شاهدت ذات مرة مشهدًا في مسلسل يحكي أن البطلة قد نامت ثم دخلت إلى حلمها، كان الحلم مظلما تماما ليس فيه أي تفاصيل وهي تلتفت حولها في حيرة ثم ظهرت نقطة نور ملتمعة ظلت تحوم من بعيد، وبعد قليل تحول النور إلى جناحين عملاقين، ثم طارا وتركا ريشة ذهبية في يد البطلة لم تلبث أن تحولت إلى رماد.

 

جذبني كثيرا المشهد رغم كون الحلم مصطنعا. أحيانا يكون الواقع ثقيلا مملا؛ هو هو النهار نفسه بلهيب شمسه وتسارع الوقت حتى يأتي الليل كي ينسدل على ذات التفاصيل في وجوه الناس، وأعمدة النور والمقاهي والقطط والسيارات المارة. أحيانا تتمنى لو استطعت أن ترسم خيالك في لوحة ثم تدخلها، ترى نفسك في ذلك العالم شخصًا آخر يفعل ما يتمناه؛ تقفز من طائرة، أو تركب ظهر حوت يبحر بك في المحيط، أو تتزوج امرأة تحبها، أو تذهب لحافة العالم فترى كيف يبدو، تتمنى رسالة من الغيب تخبرك أن الله يحبك أو تطمئنك أن ما تتمناه سيتحقق، وكأن الغيب عالم موازٍ فيه كل الإجابات تنتظر أن يقذف إليك بنقطة نور عن المجهول.

 

أعرف أناسًا في عائلتي وأصدقائي أرواحهم شفافة حتى أنه حينما نعرف أن فلانا قد حلم فإننا ننتظر العاقبة بشكل يقيني. لكن لم يحدث لي ذلك من قبل، أحلامي في المنام قليلة وتكون عبارة عن فيلم عجيب للغاية أذكّر نفسي أن أكتبه حينما أستيقظ وأصنع منه رواية استثنائية، ثم ما إن أغسل وجهي وأحادث أحدًا أجده انفلت من ذاكرتي للأبد، لكني لا أحلم أحلاما رمزية أو أرى إشارة واضحة مثلا، الإجابات كلها أشعر بها في قلبي وأرى أنه البوابة الوحيدة لعالم الغيب. لكن بصرف النظر عن طريقة استقبال كل منا لرسائل الغيب فكلنا يشترك في شيء واحد، أننا لا نملك دليلًا ماديًا على أن هذا الأمر حقيقي أم لا.

أنت تظن أن الله موجود والملائكة، وأن الرسل في السماء وأرواح أحبائك هناك، لكن لا شيء يؤكد ذلك، هنا تنبع مسألة الإيمان. كنت مرة أقرأ للشيخ الشعراوي في إجابته لسؤال (لم حينما يموت الإنسان أو حين تطلع الشمس من مغربها لا تُقبل منه توبة)؟ لأن النفس هنا قد رأت بالفعل؛ الكافر لم يُعمل عقله طوال حياته ولم يحاول أن يفكر ويستنبط من الذي خلق السموات والأرض، هو عطّل أهم ميزة فيه واكتفى بأن يستخدم الماديات ويستمتع بها، لا يمكن أن يتساوى هذا مع الذي نظر في الكون وأجهد فكره وروحه للتوصل للخالق.

 

 

لقد طلب الكافرون على مر الزمان من رسلهم أن تنزل عليهم آية استثنائية (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ۞ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ۞ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا)، هو يريد أن يرى شيئًا غير سنة الكون فيؤمن أن هناك غيبًا فعلا يحرك الموجودات، لكن هنا نقطة أخبر بها الله (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها).

 

لم يقول ربنا ذلك؟ أنت مثلا حينما تأتي لشخص وتخبره أن معك رسالة من أخيه فأول سؤال سيبادرك به (أعطني دليلا على ذلك)؟ فتريه توقيع أخيه أو أي أثر منه، الرجل يسأل الرسول سؤالًا منطقيًا: ائتِ لي بشيء يثبت ما تدعو إليه. فلم يحكم الله عليهم بالكفر من قبل أن يريهم؟! لكن الفكرة هنا أنهم قد رأوا فعلا، الكافر ينظر للكون حوله وكأنه شيء عادي فيتجاوزه إلى السؤال عن غير العادي. لم يتساءل كيف خُلقت الشمس؟ ولم تستيقظ بروح جديدة كل يوم؟ وأين يذهب الصوت حينما ينتهي؟ وبالتالي فمنطقي إن كنت لا ترى فيما أعطاك ما يجعلك تؤمن، فمهما يكون ما ستراه بعد ذلك لن يغير من اعتقادك أيضا.

 

 

 

 

جمال هذا الكون هو أنه مجموعة من الحقائق التي لا نفهمها وغيب لا نعرفه، لو عرفت كل شيء لذهب الفضول ولفقد عقلك الرغبة في التعلم والتفكير، لكن معضلة الإنسان دائما تتجسد في سؤال قرأته في رواية (هاري بوتر ومقدسات الموت):

 

كان (هاري) يسأل معلمه: (أخبرني بشيء أخير، هل هذا حقيقي؟ أم يحدث داخل رأسي فقط

فرد عليه معلمه: (بالطبع يحدث داخل رأسك، ولكن لماذا بالله عليك ينبغي أن يعني ذلك أنه غير حقيقي)؟!

 

 

أعجبتني تلك المقولة كثيرا لأنها تجعل العقل يبحر باطمئنان في المجهول، لو فكرت أن ما تظنه عبثيًا ولا يمكن أن يحدث فسيتوقف عقلك تلقائيا عن التمادي في التفكير. أنت مثلا تنظر لمن أمامك وتظن أنه لو صافحك فسيعرف بما تشعر اليوم، وتبدأ في التفكير في أن المشاعر والأفكار لا تتناقل فقط بالكلمات ولا العيون، بل هناك ذبذبات تنتقل عبر الأجساد وتترجم دون كلمات. تخيل ما يقوده ذلك الافتراض في تطور علم الأعصاب مثلا، وذلك ما حدث بالفعل، هناك فيديو شاهدته يصور تجربة عن رجل نجح في أن يحرك ذراع شخص آخر بذبذبات مخية فقط.

 

 

 

إذًا ما تفترضه يحمل احتمال أن يكون حقيقيا، لكن هناك آية كنت أقرأها كثيرا وانتبهت لمعناها مؤخرا، في سورة الواقعة (إن هذا لهو حق اليقين)، لمَ لم يقل الله عز وجل (إن هذا لهو اليقين)؟ لم أضاف تلك الصفة على اليقين؟ لأن الإنسان يمكن أن يؤمن بأي شيء، بأن الأرض مربعة أو أن الطبيعة مخلوق ضخم يحمل فوقه السماء والأرض وحينما يعطس تحدث الزلازل والأعاصير، فهناك يقين فعلا لكن بأشياء خاطئة .. فالله عز وجل يقول أن هذا القرآن يدلك على الحق، لو أردت أن توقن بالحقيقة لا شيء غيرها فاقرأه وافهمه.

 

في نهاية الزمان كلنا سيذهب إلى ذلك العالم الذي لم يره أحد، وكل واحد منا له ظنونه وأفعاله التي بناها على ذلك اليقين وتأتي النتيجة التي تخبرنا أينا على حق، ذلك الحكيم فعلا من يبذل عمره كله بحثا عن الحقيقة ويقرأ ويتساءل ويتأمل، لأنك لا بد أن تكون متأكدا أن يقينك هذا لن يذهب بك إلى الظلام، المصير هو أهم شيء في تلك الرحلة، أهم من العمل والزواج والنجاح والأحلام، لا يمكن أن تجعله مجرد ضربة حظ أو زهر تلقيه وترى إلى أين يودي بك، بل هو أولوية في الحياة تستحق أن تبحث وتبذل كل ما بوسعك كي تطمئن إليها. ونحن جميعا وإن اختلفنا في الاعتقاد نتفق أن هناك قوى خفية في ذلك العالم تأخذ بيد من أخلص في البحث ولا تضيعه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد