كثيرًا ما نتفاجأ، حينما نسمع ما يحمله عنا الآخر، من أفكار مسبوقة تمثل عائقًا في سبيل تواصلنا وتآلفنا، وهذه الأفكار قد تفتقد الدقة والتحري، غير أنها تصبح بمنزلة اليقين الثابت والعقيدة الراسخة، وتحول بينك وبين الآخر، وتتساءل كيف تشكلت على تلك الشاكلة، وكيف صارت إلى ذلك النمط؟

هذا تعريف موجز للقالب النمطي الذي يمثل أحد خلفيات الإنسان والمجتمع، وحتى نفهم خطر القوالب النمطية فإن الإنسان الأعسر في أوروبا لم يحظ بقبول إلى وقت قريب، وكان يصنف صاحب إعاقة، ويمنع من دخول الكنيسة، وتغل يده اليسرى إلى الوراء، وبقي ذلك الاعتقاد أمدًا طويلًا، وظل يتوارث عبر حقب متعددة وأجيال متلاحقة، واحتاج الأعسر إلى وقت طويل حتى يسترجع حقوقه المدنية والدينية، وينظر إليه مثل أي شخص عادي.

عرفت المجتمعات الإنسانية أشكالًا متعددة من الصور النمطية، سواء في مستوى العرق أو اللون أو الجنس، يغلو القالب أو يقل في حدته وفق طبيعة الفئات البشرية وأمزجتها وأشربتها؛ فالإغريق القدامى كانوا يعدون كل الناس ما عداهم برابرة، والألمان كانوا يتباهون بعنصرهم الآري، وقاموا بمجازر تطهيرية، وظلت فكرة نقاوة السلالة تسيطر على الذهنية الألمانية ردحًا وحملتهم على التعصب، ولم يكن الإنجليز أقل تعصبًا؛ فمازالوا يفتخرون بعنصرهم السكسوني.

رغم الوحدة الأوروبية والمجتمعات المفتوحة، فإن خريطة أطلس الأفكار النمطية التي رسمها يانكو تزفتكوف تبين الفروق الشاسعة بين شعوب أوروبا وضآلة الأفكار التي يحملها كل شعب عن الآخر، فلو أخذنا خريطة أوروبا في نظر الفرنسيين لوجدنا قلة المعارف والأفكار، التي يحمل شعب فرنسا عن بقية شعوب إسبانيا؛ فلا يحمل عن إسبانيا سوى أنها بلد راقصي الفلامينغو.

تختلف معارف شعب عن الآخر وتؤثر كثير من العوامل في تبني أحد التصورات؛ فحينما ننظر إلى خريطة العالم في نظر الأمريكان، من كتاب الأطلس نفسه، نلحظ تأثير السياسة الأمريكية في قناعات الشعب الأمريكي وما يحمله عن شعوب العالم؛ فالشعب الأمريكي لا يعرف عن روسيا سوى أنها معقل الاشتراكية، ويتبادر إلى أذهان الأمريكان أن إسبانيا أمريكا اللاتينية، وكل ما يعرفه عن أفريقيا الوسطى أن الإيدز منتشر بها.

أما العالم في عيون الروس وتصوراتهم، تختلف عن أفكار نظرائهم الأمريكان ومعتقداتهم، ويختزلون معارفهم في شخصيات لمعت في ذلك البلد أو ارتبط اسمها باسمه، فالروس يختزلون إسبانيا في دون كيشوت، وهي الشخصية التي كتبها دي سرفانتس، ويقصرون كل معارفهم عن بريطانيا في شخصية إبرامافيتش الملياردير الذي يملك نادي تشلسي؛ فانطباعات الروسيين يؤثر فيها مفهوم الشخصية، ويربطون جملة معارفهم عن بلد ما بشخص، والتفسير الأقرب أن مفهوم الزعامة الذي ظهر مع ماركس ولينين كقادة اشتراكيين ما زال يلقي بظلاله على سليلة السوفياتية، على عكس الأمريكان.

تأثير السياسة على انطباعات الشعب الأمريكي تظهر في منطقة الشرق الأوسط؛ فكل ما يعرفونه عن أرض الحجاز أنها حاضنة الإرهاب، ولتقنع العالم بحروبها وتدخلاتها في البلدان، كانت الولايات المتحدة تصوغ قوالب نمطية حول شخصية مطلوبة أو جماعة مستهدفة؛ لتبرر تعسفها، وتعول كثيرًا على الإعلام في نشر الصورة التي تريد أن تعلق بالأذهان.

عرفنا أن الإعلام له دور في بث الأفكار والمصطلحات، ولكن كيف تنشأ الأفكار حتى تصبح بمنزلة اليقين الراسخ ومرتبة القول الملزم، لا شك أن التوكيد والتكرار يكفلان تلك المهمة؛ فإن تداول فكرة على مدار اليوم يؤدي إلى انطباعها حتى وإن لم يلتفت إليها المستمع؛ فهي ترسخ في لا وعيه، لو تأمل المشاهد أو المستمع لانتبه إلى مفردات وألفاظ تتكرر في نشرات الأخبار والصحف، فالصحافيون إذا تحدثوا عن تنظيم الدولة أردفوا كلمة الإسلامي، رغم اليقين أن تلك المنظمة لا تمت لكل ما هو إسلامي ولا تشبهه في شيء، وتظل تكرر مفردات من نمط الجهادي، التكفيري، الإخواني وكلها تدور حول فكرة يراد إيصالها، ولا يخفى على أحد ما في هذه المصطلحات من شبهة، لهذا حين تسوق الصحائف مثل تلك الأخبار حول أولئك الأشخاص، لا تكتفي بصفاتهم المدنية كبقية الشرائح «العلماني، الملحد»، بل تورد قوالب قصد تشويههم.

لو أن علمانيًّا وجهاديًّا كل منهما قتل شخصًا، واسم العلماني إدوارد واسم الجهادي أحمد، ستتعامل الصحف ووسائل الإعلام بازدواجية في نقل الخبر فتقول: إدوارد قتل شخصًا، أما عن أحمد ستقول: الجهادي أحمد قتل شخصًا.

إن شخصًا عربيًّا حينما يمشي في أوروبا يتعرض لمضايقات من أجل عباءته، وهندامه، ولحيته، والمضايقات تشمل كلا الجنسين اللذين توحي هيئتهما إلى جذورهما العربية أو الاسلامية؛ فالمرأة المختمرة تلقى العنت في تلك المجتمعات الأوروبية، وتخضع لمضايقات خانقة لا تحترم الحريات الشخصية، وليس الأمر يرجع لغرابة الزي العربي؛ فإننا نرى كل يوم أزياء أغرب منها يتهافت عليها الناس، وليس لقدمها؛ فإن مصممي الأزياء والموضة صاروا يعودون إلى كل ما قديم يحيونه، لكن قالبًا نمطيًّا تشكل حول المسلم وانطباعًا فاسدًا رسخ فصار كل ما يمت إلى الإسلام محل تتبع وإنكار وانتباذ، لماذا الهيئة دون غيرها؟

لأن الصورة أعلق بالذهن، فإذا سألك أحدهم من هو الإرهابي، أول ما يتبادر إلى ذهنك صورة الملتحي بثوبه العربي وطابعه المسلم، لهذا كانت جملة معارف الشعب الأمريكي عن المنطقة العربية أنها منطقة الجماعة الإرهابية «خريطة أطلس الأحكام».

قامت السلطة المحلية بمدينة تولوز الفرنسية برفع دعوى قضائية ضد أسرة، قد يبدو الخبر الذي أوردته الصحيفة البريطانية الإندبندنت خبرًا عاديًا حتى الآن، فالدعاوى القضائية تملأ الدنيا، ولكن سنتفاجأ حين نواصل قراءة الخبر فقد كانت الدعوى لأن الأسرة سمت مولودها الجديد جهاد! وفي المقال نفسه ولكن عن صحيفة أخرى تسمى التليجراف، وهي أيضًا بريطانية، تزعم أن اسم جهاد ارتبط في السنوات الأخيرة بمن أطلقت عليهم لقب المتطرفين الإسلاميين العنيفين.

ماذا أرادت إفهامنا إياه صحيفة الإندبندنت بجمعها بين الخبرين، أن المدينة الفرنسية محقة في صنيعها ومعذورة وفعلت كما فعل فرعون مع كل مولود إسرائيلي جديد، يشك أنه سيكون وبالًا عليه وجب التخلص منه، أم استنتجت هاته الصحيفة استنتاج أرسطو ؟

منذ متى كانت الأسماء تحيل إلى حقائق الأشخاص؟ وكيف لصحيفة لا تفرق بين اسم علم ومفهوم من مفاهيم الاسلام، يثق القارئ في حيادها، ثم أليس لكلمة الجهاد ترجمتها عند نظيرتها الإنجليزية، وتصبح fight وstruggle، ولا نجد معها الشبهة التي نجدها في نظيرتها العربية، ولا نظن أن لديهم فقهًا للغة حتى لا يعرفون من كلمة الجهاد إلا معناها الاصطلاحي، ويمكن الرجوع إلى الترجمات التي قام بها المستشرقون للآثار ولم يجشموا أنفسهم عناء التفريق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، وخبطوا في ترجمتها خبط عشواء، فإبقاؤهم لفظ الجهاد قصده التشويه لا غير.

ولقد بلغ الفرنسيون شأوًا بعيدًا في الحاكمية، وصاروا يعترضون على الأسماء ويمنعونها، وربما من أكثر البلدان حساسية من الجهاد، وترى في دول شمال أفريقيا الممول الأول للجهاديين، كما كان الإغريق القدامى يرونه سوقًا للعبيد، إن أكثر فكرة يخافها الفرنسيون أن تتوثب فكرة الجهاد في ذهنية المسلم؛ لهذا يسعون بضرب قيمه ومبادئه، وقد صرح السفير الفرنسي بتونس أن تونس أكبر ممول للجهاديين، لكننا نجده يمشي آمنًا مطمئنًا في تونس، وكل مناسبة لا يكون فيها السفير الفرنسي موجودًا تعد ناقصة!

قد يبدو من الاستحالة أن شعبًا برمته يحمل الفكرة نفسها عمن يخالفه من الشعوب أو الطوائف، ولكن الفرد مجبور على أن يمتزج في روح المجموعة حتى لا يبدو شاذًا، وكثير من الأشخاص يقبلون أن يناقضوا الحق على أن يفقدوا وجودهم وسط الجماعة.

فالمجموعة تؤثر في الفرد، خاصة إذا كانت ذات نفوذ وسلطة؛ فالطبقات الأرستقراطية عبر التاريخ هي التي توجه الأفكار، وكما قيل تختار دين شعبها، و تلقى أفكارها رواجًا، كما هو الحال بالنسبة لأشراف قريش حينما احتاروا بين السحر والشعر؛ كفكرة مثلي يروجون بها ليصرفوا بها الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أشار عليهم الوليد ابن المغيرة بالسحر ما لبث أن شاعت تلك الكذبة «الفكرة» بين غوغاء الناس وعامتهم.

إن فكرة ما تحتاج إلى سنوات لترسخ وتحتاج المدة نفسها لتنتزع، وقد لا يتحقق ذلك إلا بعد أن تفضي إلى مآسٍ وتهدر دماء؛ لهذا فالإنسان حري به ألا يقبل أي فكرة قبل أن يقلبها على وجوهها مهما كان مصدرها ومنبعها؛ لهذا دعانا الإسلام إلى التثبت في تلقي الأنباء وحرص على شهادة الأشخاص في الشؤون كلها؛ لأن خالق الوجود يعلم أن أناسًا سيَضلون ويُضلون غيرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Atlas des prejuges Yanko tsvetkov
الآراء و المعتقدات غوستاف لوبون
عرض التعليقات
تحميل المزيد