إرث قديم تتنازع عليه دول المشرق والمغرب، وقطعة من الأرض كُتب عنها العديد من القصص، قصص حروب وأنبياء وصراع أديان وثقافات، قصص بابل والفراعنة والسومريين وقصص صراع بني إسرائيل مع الكنعانيين، يسكنه شعب يرضخ لأي غازٍ بل ويرحب به، شعب بلا راية، وإن كانت له راية فهي راية حاكميه الغرباء عنه، لذا تتسابق عليه قوى النفوذ، فأي منها ستنال نصيب الأسد من أرضه؟

هكذا كان كل من الروم والفرس يرون الشرق الأوسط قبل ميلاد الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – حتى أذن الله لنبيّه وصحابة نبيّه أن يبسطوا نفوذهم على المنطقة. ومنذ عهد بابل والفراعنة ها هي تلك المنطقة تعود لتُحكم بواسطة أبنائها لا بواسطة غزاة قد أتوا من أقصى الأرض. كان ذلك بمثابة ميلاد جديد لشعب الشرق الأوسط، وكذلك ميلاد نظام سياسيّ جديد لم يعرف العالم له نظيرًا قبل.

عرف ذلك النظام حينها باسم الخلافة الإسلامية أو الدولة الإسلامية، وقد اتسم هذا النظام بمبدأ جدير بالإعجاب حقًّا، ألا وهو مبدأ الشورى، وفي وقت كان يغرق العالم فيه في غياهب الملكية والتوريث، أخذ هذا النظام الجديد يطوّر من فهمه لمبدأ الشورى، فها هو الخليفة عمر بن الخطاب يطرح لشعبه ستة أسماء مرشّحين لخلافته، وها هم أهل المدينة ينتخبون حكّامهم، مشهدٌ مهيبٌ حقًّا، وكأن ديمقراطية أثينا قد وجدت طريقًا للعودة للحياة بعد موتٍ طال أمده.

لم تقف الدولة الإسلامية عند ذلك الحد، فأخذت تكفل حرية الأديان وتؤمّن أهل الذمة على أموالهم وكنائسهم في وقت كانت الكنيسة الكاثوليكية في روما تبتكر أنواعًا من الساديّة على الأرثوذكس في مصر وبلاد أخرى، وجدير بالذكر أن الكنيسة الأرثوذكسية مارست سادية مشابهة تجاه معارضي مجمع نيقية كالآريوسيين وغيرهم وسمّتهم بالمهرطقين، لذا فإن حرية الأديان كانت بدعة في ذلك الوقت أتى بها ذلك النظام الشرق الأوسطيّ الجديد.

و كانت الدولة الإسلامية تسمح لجميع من يعيش داخلها بأن يندمج فيها، حتى إن بعضًا من أهالي العراق ومصر لم يترددوا في تقرير مصير الدولة حين انضموا للمتمردين ضد عثمان بن عفان، كان المتوقع حينها أن يستدعي عثمان – رضي الله عنه – جيش معاوية ليسحق ذلك التمرد الأرعن، ولكن الخليفة لم يرد للدماء أن تُراق، حوصر بيت الخليفة وساق المتمردون إليه الاتهامات وفي مشهد أشبه بمحاكمة ثورية هزليّة كتلك التي حدثت لاحقًا في أوروبا إبّان الثورة الفرنسية، قرر المتمردون قتل الخليفة الراشد في منزله وأمام ناظريْ زوجته.

لقد أعطى الخليفة عثمان قدرًا مبالغًا فيه من التسامح حين لم يسحق التمرد، فقد آذنت تلك الحادثة ببداية سقوط ذلك النظام الذي قد قارب الكمال، فاندلعت الفتنة ووقعت موقعة الجمل وتعرض النظام لأول وعكة ألا وهي وضع حد للخلافة الراشدة وبداية عصر الدولة الأموية

لولا ذلك لاستمر تطوير مبدأ الشورى ولوصلت الخلافة الراشدة لأبعد ما وصلت إليه الديمقراطيات الحديثة اليوم في غضون قرن أو قرنين من الزمان، وكان ذلك سيوفّر على البشريّة شوطًا كبيرًا تجاه إرساء مبادئ الحرية والكرامة الإنسانية.

و بالرغم من انتهاء الخلافة الراشدة، إلا أننا شهدنا العصر الذهبي للإسلام، كان هنالك مقدار لا بأس به من الحريات سمح لتلك الشعوب أن تُبدع وتبتكر وتحرز تقدّمًا علميًّا هائلًا محلقةً بعيدَا عن الأوروبيين الذين لم يتبق لهم سوى إرث الروم والإغريق.

أما من الناحية العسكرية فقد كان للجانبين نصيب في إشعال الحروب، ولكن كانت حروب الدولة الإسلامية أكثر شرفًا والتزامًا بأخلاقيات الحرب، فمثلًا فتح الأندلس قدّم لنا إرثًا علميًا وفنيًّا ومجتمعًا مختلطًا من العرب والقوط والإسبان واليهود، ولكن عندما استردتها الكنيسة الكاثوليكية لم يعد فيها سوى فرسان المعبد يقيمون محاكم التفتيش فيقتلون من خالفهم في العقيدة سواء كان مسيحيًا على غير مذهبهم أو مسلمًا أو يهوديًّا.

فرسان المعبد هؤلاء أيضًا لم يكونوا بعيدين عن الحملات الصليبية، فلا ينكر أحد دورهم في قتل المدنيين العزّل واستجابتهم لدعوة البابا أوربانوس حين قام خطيبًا في فرنسا قبيل الحملة الصليبية الأولى يدعو اللصوص والقتلة بأن يتوبوا ليس عن طريق التوقف عن القتل والسرقة بل عن طريق تحويل سيوفهم من أجل الرب!

ولكن هذا السبق العلمي والأخلاقي الذي استمرت الدولة الإسلامية في إحرازه على حساب ممالك أوروبا أخذ يتضاءل حتى كاد أن يختفي عندما قام حزب الاتحاد والترقي القوميّ المتشدد بانقلاب على السلطان العثمانيّ عبد الحميد الثاني في أوائل القرن المنصرم حينها اقترف الترك مجازر باسم القومية كتلك التي اقترفوها ضد الأرمن، ورغم ذلك حُسبت تلك المجازر على الدولة الإسلامية ولكن حقيقة الأمر لم يكن هناك دولة إسلامية، وإنما قوميّة تركيّة متشددة.

ورطنا القوميون الأتراك بالتحالف مع الألمان في الحربين العالميتين الأولى والثانية ومُنينا بهزيمتين، وكيف لا؟ وأهل الشورى يساندون النازيين في حربهم، انتهت الحرب وانتهى الكيان الذي ضمّ الشرق الأوسط لنعود من جديد شعبًا بلا راية، ذلك لأن الأمم التي تقود العالم تعيش بما تقدمه للبشرية من مبادئ العدل والحرية، فإن اختفى عطاء الأمم تلك ذهبت القيادة لأمم أخرى، ولكن نكران الإرث الذي صنعته الدولة الإسلامية خلال أكثر من ألف سنة وتسليط الضوء على آفات كالفقر والإرهاب وغير ذلك من الآفات التي لا يتعدى عمرها قرنًا من الزمان ونعت شعوب الشرق الأوسط بتلك الآفات وإلصاقها بنا هو نوع من تزوير الحقائق وتزييفها.

إن كان ذلك الشعب الشرق الأوسطيّ قد فقد رايته قرنًا من الزمان فقد أمسك بتلك الراية لأكثر من ألف عام قبل ذلك، ومن يدري ربما تعود إليه تلك الراية لألف عام أخرى؟

وفي حال أن عادت لنا الراية فليس من الحكمة أن نعيد الكيان الذي يجمعنا بصورته القديمة، بل نعيده كما كان سيكون لو استمرّ، كيان دائم التطور والتكيف يحاكي الاتحاد الأوروبي في الهيكل ويسمو عليه في الجوهر، كيانٌ يسبق غيره في تطبيق مبادئ الحرية، كيانٌ يتسع للضعفاء الذين نبذهم العالم كما كان يفعل دائمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد