًا لم ير بأسًا في إزهاق أرواح المواطنين، لا والله ولا كرامة، وما كان لمثل هؤلاء أن يستأمن على أن يعدل بين مرؤوسيه، أو أن يعدل مع المواطنين في موقعه.

(8)

وسيقولون لك: هذا إقصاء، نقول: طبعًا، نقصي الخبث حتى يصلح الأمر، نقصي من لا ضمير له حتى تسلم البلاد والعباد، أتحدثوننا عن الإقصاء؟!، لم تشهد البلاد إقصاء كالذي حدث بعد 3 يوليو، أغلقت جميع منابر المعارضة، أقصي جميع المعارضين من جميع الاستحقاقات الوطنية الجامعة مثل إعداد الدستور وغيرها، صحيح أن جل المعارضين ما كانوا ليقبلوا أن يشاركوا في إعداد دستور عهد الانقلاب، لكن على الأقل حتى البادرة الأدبية ممن في الحكم لدعوة جميع أطياف الشعب المصري للمشاركة في وضع الدستور لم تتم، وما كان لهذا العهد أن يستدعي المعارضين لشيء وهو يستبيح دماءهم في الميادين ويستبيح أموالهم في اقتحامات البيوت ومصادرات الأموال، بل ويستبيح أعراضهم في مواضع كثيرة، ثم تتحدثون عن الإقصاء، إننا لن نكون يومًا مثلكم ولن ننحدر إلى ما انحدرتم إليه، ولن يكون الإقصاء في العهد الجديد مبني على روح الانتقام، بل مبني على الرغبة من حماية الناس من شركم، ولن يشمل في تلك المواقع إلا من أيد قتل الناس صراحة بأن ظل مؤيدًا للعهد الفاشي بعد 14 أغسطس، أما من تراجع عن هذا التأييد لما تبين له إجرام هذا العهد وعاد إلى ضميره فمرحبًا به في مصر ما بعد الظلام مؤيدًا أو معارضًا، فمن تاب تاب الله عليه.

(9)

هذا عن موقف الأفراد في مواقع المسؤولية الفردية، أما عن مواقف الأحزاب والكتل فالأمر يختلف، ذلك أن تأييد تمرد 30 يونيو يعتبر خطيئة سياسية كبيرة نظرًا لما كانت توحي إليه من أنها مقدمة للانقلاب العسكري، أما تأييد انقلاب 3 يوليو فهو عين الكفر السياسي بكل مبادئ الديموقراطية التي لا يتصور معها أظن يظل حزب بعدها في الحياة السياسية، فإن من أبجديات أي لعبة أن يكون المشاركون فيها من المؤمنين بقوانينها والمطبقين لها، فإذا جاهر أحدهم بأنه كافر بقوانين تلك اللعبة فلا يجب أن يسمح له بممارستها بداهة، وعلى ذلك فإن الأحزاب والكتل السياسية التي كفرت بالديموقراطية يوم أيدت الانقلاب العسكري فقد حكمت على نفسها بالموت السياسي، فلا يوجد مكان في عهد ما بعد الظلام لكيان سياسي اسمه (حزب الوفد الجديد) ولا لكيان سياسي اسمه (حزب النور) ولا لكيان سياسي اسمه (حزب المصريين الأحرار)…إلخ، وعلى أنقاض هذه الكتابات الموصومة بالعار أبد الدهر فلتقم كيانات سياسية صحية من الساسة – من جميع الأطياف من أقصى اليمين لأقصى اليسار – الذين رفضوا الانقلاب العسكري وأنكره ونأوا بأنفسهم عنه، على هؤلاء ستقوم الحياة السياسية والحزبية الجديدة.

(10)

لا يصح إلا الصحيح، ويعلم مهندسو البناء أنه عند إقامة بناء على أرض طفلية فلا يمكن أن يتم إلا بعد إزالة طبقة من التربة وإحلال طبقة جديدة مكانها، لأن التربة الطفلية إذا نزل عليها الماء انتفشت فهدمت البناء، فلا بد من وضع طبقة فوقها من الرمال كابتة لها ومانعة لها من الانتفاش، وقتها فقط يمكن أن يُرمى الأساس ويستقر.

(11)

بقي أن نشير إلى أن شرط الضمير هو الشرط الذي لا محيد عنه، فلا يتولى أمر كبير أو صغير إلا أهل الضمير، فإن عدموا فلنأت بهم من الخارج، فإن وجدوا فلا نختار من بينهم إلا أهل الكفاءة، فصاحب الضمير والكفاءة هو المقدم، فإن رسول الله لما سير السرايا كان يختار لها القائد الأمهر عسكريًا بين المسلمين وليس الأقدم إسلامًا، فجعل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وكانوا وقتها حديثا عهد بالإسلام قوادًا على مثل أبي بكر وعمر، وجعل أسامة بن زيد قائدًا على أبي بكر وعمر، فطالما وجد أهل الضمير فالأمر مداره على الكفاءة تبعًا للموقع والموقف، وأما اختيار أهل الثقة، لمكانته في الجماعة أو لما مر بن من ابتلاءات أو لثباته في الاعتصامات، أو غير ذلك وهو غير كفؤ لموقعه، فهي خيانة لله والناس تكاد تقترب من خيانة تولية أهل الباطل لذات المواقع، فالمآلات ستكون متشابهة، الخراب، فالأمر يوسد للقوي الأمين، صاحب الضمير والكفاءة معًا، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الضمير
عرض التعليقات
تحميل المزيد