لم يكد مسخادوف يفوز برئاسة الشيشان عام 1997 بعد منافسة مع يندرباييف وباسييف، حتى بدأت النزاعات الداخلية ومرحلة جني ثمار النصر وتأكيد كل فريق للآخر أنه صاحب الحق، وأن حقه سيمضي رغم أنف الجميع وكان يتم حينًا بالصوت وأحيانًا بالرصاص!

ويذكر في هذا ما كان من الجنرال رادوييف (صهر الرئيس الراحل دوداييف) ضد الرئيس مسخادوف حتى تهديده لمسخادوف علنًا بإنهاء حكمه إذا حاول القبض عليه بل حاول إطاحة مسخادوف!

وما كان من الجنرال عربي براييف وإعدامه مهندسين (خارج إطار الدولة) اتهمهم بالعمالة ونشر اعترافاتهم مصورة لطبيعة عملهم ورفض الخضوع للقيادة العسكرية الشيشانية, مما أدى لحدوث إطلاق نار بين رجاله والحرس الوطني الشيشاني في مدينة غودورميس الشيشانية والذي كان على أثره أن جرده مسخادوف من رتبة الجنرال.

وبدلًا من ترتيب البيت الداخلي، والتوحد على القيادة المنتخبة، والتجاوز عن ما يمكن التجاوز عنه (مع بعض أخطاء لمسخادوف في الإدارة) أصبح لكل أمير مناطق نفوذ وسيطرة يتحرك فيها لا يبالي بمسخادوف وإدارته كما لو أنها مجرد شكليات، فتشتتت جهود مسخادوف وقوته وخبرته في محاولة السيطرة وأنهكت قوى مجاهدي الأمس في محاولة فرض أفكارهم وطريقة الإدارة والحكم التي تريدها كل مجموعة.

ويؤخذ أيضًا على قيادات مثل يندرباييف وجولاييف وباسييف أنهم لم يساندوا مسخادوف، بل ترك وحيدًا رغم التواجد الشكلي في صورة وزراء، وكان الأحرى دعم مسخادوف بقوة وترشيده، والرجل كان دائمًا لديه القابلية للتصحيح، فقد أعلن في عام 99 تطبيق الشريعة بشكل تدريجي على مدى ثلاث سنوات وكان متفهمًا أيضًا وقت الخلاف مع بساييف بعد صعود الجبال لقيادة التحرر من هناك ضد كل من روسيا وجيش الخائن «قاديروف»، وكان هذا واضحًا رغم الصلف الذي تحدث به أبو الوليد مع قيادة بحجم مسخادوف أثناء وساطة الصلح والتفاهم.

نعم كانت قضية الشيشان تسعى بين التيار الإسلامي وأحلامه، والتيار القومي وأحلامه، والتيارات الصوفية وأحلامها، وهي الأحلام ذاتها التي تعامل معها دوداييف باقتدار واستطاع توحيد الإسلامي والقومي والصوفي تحت لواء التحرير الذي يقوده، والذي به انهزم الروس في الحرب الأولى، والذي بخسارته خسر المجاهدون الكثير وما زالوا يخسرون حتى اليوم، وساعده في هذا رغم محاولات الانقلاب التي جرت ضده من عملاء روسيا أن القيادات القومية والإسلامية والصوفية كان يجمعها هدف واحد، وهو الحلم الذي أحياه دوداييف لما قاد الحراك ضد المحتل الروسي، وظل الوضع في توتر وضعف وتشتت بعد النجاح في الحرب الأولى حتى استشهد أصلان مسخادوف في 2005، وخلفه الرئيس عبد الحليم سعيدولاييف الفقيه الشرعي والعسكري المجاهد ذو الخبرة الذي كانت تعول عليه آمال كبيرة في كافة الصفوف، إلا أنه لم يكمل عامًا حتى ارتقى شهيدًا في 2006 ثم جاء «عمروف» بمشروعه الجديد وفكره الجديد أيضًا، فقسم المقسم وزاد الطين بلة ثم التضاد التام بين عمروف ومشروعه وزكاييف ومشروعه الذي لم يستطع أن يطرحه بشكل قوي ومنظم، فما كان إلا أن زادت قوة الخائن والمحتل وخبا نور الجهاد والمقاومة، واختلط الحابل بالنابل حتى أطلق أحد كبار العلماء في العالم الإسلامي في غفلة واضحة منه عن واقع الشيشان، على رمضان قاديروف أنه رئيس متدين وابن أسرة متدينة، وتبعه في هذا جمع من أصحاب العمائم والألقاب الإسلامية؟!

ورغم أن هذه التجربة كانت قد حدثت من قبل في أفغانستان، إلا أن المجاهدين الشيشان لم ينتبهوا لها أو يعطوها حقها في الفهم والدراسة رغم قربهم منها، وما زال البعض في سوريا لا ينتبهون لمثل هذه التجارب أو ربما يظن البعض أنه الأفضل للتجاوز رغم أنه لا يمكن أن تكرر نفس التجربة بنفس المعايير والكميات ثم تتوقع نتيجة مختلفة.

فقد بدأ الغزو السوفيتي الحقيقي الرسمي لأفغانستان في العام 79 وفي العام 92 هزم آخر عملاء السوفيت وهو الرئيس «الشيوعي» نجيب الله بعد حصار شاه مسعود له، وتجربة ما بين هذين التاريخين وما تلا الأخير ما زالت تروى في بلدان أخرى بأسماء مختلفة لكن نفس العملاء ونفس الأخطاء ونفس التخاذل العالمي.

تجمع الأفغان رغم خلافاتهم المذهبية والعرقية والفكرية ضد السوفيت وحاربوهم، فقاد البشتوني الطاجيكي والطاجيكي البشتوني، لكنهم كانوا يحاربونهم في وحدة وفرقة وحدة في القتال والهدف العام وفرقة في الأهداف الخاصة والمستقبل الذي يلي النصر.

وكما في الشيشان كانت في أفغانستان بذور التفرق والخلاف، وكان التربص الدائم من عملاء السوفيت البذور التي أزالها الجهاد الجامع وحاول رجل مثل «عبد الله عزام» إخراجها من نفوس المجاهدين لما له من منزلة عند جميع الخصوم أو الإخوة الأعداء من بعد، لكن أيضًا كان هناك من يسوق هذه البذور العدائية إلى الواجهة ويدفعها دفعًا منظمًا مقصودًا كما حدث مع أحمد شاه مسعود حين أطلقت عليه الشائعات بأن في معسكره مسبحًا للنساء الفرنسيات يسبحن فيه عرايا أمام مسعود وقواده! وأن مسعود عميل ويقتل العرب بل ويحبسهم مع الحمير في غرفة واحدة!

وكان الذي أطلق هذه الشائعات في صورة تقرير مزور موقع من 20 من العرب الموجودين في الشمال، والذين لم ير منهم «مسعود» سوى ثلاثة؟!

شخص مجهول اسمه «محمد هارون» ترجع جميع شهاداته إليه، وبعد أن رفض الشيخ عزام الاستماع لهذا التقرير إلا في حضور مبعوثه إلى الشمال «عبد الله أنس» الذي كان هو وثلاثة من العرب في ضيافة «مسعود»، رفض أنس أن يرد على شهادة من مجهول ولما عرف المجهول نفسه كان هو «قارئ سعيد» أحد الثلاثة الذين كانوا معه. سأله أنس عن مصدر هذه التهم أين رآها وفي أي قرية فأجابه قارئ سعيد أنه لم يرها بنفسه بل سمعها من شخص عربي يدعى «عبد الله جعفر» والذي لم ير مسعود ولو مرة، بل كان مقيمًا عند «سيد جمال» أحد قادة الحزب الإسلامي الذي يقوده «حكمتيار» خصم مسعود القوي!

والغريب أن هذا التقرير المزور ترجم إلى الفارسية والبشتونية (وشاه مسعود طاجيكي) والإنجليزية ونشر، فعلم الشيخ عزام ومبعوثه أنس أن جهات ما كانت تقف وراء هذا التقرير استغلوا فيه هذه الغيرة الفاسدة لدى هؤلاء الشباب بغرض تشويه مسعود عند الشيخ عزام، الذي لم يكن يعرف مسعود بشكل كبير حتى التقيا في «بنجشير» وألف بعده كتاب «شهر بين العمالقة» وكانت هذه المرحلة الثالثة في علاقة عزام بمسعود، بعد مرحلتين سمع في الأولى عن مسعود من خصومه فبغضه، ثم سمع من أحد العرب الذين أرسلوا إلى مسعود واسمه «نور الدين» فتوقف في حقه لا مادحًا ولا ذامًا. والمرحلة الأخيرة التي قال فيها عزام لمسعود: اعتبرنا الآن أحباءك وما قيل في حقك سوف نعتبره كذبًا وبهتانًا. ويمكن الاطلاع على نص الكلام وشهادة عزام في كتاب ولادة الأفغان العرب لعبد الله أنس.

وحينما حاول عزام الإصلاح بين مسعود وحكمتيار، حدثت واقعة كبيرة هي مذبحة «فرخار». فبعد استغراق عزام مدة طويلة وإلحاح على حكمتيار من أجل اللقاء بمسعود رغم رفض قواد حكمتيار لهذا، وتهوينهم من شأن مسعود، قبلَ حكمتيار في النهاية وعندما تهيأ عبد الله أنس للذهاب إلى مسعود من أجل إقناعه باللقاء حدث أن قام «سيد جمال» أحد كبار قادة «الحزب الإسلامي» بقيادة حكمتيار بـ«ذبح» واحد وثلاثين من قادة مسعود بعد أن كان سيد جمال قد عقد معهم صلحًا يتم بموجبه عبور مجاهدي الحزبين المنطقة الخاضعة لسيد جمال بدون حراسة، فاستغل سيد جمال مرور قادة مسعود على منطقته بدون سلاح فنقض العهد وذبحهم كالنعاج واحدًا تلو الآخر.

وكان من مخلفات هذه المذبحة انهيار حكومة المجاهدين، فأعلن برهان الدين رباني في احتفال تأبيني للضحايا في بيشاور، يوم 18 تموز، تجميد عضوية حكمتيار في حكومة المجاهدين، المكلف بمنصب الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية على رغم أن حكمتيار أدان المذبحة ووصفها بأنها غدر. فرد حكمتيار في 5 أغسطس (آب) بإعلان حل الحكومة كلها، قائلًا إنها فاقدة الاعتبار!

ظل هذا الانقسام وهذا التناحر والانجرار خلف الشائعات حتى رحل السوفيت، ورحل برحيلهم الرجل الذي كان دومًا ساعيًا لإصلاح بين فصائل المجاهدين وكانت له هيبة بين الأفغان والعرب على حد سواء، حتى تأسست بذرة القاعدة هناك فنال مريدوها من عزام وطريقته ودعوته مع الخلاف الدائم بين خط عزام وبن لادن، فظل عزام يحرض العرب على ألا يكونوا جزءًا من الفتنة بين المجاهدين ولا يدخلوا فيها لا بقولٍ ولا بعمل، وأن ينضموا تحت لواء من يحكم إذا اتفقوا على حاكم، وشبه لهم الأمر فقال: أنتم كأيتام أبناء أرملة…

بخلاف القاعدة التي كانت مع فصيل دون آخر، ومحاولة تكوين جمعها الخاص وطريقتها الخاصة، شأنها شأن غيرها فالشباب العربي المنتمي لجماعة الإخوان انضموا إلى «عبد رب الرسول سياف»، والسلفيون اجتمعوا عند «جميل الرحمن» مؤسس السلفية هناك، وأحد الأردنيين أعلن لنفسه تنظيمًا سماه «جيش محمد» ثم غادر فجأة ليعود إلى بلده وكيل وزارة هناك!

وآخر دعا لنفسه بالخلافة وإثم من لم يبايعه وينضم إليه، وهكذا، وما أشبه اليوم بالبارحة غير أن هناك وعيًا برز لدى المجاهدين والمقاومين في سوريا ولدى كبار التنظيمات هناك، في تحديد العدو والوجهة والطريقة بعد إسقاط النظام العميل ثم بعض التحالفات القوية والمراجعات الفكرية المحمودة.

ظل الانقسام مع بقاء الجهاد كل على طريقته ضد بقايا الشيوعية والاحتلال، الذين كان آخرهم الرئيس الشيوعي القوي والذكي «نجيب الله» حتى أطبق «شاه مسعود» الحصار عليه وأعلن الجنرال «عبد المؤمن» تمرده على نجيب الله، فأرسل له شاه مسعود رسالة مفادها (أنا فئتك التي تأوي إليها) أي اعتبر نفسك في حمايتنا فسقطت منطقة «حيرتان» الجسر الرابط بين السوفيت ومزار شريف، والتي كانت الشريان لدى نظام نجيب الله باعتبارها مددًا عسكريًّا كبيرًا بعد ذلك بثلاثة أيام سقطت قاعدة باغرام الجوية، أكبر قاعدة عسكرية في البلاد بيد مسعود أيضًا.

طرحت حكومة موسعة بين نجيب الله الموالي للسوفيت وبين المجاهدين ذلك الطرح المتكرر، ورجعوا إلى الاتفاق بين «بيجوفيتش» والصرب حيث ضغطوا عليهم ليقبلوا طرح الحكم المشترك، هذا الطرح موجود دائمًا بغرض إبقاء الانقسام واستمرار وجود الثغرة التي ينفذ منها المجتمع الأممي المنافق.

وهو المشترك الدائم بين سباق «سيفان» في أفغانستان بالأمس و«ستيفان» في سوريا اليوم، حتى في أواخر وقت حكومة نجيب الله جاء عبد الوكيل، وزير خارجية نجيب الله، في طائرة هليكوبتر واجتمع بمسعود وقال له: «قررنا تسليمكم السلطة. لكن لنا شرطًا واحدًا، وهو أن تعتمدوا أحزابنا الشيوعية في ظل حكومتكم».

فأجابه مسعود: نحن نجاهد 25 سنة من أجل أن نعترف بأحزاب شيوعية؟ نحن على أبواب كابول: إما أن تسلّموا السلطة وإما أن ندخل بالقوة.

وبعد أن سقط النظام في كابل على يد شاه مسعود، لم ينقطع الاتصال الأممي بباقي الفصائل، والغرض معروف وهو تحقيق أي مكسب أممي رخيص أو دب الفتنة بين المجاهدين والتى لها بذور موجودة في الأصل بينهم والاستماتة في إدخال حلفاء المجتمع الدولي إلى قلب الحدث مرة أخرى، بعد أن كانوا سبب المشكلة وفتيل انفجارها. مثل إصرار المجتمع الدولي المنافق اليوم على إعادة تدوير بشار ونظامه بعد أن كانت المرحلة السابقة تقتضي الهتاف زورًا من قبل أوباما ومن خلفه (أن الأسد إلى رحيل ولا يمكن القبول به أبدًا).

ليس المقصود هنا الانتقاص من أحد، بل المقصود هو الاعتبار بالتجربة وأن النوايا الحسنة لا تقود المعارك وحدها، فما بالك لما يضاف إليها مخابرات العدو ومصالح الفاسدين الكبار في الداخل والخارج، فيجب النظر دومًا إلى المآلات والغرض، وهو ما سوف نتعرف إليه في المقال القادم «في طريق الحل» إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد