دَرَجَ كثيرون على التحقير مِنْ شأنِ التنظير والمُنَظِّرين وصار التنظيرُ عند بعضِ العاملين تُهْمة؛ يقولُ أَحَدُهم على سبيل الاستخفاف:

“يا عم كفاية تنظير اللي مش عاجبه الواقع ينزل يغيره”!

لا شك أنَّ العمل هو الثمرةُ المقصودة, لكنه قد يكونُ ثَمَرةً حلوة وقد يكونُ مُرًّا عَلْقَمًا! وكلُّ ذلك يتوقفُ على نوعيةِ شجرتِه التي هي التنظير.

فالتنظيرُ دائمًا يسبقُ التطبيق كما أنَّ العِلمَ يسبقُ العمل, والحاجة إلى التنظير ضرورية؛ لأنه بمثابةِ الضَّوْء الذي يُنيرُ الطريقَ للسالك وبدونه يَخْبِطُ خَبْطَ عَشواء.

وتتضاعفُ الحاجةُ إلى التنظير إذا فشل تنظيرٌ سابقٌ في قراءة الواقع قراءة صحيحة؛ فأدَّى ذلك إلى عملٍ خاطئٍ ترتبت عليه عواقبُ وخيمة.

وأهمية التنظير تأتي كذلك مِن كونِهِ مرتبطًا دائمًا بالواقع وأحداثِه, يَحُلِّلُها ويسعى إلى التأثير فيها إيجابًا أو سَلْبًا فهو باقٍ بقاءَ الأحداث, متجددٌ ما تجددتْ, متطورٌ ما تطورت، ولأنَّ الأحداثَ والوقائعَ دائمةُ التطور والجِدَة فكذلك التنظير دائمُ التطور والتجدد لا يعرف الخُمودَ ولا الجمود, وإذا رأَيتَ أُمَّةً من الأُمَم فَشَلَتْ في حَلِّ مشكلاتِها وبَقيَتْ على ما هي عليه من التَخَلُّف والتَّبَعيَّة فاعلَم أنها ما تَخَلَّفَتْ إلا بتخلُّفِ عقولِ أبنائِها، وما عَجَزَتْ عن حَل مشاكلِها واقتحامِ العَقَبة إلا بِعَجْزِ قرائحِهِم عن إبداعِ تنظيرٍ جديد وحلولٍ جديدة تخالفُ التنظيرات القديمة والحلولَ العتيقة التي أثبتت فَشَلَها عَبْرَ سنين طويلة.

فالنظريةُ إذَنْ ما هي إلا تفكيرٌ منطقيٌّ وتوجيهٌ عقليّ يَرْبِطُ المقدمات بنتائجها وعلى أساسها يكونُ العمل؛ فلا يمكن لإنسانٍ عاقلٍ أنْ يَشرَعَ في عملٍ يرجو نجاحَه دون أن يسَبِقَه بتفكيرٍ عميقٍ يَدُلُّ صاحبَه على المقدمات الصحيحة التي يجب أن يقومَ بها لِيَصِلَ عن طريقِها إلى النتائج المنشودة.

ومِنَ المُسَلَّمات أنَّ أَحَدًا منا نحن البشرَ لا يملِكُ كُلَّ المواهب؛ إِذْ ليس مِنْ طَبْعِ الدنيا تمامُ الحظوظ، فَكَوْنُ أَحَدِنا بارِعًا في أمرٍ من الأمور لا يعني بالضرورة أنْ يَبرَعَ في أمرٍ آخَر, فالمواهِبُ أرزاقٌ مُوَزَّعَةٌ على العباد؛ فَليس كُلُّ عاملٍ لديه القدرة على التنظير، وليس كُلُّ مُنَظِّرٍ لديه مَوهبةُ التطبيق, هكذا عَلَّمَتنا الحياة, فليس لِأنَّ شَخْصًا ما لا يُطَبِّقُ ما يقول نَدَعُ قولَه مع أنه الحق ولا يكونُ نصيبُنا منه إلا السُّخرية والاستخفاف!!

وقد عَلَّمَنا رسولُنا محمد صلى اللهُ عليه وسلَّم أن ننتَفِعَ بما لدى الناس من الحق بغض النظر عن كونهم يعملُونَ به أو لا يعملون فقال:

“رُبَّ حاملِ فِقهٍ إلى مَنْ هو أَفْقَهُ مِنه”. (الألباني: صحيح – فقه السيرة)

وما الكُتُبُ التي أنزلها اللهُ عز وجل على عباده إلا بمثابةِ توجيهاتٍ للناس وعليهم تطبيقُها إنْ هُمْ أرادوا عملًا ناجحًا وفِعلًا صالحًا, لكنها توجيهاتٌ إلهية لا يأتيها الباطل مِنْ بين يَدَيها ولا مِن خَلْفِها وليست كتوجيهات البشر الذين يعتريهم دائمًا العَجزُ والنَّقص, بَيْدَ أنها تشتركُ معها في كونِها المقدمات التي تَكْفُلُ لِمَنْ يُطَبِّقُها النجاحَ والفلاحَ في الدنيا والآخِرة.

إنَّ الناسَ كما قال الشاعِر:

الناسُ للناسِ مِنْ بَدوٍ وحاضِرَةٍ……بَعْضٌ لِبَعْضٍ وإنْ لَمْ يَشعُروا خَدَمُ

فَأهلُ العمل لا يستطيعون نجاحًا دون أهلِ التنظير, إنما هو التخبط والفَشَل,

وأهلُ التنظير لا قيمةَ لِتَنظيرِهِم دون أَهلِ العمل الذين يبثون فيه الروحَ والحياة. وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، وطُوبَى لِمَنْ جمع بين التنظيرِ والعمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التنظير
عرض التعليقات
تحميل المزيد