ينطلق عالم السياسة الإنجليزي باري بوزان رائد مدرسة كوبنهاجن للدراسات الأمنية من مفهوم موسع لفهوم الأمن والتهديد، حيث يحوّل مفهوم الأمن من المفهوم الصلب (تهديد عسكري نووي) إلى مفاهيم أخرى، لربما أكثر أهمية حسبه وحسب رواد مدرسة كوبنهاجن للأمن منهم زميله أولي ويفر الذي يُشاركه هذا الكتاب.

تتمثل المفاهيم الأكثر أهمية والموسَّعة والتي تم استحداثها كقطاعات جديدة ومرجعية لتحليل مفهوم التهديد والأمن في: الأمن الغذائي، الأمن الثقافي، والأمن الاجتماعي، والأمن الصحي، والأمن البيئي، ومن ثم الأمن الإنساني.. كمفهوم شامل للأمن يتضمن جميع القطاعات، والتي تبنته منظمات دولية مثل: «منظمة حقوق الإنسان (human rights organization)».

في مقالنا هذا سنعرج أكثر على علاقة (التهديد بالإهمال الصحي في الجزائر ) وكيف تصبح السياسات الصحية المنتهجة طيبة سنوات مصدر تهديد ولا أمن للمواطن الجزائر؟ وكيف نغير مفهوم الأمن والتهديد؟

إن الأمن الصِّحي أحد مرتكزات الاستثمار في رأس المال المعرفي، ومؤشر من مؤشرات التنمية المستدامة في الدولة الحديثة، ومدخل أساسي في تعزيز القدرات التي تملكها الحكومات من أجل الانتقال من الحاجة إلى الصحة كحق إلى الصحة كثقافة وسلوك يتحلى به المواطن، ويصبح الأمن الصحي موروثًا في المنظومة القيمية والاجتماعية، حيث تحدد المواثيق والإعلانات والبروتوكولات الدولية الحق في الصحة، وتكرسها الدساتير والتشريعات الوطنية، في جملة من التدابير الصحية من الرعاية والتكفل الصحي الجواري إلى الالتزام بشروط الصحة العامة، لكن مع كثرة المستجدات الصحية، خاصة في الدول ذات المنظومة الصحية الهشة، أصبح تكريس هذا الحق بحملة من الضمانات تتطلب الاستجابة السريعة والمتكيّفة لهذه التحديات الصّحية الاستثنائية.

 تُعتبر المنظومة الصحية وطنيًا من تجليات تقييم عمل الحكومة والنظام، وإن صح القول أعلى مراتب التقييم، لأنها منظومة تأثر جديًا على حياة الأشخاص والمواطنين، وتتشابه أكثر مع المنظومة العسكرية التي بدورها تحمي حياة الأشخاص، فمن غير المعقول ما نراه في العالم العربي عامة، والجزائر خاصة، أن ميزانية المنظومات العسكرية تعادل ثلاثة أرباع ميزانية المنظومة الصحية، التي أصبح تدهورها يُؤثر تأثيرًا لابأس به في حياة أشخاص أكثر من تأثيرات الحروب المباشرة وغير المباشرة.

وفي حقيقة الأمر الأمن الصحي في الجزائر مهدد لسلامة الأفراد قبل الجائحة التي حلَّت بالعالم، وجرت الإشارة إلى ذلك في العديد من المقالات، والمجلات، والكتب، والدوريات، والإحصائيات، قبل ذلك بسنوات، ودُقَّ ناقوس الخطر من عدد من خبراء السياسية الصحية في الجزائر، ومن منظمات دولية، لذلك نتأسف من بعض النخب التي تعمم المنظومة الوطنية وفشلها على المنظومات العالمية وتربط ذلك بالجائحة وفقط.. وبذلك تخلق مجموعة من التبريرات الوهمية لفشل السياسة الصحية في الجزائر. متجاهلين أن الفشل نتيجة لتراكمات سنونية وعقدية، وليست آنية.

 الأسباب المنطقية لفشل السياسة الصحية في الجزائر

  1. منذ تولي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كانت هناك مبادرات جلية لإنجازات وبنى تحتية في المجال الصحي لا بأس بها ولم يسبق لها مثيل في الجزائر، لكنه كان عمل عشوائي دون سياسات تذكر ودون إرادة لتطوير المنظومة معرفيًا، ونقصد – بالمعرفية – سياسية نظامية صحية متكاملة بروتوكوليًا خاضعة لرقابة قانونية ودستورية وبرلمانية وتشارك فيها قوى المجتمع المدني أيضًا.
  2. لقد كانت هذه الإنجازات الهيكلية عبارة عن إثبات وجود للنظام رمزيًا، وليس قيميًا، أو بعبارة أخرى شراء للسلم الاجتماعي. وترضية المجتمع المدني والرأي العام الجزائري، خصوصًا في ظل ما كان يسمى بالبحبوحة المالية.
  3. لم تبن المنظومة الصحية في الجزائر على سياسية المعرفة والبحث العلمي، بل بُنيت على الاستيراد، ويتمثل هذا الاستيراد في خلق منظومة صحيّة مستهلكة، وليست منتجة، ويتمثل الإنتاج في البحث العلمي بالدرجة الأولى.
  4. الميزانية الرديئة التي تولَّى للمنظومة الصحية مقارنة بوزارات أخرى، والتي لا ترقى إلى مجال البحث العلمي والتكنولوجي في مجال الطب والصيدلة.
  5. منذ سنة أعلن وزير العدل زغماتي أن هناك أكثر 250 قضية فساد واختلاس على مستوى كبرى المستشفيات الجامعية في الجزائر، وهي عبارة عن مشاريع وهمية غير موجودة، إزاء إسهال قانوني وغياب أية رقابة.
  6. عدم وجود إرادة سياسية حقيقية من صناع القرار منذ فترة بوتفليقة في تطوير المنظومات عامة والمنظومة الصحية خاصة وتمثل ذلك كما ذكرنا سلفا في بنى تحتية جامدة دون فعالية.
  7. أزمة شرعية النظام والوزارات وكدى سيادتها في تسير القطاعات الحساسة.

 كورونا أفاضت الكأس

بالرغم من فشل المنظومة من قبل إلا أن أزمة الكورونا أبانت أمورًا خطيرة على مستوى المستشفيات أبسطها أزمة عدم توفر قارورات الأكسجين. فحتى الساعة الراهنة تتزايد عدد الوفيات في جميع مستشفيات الجزائر بسبب عدم وجود معدات الأكسجين اللازمة؛ مما أدى ذلك إلى تكافل اجتماعي وخير بين المواطنين، حيث أصبح المواطن الجزائر البسيط هو من يمد يد العون لأفضل منظومة صحية في أفريقيا «حسب تصريح رئيس الجمهورية» السنة الماضية، حيث تجمع مبالغ من قبل المواطنين في الداخل والخارج، في صمت رهيب من قبل السلطات التي في المقابل تنظم كل موسم انتخابات تقدر خسارة تكالفيها 80 مليار سنتيم، في عزة الأزمة العالمية. وهنا نسأل السؤال الجوهري:

 على ماذا تقوم المنظومات الصحية للدول المتطورة؟

  • البنية التحتية الصحية بمتطلبات صحية عصرية ومتطورة.
  • إطار دستوري وتشريعي ضابط ومتكيف مع التهديدات الصحية المستجدة.
  • إرادة سياسية حقيقية من صانع القرار لتطوير المنظومة وفواعل صحية على قدر من الكفاءة على الصعيد البشري والمؤسساتي والجمعوي.
  •  عقد اجتماعي صحي قائم على منظومة قيمية واعية وملتزمة ومقدرة لمكانة الصحة في حياة الفرد، وأهمية اطارات الصحة في المجتمع.
  •  البحث العلمي والتطوير والوقاية ونظم طوارئ صحية وفق منظومة تكنولوجية ومعلوماتية حديثة ومتطورة.

 خاتمة.. كإجابة عن سؤال كيف تصبح الدولة مصدر تهديد لشعبها؟

 الإهمال الصِّحي من قبل الوزارة والمنظومة في مجمله هو تهديد مباشرة لحياة الأفراد أكثر من تهديد الإرهاب، أو جماعات الجريمة المنظمة.. حيث يُعتبر ضعف الصحة في الجزائر تهديد غير مباشرة لسلامة المواطن، تتحمل مسؤليته القوى المُؤَثِرة وليست القوى المُؤثَرَة من الشعب، تتحمل مسؤوليته السياسات الفاشلة طيلة عقود من الزمن.. والإشكال الأعظم أن الأخطاء تعاد وتكرر كل تغير حكومي دون أي محاولة تجديد أو تحديث او خلق نفس جديد.. وبذلك تعتبر حياة المواطن الجزائري في مجملها معرضة للخطر في أقرب غرفة علاج.

يتبع في الجزء الثاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد