في اللحظة الأولى من أي خطاب يتلوه المشير السيسي قائد الانقلاب العسكري، يتبادر إلى ذهني أنه يستعطف الناس بخطابه، وعندما أتذكر أولى كلماته في خطاب عزله للدكتور محمد مرسي “لم يجد الشعب من يحنو عليه”.

يمكن للجميع أن يكذب، ولكن لا يمكن للجميع أن يصدق.

لم يجد الشعب من يحنو عليه:

ربما العبارة صحيحة بل بالفعل هي العبارة التي أشك أنه لا خلاف عليها في جميع خطابات السيسي!

إذ أن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه، ولكن السؤال لماذا لم يجد من يحنو عليه؟

في الواقع أن هذا الشعب أحد شعوب العالم الثالث المسكينة، التي ليس بينها وبين حكامها أي ود.

إن هذا الشعب هو الحقيقة الوحيدة في وسط عالم يملؤه الكذب والخداع والزيف، فالإعلام – وأشدد على الإعلام – يعيش في برجه العاجي، وهنا أعني إعلام السلطة وإعلام معارضي السلطة على حد سواء. كل أكاذيب الإعلام تدور حول صانعيه، لا شيء يدور حول الشعب.

منذ قديم الأزل وفكرة وجود الشعب المصري ارتبطت برغبات الفرعون، فالفرعون لا يهمه أن يقضي ٢٠ سنة من عمر البلاد في بناء هرم أغلب الشعب لا يرى له قيمة! (أتحدث هنا بمنظور ذلك الشعب الذي عاش منذ ٧ آلاف عام، والذي استخدم الآلاف منه لبناء الأهرام لمدة ٢٠عامًا، ومنهم من مات قبل اكتماله). منذ البداية – وإن اتفقنا على قيمة الأهرام تاريخيًا وحضاريًا – فإن هذه الأهرام لم تَدر حول الشعب بل دارت حول الفرعون!

سنشهد بعدها بمدة ليست بقصيرة اختفاء العنصر المصري من تركيبة الحكم؛ ليحل مكانه (فارسي- إغريقي- روماني- بيزنطي- عربي- تركي) أيا كان هذا العنصر، ولكن الشاهد أن العنصر المصري المتمثل في الفراعنة اختفى – وإن اختلفنا مع الفراعنة من حيث مبدأ الاهتمام بالشعب – فالطبيعي أن يكون رأس هذا الشعب لا يعرف عنه شيئًا. من هنا أصبح الشعب المصري “مجهولاً” لا يعرفه أحد من حكامه.
الشعب المصري في مرآة ما بعد ٥٢:

في الواقع أن الشعب في بدايات انقلاب ٥٢ لم يشعر بأي فارق، بل ربما بدأ التأقلم مع استبدال الضباط الأحرار بالباشوات. فوفق مذكرات الرئيس الراحل محمد نجيب قام الضباط الأحرار بخلع الباشوات من القصور؛ ليقيموا مكانهم في هذه القصور!

بل ربما سيسوء الوضع الاقتصادي ولكن لا أحد يلاحظ إذ أن الإعلام الوحيد في الدولة يقول أن ثمة ثورة صناعية، وإمبراطورية اقتصادية ضخمة بمصر بقيادة “الزعيم” عبد الناصر. ومن هنا بدأ استخدام مصطلح الزعيم وهو مصطلح مستورد من البلاشفة السوفيت حيث كان يلقب ستالين “الطاغية” بالقائد، بل ربما يكون ستالين نفسه قلد نده السابق أدولف هتلر في لقبه الفوهرر أو ماسوليني أو الجنرال فرانكو! ما يهم هنا أن ثقافة القائد وإن بدت في أول الأمر تختلف عن ثقافة “الملك ولي النعم” أو الفرعون “الذي تجري من تحته الأنهار”، ولكنها بداية تربية جديدة أن هذا الشعب الذي لا يعرفه ولا يعترف به أحد سيكون ابنًا وأخًا أصغر للقائد الزعيم، وربما بعدها بفترة قصيرة ستبدأ الدعاية الخفية في الإعلام وفي الأناشيد الوطنية وفي الأفلام – حتى الكوميدي منها – أن هذا الشعب ينتمي للقائد والقائد ينتمي للشعب. لقد صنع جمال عبد الناصر زعامة مزيفة، ولكنه في حقيقة الأمر لعب بإتقان فأول خطوات التملك في مصر أن تعترف بالشعب.

يأتي بعدها السادات بصورة “الرئيس المؤمن” وهنا يعصف السادات بتيار الاشتراكية والشيوعية التي كانت تحوم في فلك الاشتراكية؛ ليقدم للشعب صورة “الأب”. فما زلنا في سياسة القائد ولكن السادات نجح بلغته البسيطة وكلامه المعسول، وحتى في صورته “السمراء” مع علامة “السجود” في جبينه، مع صوره وهو يرتدي العباءة كما يرتديها أي مواطن عادي، في إقناع الشعب المصري أنه والده الذي يخاف عليه ويهتم به، حتى ولو كان هذا الزعم زائفًا. إذ أن ثورة الخبز التي ستحدث وبداية حالة التقلب المزاجي للشعب؛ بسبب غلاء الأسعار وارتفاع معدل البطالة مع بداية سياسة الرأسمالية كل هذه الظواهر ستثبت أنه لم يعترف بالشعب يومًا، فها هو يقمع ثورة الخبز ويعتقل الطلاب وفي عهده ازداد الغنيُّ غنىً والفقير فقرًا!
يأتي بعدها مبارك فلا هو كان الأب القائد ولا كان الزعيم! بل كان أكثر من أنكر الشعب.
ربما يتبادر لذهنك صورة الشاب البورسعيدي الذي حاول مصافحة مبارك وانتهى به الأمر قتيلاً، وربما يأتي إلى ذهنك الخصخصة وبيع الشعب – بكل ما تحمله كلمة البيع – لرجال الأعمال أو لكل من يرغب بالشراء من رجاله.
ومن بعد مبارك تعصف الأقدار بالشعب المسكين، وتلقيه في أيدي مجلس عسكري لا يفقه عن أمور الإدارة شيئًا.

ربما لم يشعر الشعب بالتغيير بين فترة مبارك والمجلس العسكري بل ربما زادت الأزمات – سواء كانت مصطنعة أو حقيقية – فهذه الأزمات خلقت نوعًا من كره الثورة لدى الشعب البسيط، وهنا أعني الطبقة غير المسيسة.
ومن بعده يأتي مرسي؛ قد يبدو للوهلة الأولى مصلحًا حقيقيًا، ولكن في الوقت الذي كانت مصر تبحث فيه عن قائد ثوري، جاءها مصلحٌ روتينيٌ. وهنا حدث التصادم بين الدولة العميقة المستفيدة من حالة اللادولة وبين رجل يرغب في الإصلاح لهذه المؤسسات العقيمة، ومن بعدها تأتي أشهر فترة خداع في تاريخ الشعب المصري.

دولة الأوهام:

ربما يسمي البعض عهد مرسي (السنة إلا قليلًا) بدولة الإخوان، ولكن إذا كان من حقي أن أحكم على عهد السيسي أو عهد انقلاب السيسي، الذي قضى عليه قرابة العام والنصف فسأسميه دولة الأوهام.

فهذا السيسي معجب حتى الثمالة بفكرة الفنكوش ويريد خلق بطولات أسطورية من العدم على حساب هذا الشعب المجهول.

ربما خفي عن السيسي أن أغلب الشعب الذي أصابته دولة مبارك بفيروس سي، والأمراض التي لم نكن نسمع عنها من قبل مثل: الإيدز والسرطانات، يتشوق ويتمنى أن يصبح في يوم من ليلته ليجد علاجًا سحريًا لأمراضه وبناءً عليه قامت دولة الأوهام باختراع الكفتة، والذي إن ثبتت صحة نظريته العلمية، فلا يوجد أي أمل لدولة العسكر أن تنجزه.

ربما عمد السيسي إلى التلاعب بأحلام المصريين في مشروع المليون شقة سكنية، متخذًا من مبارك قدوة له في التلاعب بعقول الناس عبر مشروع توشكى!
ومن فرط عشق السيسي لعبد الناصر توجه لفكرة محور قناة السويس الجديدة، والتي ربما تبدو للوهلة الأولى إنجازًا عملاقًا. إنْ تغاضينا أنها كانت أحد مشاريع مرسي، وأن دولة الفنكوش لا تمتلك هذه الأموال الضخمة حتى تنفق عليه!

ربما يتساءل بعض أولي العقل، أين تذهب أموال الخليج المهدرة على السيسي؟

والتي فيما يبدو لو أن هذا “الرز” توقف عن التدفق في جيوب السيسي؛ ستغرق مصر في حالة من الإفلاس، فربما يتناسى البعض أن البنك المركزي لازال في حالة عجز موازنة، وربما يتناسون أن مصر في حالة أشبه بالإفلاس المؤجل إلى أن ينفد الرز!

وأخيرًا يأتي أكبر فنكوش “عاصمة مصر الجديدة” والمؤتمر الاقتصادي.

وفي نقطة المؤتمر الاقتصادي دعني أخبرك سيادة الجنرال أن الدولة المستدينة أو المقترضة أو المستجدية أو أيا ما كان ما تسميه، لن تنهض أبدًا. ففي الوقت الذي يقبض مانحوها أياديهم المبسوطة لك ستجد الخواء!

وبالنسبة للعاصمة الجديدة فيا سيادة الجنرال المسؤول سابقًا عن المخابرات الحربية، إذا لم يصل لمسامعك أن الإمارات انتهت من برج خليفة في سبع سنوات، وإذ أنه برج واحد، فكيف يفترض منها أن تنتهي من أكبر حديقة في العالم، وأطول برج في أفريقيا، وحديقة ألعاب “ملاهٍ” أكبر من ديزني لاند أربع مرات في مدة أقل من خمس سنوات!

سيدي الجنرال أنت لا تبيع الأوهام للمصريين، بل أنت تبيع لهم الرماد. ففي الوقت الذي يسف فيه المصريون التراب من إدارتك الاقتصادية المزرية للبلاد لا أتوقع منهم أن يهتموا لهراء ملاهٍ أكبر من ديزني لاند! يا أيها الجنرال هذا الشعب الذي لا أحد فيكم يعرفه، لا يعرف شيئًا عن سنغافورة، ولا يكترث أصلاً لأطول برج في أفريقيا! هذا الشعب يهتم لأفضل مستشفى في العالم، وأرخص أسعار للمنتجات الغذائية في العالم، وأطول شبكة غاز طبيعي لتغطية البيوت، وأفضل شبكة صرف صحي تحت البيوت.

هذا الشعب الذي لا تعرفه يعيش أغلبه في العشوائيات، التي تريد هدمها والتخلص منها لإنشاء مدينتك الوهمية!

يا أيها السادة الرؤساء، دعوا هذا الشعب ولا تعبثوا بعقله فهذا الشعب لا أحد منكم يعرفه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد