يواجه العالم اليوم أزمة صحية خانقة، تستمر منذ 2019، لتنتج أزمة أخرى تتعلق بارتفاع جنوني لأسعار المواد الغذائية، فوفق مؤشرات منظمة الأغذية والزراعة فإن أسعار المواد الغذائية الأساسية عرفت ارتفاعًا في الأسعار قدر بـ%30 خلال عام واحد فقط.

هذا الارتفاع صاحبه تضخم مس بشكل أساسي ثلث سكان العالم، من الذين يعانون أصلًا من أزمات مختلفة، من بينها انعدام الأمن الغذائي، ووفق وكالة «رويترز» فإن التضخم جاء في وقت عصيب تعاني منه الشعوب (حوالي عُشر سكان العالم) من المجاعة، وهذا ما سيزيد من المعاناة.

من جهة أخرى ذكرت الصحفية بجريدة (le monde) الفرنسية ماتيلدا جيرار أن أسعار الغذاء في العالم ارتفعت بشكل لم يحصل منذ 10 سنوات، كما أعلنت منظمة الأغذية والزراعة ان الأسعار وصلت الى مستويات عالية مقارنة بسنة 2011.

كما أشارت منظمة التغذية والزراعة في تقريرها لسنة 2020 وتحت عنوان: حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم أنه « بعد خمس سنوات من التزام العالم، بالقضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي، وجميع أشكال سوء التغذية، ما زال العالم لا يسير على المسار الصحيح لتحقيق ذلك في غضون سنة 2030».

ويضيف التقرير أن «البيانات توضح أن العالم لا يتقدم نحو تحقيق الهدف 2.1 من أهداف التنمية المستدامة والمتعلق بتمكين جميع الناس من الوصول إلى طعام آمن، ومغذ، وكاف، ولا نحو تحقيق الهدف 2.2 والمتعلق بإنهاء كل أشكال سوء التغذية».

من كل ما سبق يظهر أن الشعوب هي التي تدفع ثمن أي أزمة، فهل على المواطن البسيط أن يدفع ثمن أزمة لم يكن المتسبب فيها؟ إن الجواب المنطقي عن سؤال كهذا هو: لا.

لأن من تسبب في مشكلة فمسئوليته أن يتحمل تبعاتها ولكن الواقع يقول نعم، فالمواطن هو الذي يدفع ثمن الأزمة جراء هذا الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الواسعة الاستهلاك، وجراء تلك الإجراءات التي اتخذتها الحكومات في كل دول العالم لمواجهة الأزمة الوبائية، والتي نتجت عنها أزمة قدرة شرائية جراء أزمات اقتصادية متلاحقة.

فمن أثينا إلى دبلن، إلى القاهرة إلى تونس، إلى الجزائر، إلى كل دول العالم تقريبًا، نفس الهم، الذي سيقود الى احتجاجات، يريدونها احتجاجات الجوع، وانتفاضات الجوعى.

فالتضخم وهبوط حاد في القدرة الشرائية، والأزمة الصحية هي أزمات تدفع الشعوب إلى الوقوف في وجه مخططات التقشف، وزيادة أسعار المواد الضرورية والأساسية، فأين ستقودنا هذه الاحتجاجات؟ وهل تتحول إلى تمرد.

ماذا يمكن أن يحدث إذا كانت الحكومات غير قادرة على مواجهة التدابير الصارمة التي تفرضها الأسواق المالية؟

وماذا ستصبح الدول عندما تكون السياسات المفروضة من الخارج لا مفر منها وهي مرفوضة من الداخل؟

نحن اليوم ندخل المرحلة الثالثة من أزمة بدأت في مجال المال والسيولة، ثم انتشرت إلى الاقتصاد، ووصلت اليوم إلى السياسة، ووصلت إلى حد تهديد حتى تلك الدول الأكثر ديمقراطية في العالم.

إن الأمر كما يؤكده خبراء المال والاقتصاد لا يتعلق بأزمة صحية ولا اقتصادية، ولا مالية وسيولة عابرة، كما حدث سنة 2008، ولكنه يتعلق بأزمة ملائمة دائمة، فكل من اليونان، والبرتغال، وأيرلندا، وأيسلندا، وغيرها من دول أخرى كثيرة يعيشون فوق مستوى وسائلهم ويجب عليهم الرفع من مستوى معيشتهم حتى يتوافق مع مستوى إنتاجهم لتلبية رغبة المستثمرين، وحتى يرضوا هؤلاء المستثمرين الذين لا يستطيعون الاستغناء عنهم.

إن الشعوب ستكتشف فيما بعد أن المقصود بالتقشف ليس استعادة الازدهار، ولكن تجنب الإفلاس وفقط، وأن الإجراءات الأولية المتخذة ستتبعها أخرى؛ فالقاعدة هنا إجراء يتبعه آخر، وأنه إجراء يناديه إجراء آخر أكثر إيلامًا.

إن الوضع وصل إلى درجة التعفن، ولا يمكن التكهن بأي تحسن، أو حتى الحلم به على مدى 10 سنوات القادمة، هذا ما يؤكده الخبراء والملاحظون والمتتبعون للأزمات العالمية المتلاحقة.

ونحن شعوب العالم الثالث أو العالم المتخلف (بالنظر لتلك العلاقة مع الغرب)، سنكتشف فيما بعد أن الوضع يشمل الجميع دون استثناء، وأننا لسنا وحدنا من يعاني ويعيش المأساة، وأن شعوب العالم الثالث، أو المتخلف، ليست وحدها التي تعاني وتعيش المحنة.

إن الاستثناء سيصبح القاعدة، فدول كبرى مثل فرنسا، وبريطانيا، وإسبانيا، وايطاليا ستلحقهم المحنة والمعاناة والجميع يعرف هذا، وستنتقل النيران من شجرة إلى أخرى حتى تلتهب كل الغابة ويعم اللهب.

حسب الخبير الاقتصادي عبد الرضا عبسيان لدى منظمة الأغذية والزراعة فإنه يتعين على الدول الغنية أن تتوقع انتفاضات، كما سيحدث في العديد من البلدان بأفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، في مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية، وأضاف أن الاستياء منتشر وقد يكون المشهد العام لدى جميع الشعوب.

إن الانتفاضات الشعبية تتغذى من التأثير الشامل، ولكن الانفجار المدمر يحتمل أن يأخذ كل شيء معه، وإن السؤال المشهور نحن لم نفعل شيئًا، فلماذا ندفع ثمن أخطاء غيرنا؟ ويمكن الإجابة عن هذا السؤال بأي إجابة كانت.

إننا إذا أخذنا الأزمات العالمية مجتمعة بما فيها الأزمة الصحية الوبائية، وأزمة ارتفاع الأسعار فإننا سنلاحظ أن الشعوب عبر كامل العالم كانت متواطئة بشكل أو بآخر، وكانت انتهازية بطريقة ما، فالطبيعة الاستهلاكية على صورة الاندفاع وراء دعايات الندرة إلى الإنفاق العام.

وفي بعض البلدان استفادت شعوبها من الأولويات الاجتماعية، على شكل علاوات، أو مساعدات اجتماعية، سرعان ما أنفقتها على أمور ثانوية، وهي اليوم تسدد ثمن هذا الاندفاع في زمن هذا الارتفاع.

إن كل شيء بدأ من شبكة المهربين المحترمين (ليس المقصود هنا أولئك المهربون على حدود البلدان المتجاورة)، الذين وتحت غطاء بنك محترم يمول المشاريع ويقدم القروض بتسهيلات جد مغرية أطلقوا أكبر شركة للعملات المزيفة وألعاب القمار غير المشروعة عبر التاريخ البشري.

وكمثال تلك الأزمة المالية لسنة 2008، حيث الديون لا يمكن تحصيلها فالرهن العقاري أو غيره والذي يقدم كضمان للدين ليسوا سوى أموال مزيفة أخفيت في تحصيلات سليمة ومشروعة، إن التوريق للمال ما هو إلا مناورة للاحتيال تهدف إلى تمريرها على أنها تقطيع مزيف وعمليات التحكيم لكازينو طفيلي اقتطع من الاقتصاد الحقيقي، وكل هذه الأنشطة الطفيلية خلقت ثراء بدون جهد وبدون عمل منتج، والثراء غير مشروع لأنها أرباح.

إن الغوغائية سببت الأزمة العالمية عامة، والجشع من التمويل الخاص، إن الضرر كبير وفظيع وتركت الشعوب على الشاطئ مع حطام السفن في حين أبحر المفسدون، والفاسدون، والمخربون، على متن يخوتهم الفاخرة إلى أعالي البحار بما سرقوه وتحصلوا عليه بطرق غير مشروعة، وإنه من المؤكد أن يتم تحصيل مثل هذا الجدول، ولكن يجب فتح مجال الرؤية أمام الناس لطرحه للمساهمة.

الفضائح المالية السابقة كقضية إنرون انتهت في المحاكم بإدانة المسئولين عن ذلك، للأسوأ لم يحدث من قبل فلم نر أي شيء مثل ذلك فقط البعض يقبع في الزنزانة بينما البقية تتمتع بالحماية العليا حماية من الشرعية.

الشعوب لا تشتكي من أي شيء، والممولون لا يقلقون من أي شيء لأن كل هذا قانوني وشرعي، لا يوجد مصرفي واحد وجهت له تهمة فمعظمهم يقتفي أثرهم البرلمانيين وحتى وكالات التنقيط تزدهر على حساب الكوارث التي أحدثوها.

الاعتقاد بأن القانون لم يطبق يومًا على التجار المزورين، والذين مسئوليتهم ترخص لجميع أشكال الثراء الفاحش، وتقضي على كل أشكال الشعور بالذنب، أو حتى توجيه لهم التهم، إن هذا الإفراط في الشرعية يأخذ الشعوب رهينة، وهي التي تتحمل كل أنواع الشرور دون أن يكون لها فرصة قول كلمتها. إنه قانون وول ستريت الذي فرض على أوباما وعلى باقي العالم، وإنها تمثل اليوم أكبر تهديد للدول التي تفقد كل شرعية عندما تريد أن تفرض أمرا معترف به عالميًا على أنه شرعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد