إزاء هذا الوضع الصعب المُثقل بالمعاناة، وضيق الرزق، لا يجف إبداع المؤيدين «السيساوية» في اختلاق التبريرات والتفسيرات للسياسات الفاشلة التي تنتهجها الشريحة الحاكمة؛ فالسيساوي لا يعرف معنى الركود والسكون، فهو شخص مبدع ومِعطاء، لا يؤمن بمبدأ الاعتراف بالخطأ، فهو مبدأ بغيض بالنسبة له، ولكنه يسعى دائمًا لتشييد مناخ وردِي يعيش فيه ليشعر بأن آراءه وتوقعاته كانت صحيحة من البداية.

وفي وقتنا الراهن، أصبح هناك شبه اتفاق دولي ومحلي أن مصر تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة، على غرار الأزمة السياسية التي كانت تعاني منها خلال العامين الماضيين، والتي بدأت بحلول انقلاب 3 يوليو، وأفضت إلى استقرار سياسي وقبضة أمنية عمّت أرجاء البلاد ما عدا سيناء وبعض المدن الحدودية، ولكن لا يعلم أحد إلى ماذا ستفضي هذه الأزمة المتفاقمة التي تقصم ظهور متوسطي الدخل وتُثقل كاهل الفقراء!

هناك عدة أنواع من الشخص السيساوي، اختلفوا في الصفات والطبيعة، ولكن اتفقوا في الناتج الذي يقدمونه والمحتوى الذي يخرجونه، وقبل أن أفنّد هذه الشخصيات أودُّ أن أنوه بأن كل ذلك ما هو إلا مجرد وجهة نظري الخاصة التي لا ألزم بها أحدًا.

المؤيد الجاهل

وهو شخص مؤيد للسيسي قلبًا وقالبًا، يؤيده عن كثب دون أي دليل أو بيِّنة، يؤيده فقط لأنه يشعر أن هناك خيرًا سيطرق الباب علينا في القريب الذي لا يأتي أبدًا، ويشاهد أباطرة النفاق والتدليس والكذب كالغيطي وأحمد موسى وعكاشة -قبل أن يزاح عن الساحة- وتامر أمين حتى يطمئن قلبه ويتأكد من صحة رأيه، وهو يختار هؤلاء الإعلاميين بالذات لأنه يجد ضالته عندهم؛ فهم يستعملون لغة بسيطة وأسلوبًا عنجهيًا يمسّ قلبه ويلبي احتياجاته ويوصله إلى مراده، وهذا الشخص يكون دائمًا على استعداد تام لتقبل أية فكرة وتصديق أي خبر وأية واقعة، فإن أخبرته مثلاً أن الإخوان المسلمين يجهزون للهجوم على مصر بتنين مجنح، لن يجد حرجًا في تصديق ذلك، وإن أخبرته أن السيسي يعمل خمسة وعشرين ساعة في اليوم لكي يوفر لنا الغذاء سيصدق بكل أريحية ودون أي عناء، كل المطلوب هو أسلوب بسيط ولغة عنجهية عنترية، وستجده مستجيبًا معك أكثر مما تتخيل، وغالبًا ما يكون ذلك الشخص من الطبقة الهرمة وأجيال الخمسينيات والستينيات، هذه الأجيال التي أعدها عبد الناصر ولقَّنها الاستماع والإنصات دون مناقشة أو معارضة؛ لأنه زعيمهم الذي يعرف مصلحتهم جيدًا!

المؤيد المضطرب

وهو غالبا ما يكون شخصًا معترفًا بالحالة الاقتصادية الصعبة والإدارة الفاشلة والظلم الاجتماعي المستشري والفساد المتجذر، ولكنه كثيرًا ما يخاف من عدة محاور، ويصل خوفه هذا إلى حد الهوس، فتراه دائمًا يردد جملاً مثل: «العالم كله يتآمر علينا لنصبح مثل سوريا والعراق» أو «هذا أفضل من أن نكون مثل سوريا والعراق»، كثيرًا ما يربط هذا الشخص حالنا بحال الدول التي تعاني من انقسام وصراع طائفي، ولكن لا أعلم لماذا لا يربط حالنا بحال البرازيل أو كوريا الجنوبية أو ماليزيا؟ هذه الدول التي بدأت نهضتها منذ ستين عاما -أي مع بدايتنا بعد انتهاء العصر الملكي- وأصبحت من دول العالم الأول الآن، تسيطر على هذا الشخص فكرة غريبة وهي أن إزاحة السيسي والجيش عن الحياة السياسية والاجتماعية ستفضي بنا إلى اقتتال طائفي دموي، وكأنه ينقل لنا صورة للجيش مفادها أنه إما يحكم المجلس العسكري وإما يقصر في عمله في مواجهة الإرهاب ويتركه يعم أرجاء البلاد!

المؤيد الكاره للإخوان

وهو شخص لا يكره في حياته أكثر من جماعة الإخوان المسلمين – وهذا بفعل الإعلام- ويراهم مصدرًا لكل الشرور التي تحيط بنا، وهوايته المفضلة هي إلصاق أية تهمة عابرة بهم، وما زالت الفرحة والسعادة من إزاحتهم عن الحكم تملأ جوفه حتي الآن وتعطيه دافعًا قويًا وأرضية ثابتة ينطلق منها ليبرر مصائب النظام.

المؤيد الانتهازي

وهو شخص متاجر بالأحداث، يستغل حدوث وقائع إرهابية ليسارع في إلصاقها بالمعارضين – وهذا أيضًا بفعل الإعلام- والساخطين على النظام، حتى يزداد هو يقينًا أن النظام الذي يهلل له ليل نهار يسير على الطريق الصحيح، ويعمل جاهدًا على حمايته من الخونة والأشرار، وكثيرًا ما يربط هذا الشخص، في مغالطة منطقية ساذجة، بين السخط على سياسة الحكم ومحاباة العمليات الإرهابية!

المؤيد الفاسد

شخص وجد في نظام مبارك مناخًا مناسبًا، وتربة خصبة يستطيع العيش فيها، ويقدر على جني الأموال الطائلة، والوصول إلى المناصب العليا، والحصول على مراكز سلطة ونفوذ في ظلها، وقد وجد ضالته في النظام الحالي الذي يسعى جاهدًا لإرجاع الفاسدين إبان حكم مبارك كإبراهيم محلب أو عادل السعيد رئيس جهاز الكسب غير المشروع أو عاطف عبد الحميد محافظ القاهرة الجديد إلى الساحة السياسية مرة أخرى، فنرى محمد الأمين وأحمد بهجت ومحمد أبو العينين يؤيدون السيسي ونظامه بكل ما أتوا من منابر إعلامية، حتى يصلوا إلى ما يرنون إليه.

المؤيد المثقف

هو شخص مطّلع على جميع الأحداث، ومتابع لكل الأصعدة، ولكنه يتميز بخاصية ليست موجودة عند أيٍّ من الأنواع السابقة، وهي «القدرة الانتقائية»، فهذا الشخص يستطيع اختيار ما يعجبه من الأحداث وتصديقها، وكذلك يستطيع تكذيب ما لا يراه مناسبًا واعتباره إشاعة مغرضة ابتدعها المتربصون بمصر وهدفها إسقاطنا! هذا الشخص يستخدم أسلوبًا ذكيًا جدًا في تبريراته وهو أسلوب قائم على المقولة الشهيرة «إذا أردت أن يصدق الناس كذبك، امزج معه بعض الحقائق«، فهو دائمًا ما يكون غير محايد وغير موضوعي، وهذا إذا افترضنا حسن النية ولم نفترض تعمده الكذب واجتزاء الحقيقة، حيث إنه كثيرًا ما يقارن بين حال الدولة وحال دول العالم الأخرى، وعندما يقوم النظام بأي إجراء يعطينا على الفور أمثلة لدول متقدمة قامت بهذا ونجحت، ولكنه يخفي أو ينسى -لا أعلم- الكثير من التفاصيل والإحداثيات المصاحبة لهذا التصرف الذي يكون بعيدًا كل البعد عما يقوم به السيسي هنا، فيشعرك وكأن النظام الحاكم يناطح أنظمة الحكم في جميع الدول الراقية، لكن ادعاءات هذا الشخص وترهاته لا تصمد كثيرًا؛ لأن الواقع يكذبها جملة ويثبت أنها مجرد أحلام يقظة.

هذه الشخصيات ليست مجرد أناس مختلفة في الآراء والتوجهات فقط، ولو كان لهان، بل هم شريحة يستند إليها النظام ويستمد منها قوته التي يبطش بها بمن يريد، ويظلم ويسرق ويقتل بمقتضى تأييدها له، هؤلاء يقترفون جرمًا كبيرًا – بقصد أو بغير قصد – بتأييدهم لهذا الحكم العسكري الفاشل، فهم يتسببون في معاناة كثير من الأسر والأهالي التي تفتقد أخًا قتيلاً أو أبًا معتقلاً، أو تتألم لعدم قدرتها على إطعام نفسها أو علاج ذويها، هؤلاء هم من كان يقصدهم جورج أورويل عندما قال: «الشعب الذي ينتخب الفاسدين، لا يعتبر ضحية بل شريكًا في الجريمة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد