إن هواة القراءة وخاصة فن الرواية كثيرًا ما يصطدمون بهذا النوع من الكتاب، كتاب الرواية الواحدة، أو رواية اللاروائيين إذا ما اعتبرنا كتابة الرواية حرفة. وهذا يقودنا إلى التساؤل إذا كانت الرواية حرفة، وإذا كان كتابها أصحاب مهنة، مهنة تقوم على أسس كثيرة كالإبداع وسعة الثقافة والتعمق في العالم المحيط والقدرة على قراءة بواطن الأمور التي تحيط بالواقع. فهذا يقودنا للتساؤل عن هوية هؤلاء الذين يخرجون علينا برواية واحدة ثم يختفون!

 

في البداية قبل أن نتكلم عن كُتّاب الرواية الواحدة يجب أن نعرف أولًا ما هو مفهوم الرواية. الروايةُ كما وصفها عدد من الروائيين، هي الفنُّ الذي يُوفِّقُ ما بين شغف الإنسان بالحقائق وحنينه الدائم إلى الخيال. ومع ظهور فن الرواية كجنس أدبي جديد ومؤثر في أوروبا في القرن الثامن عشر وإلى الآن فإن مراحل عديدة من التطور والتشعبات لحقت بهذا الفن الروائي. وصار كل روائي الآن يتشبث بمدرسة أو بتخصص روائي يميز أعماله، فعرفت آجاثا كريستي بكونها روائية بوليسية، كما عرف جابرييل جارثيا ماركيز بأنه رائد الواقعية السحرية في العالم، وألبرتوا مورافيا بروايته الفلسفية الإيروتيكية.

وبات من الطبيعي أيضًا أن يصنف بعض الكتاب بوصفهم من كتاب المبيعات العالية Best Sellers وهي في الغالب الأعم تكون كتبًا موجهة عن قصد أو دون قصد لفئة الشباب أو المراهقين أمثال دان براون أو ج. ك رولين صاحبة السلسلة الشهيرة هاري بوتر، وقد وصل هذا التصنيف إلى عالمنا العربي وأصبح هناك كتاب مصنفون ضمن مدرسة Best Sellers أيضًا مثل أحمد مراد وأحلام مستغانمي. وتدخل كتب الرواية الواحدة – الناجح منها بالطبع – ضمن خانة الكتب الأعلى مبيعًا في معظم مكتبات العالم.

الرواية الواحدة والسيرة الذاتية ما الفرق؟

إن مسألة التفريق بين الرواية الواحدة والسيرة الذاتية مسألة شائكة، ما دامت الرواية بحد ذاتها قالبًا متمددًا يستوعب كل أشكال الكتابة، لكن السيرة الذاتية والتي تُعرّف بأنها حكْيٌ استعاديٌ نثريٌ، يَتسم بالتماسك والتسلسل في سرد الأحداث، يقوم به شخص واقعي عن وجودِهِ الخاص، وذلك عندما يُركِّزُ على حياته الفردية وعلى تاريخِ شخصيته بصفة خاصة. ولا يتضح للقارئ الذي يقلب صفحات الكتاب الفارق بين أن يكون هذا العمل رواية أو سيرة ذاتية إلا حينما يصرح الكاتب نفسه بذلك ويؤكد أن ما يخطه هو سيرته الذاتية أو سيرة شخص ما. وهنا يهيئ القارئ عقله وفكره لأن كل ما يقرؤه هو الحقيقة ولا يستسيغ عقل القارئ إمكانية الكاتب إضفاء بعض اللمسات الإبداعية أو التخيلية عن سيرته لأنه في هذه الحال تُصنف كل هذه الشطحات في خانة الكذب من قبل الكاتب على جمهوره.

الرواية الواحدة

إن معظم الروايات الواحدة تدخل في إطار روايات السيرة الذاتية، وهي تلك الروايات التي تحكي عن معاناة كُتابها في حياتهم، وفي الغالب ما يكون هؤلاء الكتاب ضحايا للثورات والتغيرات الاجتماعية كالكاتبة الإيرانية آذر نفيسي في روايتها (أن تقرأ لوليتا في طهران)، والتي تحكي فيها عن تجربتها بعد الثورة الإيرانية وظهور رجال الدين حكامًا جددًا، وما قابلها من مشاكل كأستاذة للأدب الإنجليزي في الجامعة بطهران، نفس الشيء مع مارينا نعمت في روايتها (سجينة طهران) والتي تواصل على نهج نفيسي حكاية تجربتها في إيران كفتاة مسيحية في ظل الثورة الإسلامية وما رأته من ظلم وتعسف ديني في سجون وطنها الذي أصبح غريبًا عنها بعد الثورة.

 

صحيح أن الكاتبتين قامتا بنشر عمل أو اثنين آخرين إلا أنهما لم يلفتا الانتباه كالعملين الرئيسين النابعين من سيرتهما، مما يصنفهما في خانة كتاب الرواية الواحدة.

 

تجربة أخرى لكن في سيراليون هذه المرة، رواية إشمائيل بيه (الطريق الطويل: مذكرات صبي مجند)، والتي يحكي فيها الصبي عن تجربته مع الحرب الأهلية في سيراليون وكيف تحول هذا الطفل البريء إلى قاتل متعصب في قضية لم يكن يملك فيها ناقة أو جملًا منذ بدايتها وحتى نهايتها، يحكي إشمائيل بيه بمهارة روائي محنك ظروفه خلال فترة الحرب الأهلية وفقدانه كل عائلته وأصدقائه خلال أعوام الحرب وحتى نجاحه في الهرب من جحيم المعارك إلى الولايات المتحدة ليبدأ حياته الجديدة هناك.

 

مكان آخر ومحنة أخرى تلك التي عاشتها مليكة أوفقير في روايتها (السجينة)، وهي ابنة الجنرال أوفقير الذي قاد انقلابًا فاشلًا على الملك الحسن الثاني ملك المغرب، لينتحر بعدها، وتعاني من بعده أسرته جراء فعلته، فتسجن مليكة مع أمها وإخوتها في سجون الصحراء الكبرى لأكثر من خمسة عشر عامًا.

وفي فلسطين المحتلة تحكي أيضًا سوزان أبو الهوى عن محنة اللاجئين في روايتها (Mornings In Jenin)، والتي ترجمت إلى العربية تحت عنوان (بينما ينام العالم)، ونجحت سوزان في تجسيد حياة الفلسطينيين قبل وبعد الاحتلال وأوضاع اللاجئين في المخيمات بصورة روائية رائعة.

نوع آخر من الروايات الواحدة، تلك الروايات التي كتبت على يد روائيين محترفين، لكنها ولظروف مختلفة كتب لها أن تكون روايتهم الوحيدة. (بيدرو بارامو) الرواية الوحيدة لخوان رولفو والتي تدور أحداثها في إحدى القرى المكسيكية، يحكي فيها البطل خوان على لسانه والذي يتجه إلى قرية كومالا حسب وصية والدته المحتضرة زوجة بيدرو بارامو ليأخذ حقها وكانت قد تخلت عنه وهجرته إلى بيت أختها منتظرة أن يستدعيها في يوم ما لكنه لم يفعل. يقول ماركيز عن هذه الرواية لم أستطع النوم حتى أنهيتها مرتين، لقد صدمتني هذه الرواية، وفتحت الباب أمامي مشرعًا نحو الواقعية السحرية. وعلى الرغم من أن خوان رولفو عاش كثيرًا بعد نجاح هذه الرواية إلا أنه لم يجدد تجربة الكتابة مرة أخرى!

 

نفس الشيء كان مع ج.د سالنجر في روايته (الحارس في حقل الشوفان)، إذ اعتبرت هذه الرواية بداية وأنموذجًا للكتابات التي عرفت فيما بعد بكتابات الغاضبين. ولقد عبر جيل الرفض في أمريكا عن تبنيه لهذه الرواية حين رفع شعار “كلنا هولدن كولفيلد”، وهو اسم بطل هذه الرواية. لم يكرر ج.د سالنجر تجربة الكتابة رغم نجاح روايته الوحيدة إذ وصلت مبيعاتها لأكثر من مليون نسخة، وفَضّل عن كل هذا أن يعيش منعزلًا عن العالم كما كان يحلم بطل روايته هولدن كولفيلد، حتى وافته المنية في عام 2010 أي بعد أكثر من 60 عامًا على نشر روايته الوحيدة.

 

 

فيما يلي قائمة بأهم الروايات الواحدة لكتابها:

  • بيدرو بارامو (خوان رولفو).
  • الحارس في حقل الشوفان (ج . د سالنجر).
  • أن تقتل طائرًا محاكيًا (هاربر لي).
  • بجعات برية (يونج تشانج).
  • السجينة (مليكة أوفقير).
  • بينما ينام العالم (سوزان أبو الهوى).
  • الطريق الطويل: مذكرات صبي مجند (إشمائيل بيه).
  • سجينة طهران (مارينا نعمت).
  • أن تقرأ لوليتا في طهران (آذر نفيسي).
  • صورة دوريان جراي (أوسكار وايلد).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد