أدبيات الفكر الإسلامي السياسي في عمومها، كانت ضبابية، مع أن الإسلام دين وأمة وقيم وغايته ولباب دعوته تحرير الحياة من الأوثان الاعتقادية والسياسية [مافيا السياسة، وكهنوت الدين] وبناء مجتمع يقوم على شرع يدير الشؤون العامة، على أساس [الحرية والعدالة] إلا أن لسيطرة الحاكم الرسمي على مفاصل الحياة وطرائق التفكير واستعمار الدين بغية تحويله إلى ملكية رسمية للحاكم!

غيّب السلطان تلك المعاني التي قام الإسلام لتأصيلها وبرز الفكر السياسي الإسلامي الذي قام غالبه على مفاهيم سلطانية وتركز على الإمامة والخلافة أو الملكية ومن يستحقها ومن لا يستحقها، وعلى تحريم الخروج على السلطان الذي بات ظل الله في الارض وكأن حل المشاكل السياسية يتوقف على الخليفة بل صاروا ينادون بالمستبد العادل وهذه خرافة فكيف يجتمع الاستبداد مع العدل لأن الاستبداد إقصاء والعدل مساواة وهما في افتراق! ومن اللافت ما قاله غوستاف لوبون: “ليس لمذهب من المذاهب من الأهمية إلا بمقدار تأثيره في نفوس المتخلفين به. أما ما فيه من صواب أو خطأ فمسألة نظرية لاتهم إلا الحكماء. ومن دخَّل مبدأ في أذهان العامة وجب الخضوع لنتائجه كلها صوابًا كان المبدأ أو خطًا”. هذا ما تم بالفعل فقد أشيعت آراء ومذاهب سياسية تمترست بالدين الرسمي لتبرير تسلط وتخبط الحاكم، إذن المشكلة أتت أن المسلمين لم يحلوا مشكلة الحكم حلًّا سليمًا يتفق مع معاني القرآن وما جرى عليه رسول الله في قيادة الأمة من الشورى الكاملة والمساواة بين المسلمين مع الإفادة من تجارب الأمم قبلنا.

 

ومن نافلة القول أن نذكر بأن الإسلام رسالة ديموقراطية في التشريع والسلوك، وقد أفردت مساحة كبيرة لمشاركة الإنسان في التشريع، كما يشرحه أسباب النزول والنسخ والتقييد والتخصيص، ومراعاة أحوال العباد.

وبأن النبي كان ديموقراطيًّا بمعنى أنه استمع لآراء الناس، وبدّل مواقفه في كثير من الأحيان استجابة لرأي الأغلبية، ورفض احتكار السلطة وتوريثها وطالب بالاختيار الديمقراطي، وحرر العبيد وكرم المرأة، واحترم خيار الجماعة.

 

وبأن الخيار الديموقراطي في الحياة السياسية هو أقرب السبل لمنهج النبي الكريم وسلوكه السياسي، وأنه لا تعارض بين الإسلام والديموقراطية من حيث المرجعية، فيقال إن الإسلام مرجعيته الله والديموقراطية مرجعيتها الشعب، فقد انقطع الوحي منذ وفاة الرسول، وأمرت الأمة بالشورى والاستنباط لما يستجد من أحوال ولا شك أن أكثر أشكال الاستنباط عدالة هو الشكل الديموقراطي، وأن مظهر معرفة حكم الله هو استفتاء عباده، من علماء وخبراء وعارفين.

 

وتحكم أحكام المعاملات والسياسة والحكم في الإسلام القاعدة الذهبية التي نص عليها الرسول الكريم: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. رسالة التجديد ص٢٥

 

لقد تلاشت الحكمة من قيام الدولة في الإسلام وأصبحت دولة استبدادية لا تختلف عن الدول التي قام الإسلام لإزالتها وإعادة الأمر إلى الأمة لقد عد الإسلام “مقاومة الاستبداد قاعدة شرعية قطعية” وأن “كل استبداد فهو كفر بواح”.

 

في التصور الإسلامي الذي لم يخضع لغبار التسلط فإن الحكم إن وصف بالجبر أو الجور، فذلك هو الكفر الذي يجوز الخروج عليه، على أن حكم الجور والجبر يوصف بالكافر أيضًا مجازًا، فهو كفر سياسي، لا يخرج من الملة ولكن يخل برشد الدولة، فالنصوص الشرعية تطلق (الكفر) على كل إخلال في شطري الدين الروحي أو المدني، ويطلق الكفر على الانحراف السياسي كالإخلال بالعدالة الاجتماعية أو الإخلال بالشورى، وحل الخلاف السياسي، عبر العنف المادي الدموي، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض”. [ عبد الله الحامد للإصلاح منهج ص ٥].

 

تم تزوير مصطلح الحكم الإسلامي إلى الخلافة المتوارثة ولم يعد يركز على معنى الشورى بل على عدم الخروج على السلطان مع أنه [لايوصف أي حكم بالإسلامي مالم يكن شوريًّا] وضع الفقه السلطاني قواعد مجحفة كانت وراء ذبول المجتمع هان الناس بسبب فحوى تلك التعاليم وهان وجود الإسلام صحيح أنه لا يمكن الخروج على حكم الجبر والجور، إلا من خلال قوة رأي عام نشط، تعادل القوة التي جاءت به، لكن كل ما تم سنه فقهيًّا في السياسة أفنى وأضحى الحراك المسالم ووجد المسلمون في محنة حاكم ناقم وفقيه غير عالم!

وإذن فالمسلمون مضطرون إلى التعامل مع الواقع، على أساس شرعي، إن الحكومة في الإسلام ثلاثة أنواع:

حكومة شرعية، في طريقة الوصول. وفي الحكم وهي الحكومة المنتخبة العادلة الشورية.

وحكومة غير شرعية في طريقة الوصول ولكنها شرعية في الإنجاز، وهي حكومة المتغلب التي تؤول إلى حكم عادل شوري تستند إلى قانون دستوري، يحدّد صلاحيتها كما قال الفقهاء عن حكم عمر بن عبد العزيز، إن صار خليفة شرعيًا لما عدل وشاور.

وحكومة غير شرعية لا في أسلوب الوصول ولا في الإنجاز، وهي حكومة المتغلب الذي استولى على السلطة، وشرع الجبر والجور.

ولا خلاف لدى الفقهاء في عدم مشروعيتها، ووجوب إسقاطها، ولكن التاريخ أثبت صعوبة عزل المتغلب الجائر، فصار للفقهاء آراء متذبذبة، ناتجة عن تكرار حالات الفشل، التي أورثت الإحباط والشلل.

إن الحاكم النموذج في الإسلام هو الذي يجمع صفات الكفاية والعدالة، الذي ينتخب برأي أغلبية الأمة وممثليها، من أهل الحل والعقد، وأي حاكم لا يقدّمه أهل الرأي والعقد؛ لا يعتبر شرعيًّا من حيث القانون الدستوري الإسلامي، ومن ثم يجوز الخروج عليه، لا سيما إذا جمع إلى اغتصاب السلطة، صفتي الجبر والجور فقام بالنهب المنظم لأموال الناس وحرياتهم، والاستئثار بالسلطة والإدارة. وأضاف إلى ذلك الحكم بالقوانين غير الشرعية، والارتباط مع الدول الأجنبية بمعاهدات سرية وعلنية، تؤدي إلى استمرار الأمة في الحضيض. بل ذلك يجعل الخروج عليه واجبًا، لأنه وصل إلى حالة الكفر البواح الصريح، التي يجب فيها إسقاطه، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه حين قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على:

  • «السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمَكْرَه وعلى أثرة علينا».
  • «وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». (رواه البخاري ومسلم ومالك والنسائي).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد