من الشخصيات التي لا ينساها التاريخ الإسلامي، والتي حفرت اسمها فيه، صلاح الدين يوسف بن أيوب. يعرفه كل صغير وكبير، بطل حطين، الذي استرد بيت المقدس من الصليبيين، فهو بالنسبة لمن لم يعيشوا في عصره بطل قومي، ولكن هل كانت له ذات الشعبية لدى معاصريه؟

نظرة سريعة على كتابات المؤرخين تُظهر أنه لم يكن ذلك الزعيم المحبوب؛ ويمكن أن نتلمّح بين السطور أن كثيرًا ‏من المصريين لم يكونوا راضين عن حكمه، واعتبروه مغتصبًا للخلافة من الفاطميين، وكانوا ‏راغبين في إعادتها، فأهل مصر الذين حكمهم صلاح الدين في البداية تحت مظلة الدولة النورية بالشام دبّروا للتخلص منه مرات؛ لإعادة الحكم الفاطمي، وقد اتخذ صلاح الدين الأيوبي خطوات كثيرة للقضاء على التشيع الإسماعيلي ‏الذي كان قد انتشر في مصر منذ زمن الفاطميين، فقطع الخطبة للخليفة الفاطمي العاضد، وعطَّل خطبة ‏الجمعة في الأزهر، واستمرت معطَّلة مائة عام، وأتلف وحرق كتب الشيعة الإسماعيلية، وألغى أعيادهم، ‏وأبطل عملاتهم، وفي سنة 566هـ، عزل القضاة الشيعة في مصر، واستناب قضاة شافعية.‏ وكانت المدارس أيضًا سبيلًا له لنشر التسنن مرة ثانية ‏في مصر، وإعادة المصريين لمذهبيّ الإمامين الشافعي، ومالك.‏

ومن أشهر محاولات المصريين الانقلاب عليه وإعادة الحكم الفاطمي، محاولة جماعة من الحاشية سنة 569هـ، والذين صلبهم صلاح الدين الأيوبي، وفيهم الشاعر عمارة اليمني، وهو سني شافعي، ‏لكنه موالٍ للفاطميين لإحسانهم إليه. ‏كما كان هناك تذمر بين العوام، ومحاولات منهم لإعادة الفاطميين، منها ما حدث من جماعة صغيرة من العوام الشيعة، ‏عِدّتهم اثنا عشر رجلًا، وذلك سنة 584ه.‏

ولا شك أن الاختلاف المذهبي كان سببًا رئيسيًّا وراء كراهية نسبة كبيرة من المصريين لحكمه، فبعد أكثر ‏من قرنين من حكم الفاطميين كان قد انتشر التشيع في ربوع مصر، ولكن كان من أهم العوامل كذلك التي وقفت حجرًا بين صلاح الدين، ومحبة المصريين له، إرهاق وزيره بهاء الدين قراقوش المصريين بالضرائب لأجل الجهاد، وبناء قلعة ‏الجبل والسور حول القاهرة، وغيرها.

ولم يقتصر الأمر على أهل مصر، فعندما نقرأ لعمدة المؤرخين ابن الأثير الجزري، وقد عاصر صلاح الدين في مطلع شبابه، قبل أن يقضي صلاح الدين، نجد ابن الأثير لا يرتاح لكثير من مواقف صلاح الدين، وأهمها موقفه من إسماعيل زنكي الابن الوحيد لنور الدين محمود، والذي توفي والده وهو صبي صغير، وحاول صلاح الدين ضم الإمارات التي تحت يدي الصبي بالشام إلى ملكه، وهي إشارة من مؤرخ كبير معاصر للحوادث إلى عدم وفاء صلاح الدين لسيده نور الدين زنكي، وأن هذه كانت الصورة التي يراه عليها أهل الشام.

وكل من قرأ تاريخ مصر الحديث يعلم كيف انتهى عصر الخديوي إسماعيل بكارثة سياسية واقتصادية عظمى لمصر؛ حيث اُحتلت مصر من قِبل إنجلترا، وقبلها غرقت مصر في الديون الخارجية، التي استخدمها إسماعيل كلبنة أولى في بناء مصر الحديثة، وظل الوضع على ما هو عليه حتى حلّ عهد الملك أحمد فؤاد، ابن إسماعيل، والذي آلى على نفسه أن يحرر مصر سياسيًّا واقتصاديًّا، وبالفعل استطاع أن يُسدد ديون مصر بالكامل، وهو الذي جعل قناة السويس ملكًا للمصريين عام 1935، وليس عبد الناصر عام 1956 كما هو شائع، وأُنشأ في عهد فؤاد أول بنك مصري (بنك مصر) عام 1920، ونشأ الوفد بزعامة سعد زغلول بمباركته، ووُضع دستور 1923 في عهده، وطالب فؤاد والوفد المصري باستقلال مصر حتى أصدرت بريطانيا تصريح 28 فبراير 1922 الذي ألغت فيه بريطانيا الحماية على مصر، واُعتبرت مصر مستقلة اعتبارًا من 15 مارس 1922، ولكن نظرًا للتحفظات الواردة في التصريح فقد رفضه المصريون، كما بدأت في آخر عهد فؤاد مباحثات معاهدة 1936، والتي وُقعت بعد أربعة شهور من وفاته، وتولى ابنه فاروق الحكم، والتي ألغت تصريح 28 فبراير 1922 بتحفظاته الأربعة، ولكنها كانت اعترافًا حقيقيًّا من بريطانيا باستقلال مصر، واُعتبرت مصر مستقلة استقلالًا فعليًّا منذ لحظة توقيعها؛ حيث قيدت المعاهدة أعداد القوات البريطانية في مصر، ولم يصبح للجيش الإنجليزي تواجد سوى في قاعدة عسكرية إنجليزية في منطقة القناة. ومن أسف أن المصريين يُعتبرون الشعب الوحيد على ظهر الكرة الأرضية الذين لا يعرفون تاريخ استقلال بلدهم الحقيقي؛ ذلك أنه ومنذ تغيير المناهج التعليمية بعد ثورة 1952، وإجلاء الإنجليز عن منطقة القناة سنة 1956، أصبح يُروّج لعيد الجلاء كما لو كان هو تاريخ استقلال مصر! ولم يفطن هؤلاء أن مصر؛ لكونها دولة مستقلة منذ العهد الملكي، هي عضو مؤسس في الأمم المتحدة وجامعة الدولة العربية. ولكن ما يعنينا الآن: هل كان الملك فؤاد محبوبًا من الرعية؟

لم يستطع فؤاد أن يُحسِّن الأوضاع المعيشية للمصريين؛ فلم يحبه المصريون، وكان محل نقد يصل أحيانًا إلى حد السخرية من مفكري ومثقفي عصره، فألّف الشيخ سيد درويش أوبريت العشرة الطيبة ساخرًا منه، ونقده الأستاذ العقاد في مقالة، حُبس على إثرها ستة أشهر بتهمة العيب في الذات الملكية.

سقت هذين المثالين لصلاح الدين وفؤاد؛ لأوضح أن الشعوب لا تحب حتى الأبطال المُحررين إن ضيّقوا عليهم معيشتهم؛ ذلك أن أمثال هؤلاء يكونون شخصيات جادة لا تميل للتأثير العاطفي على الجماهير، لكن ينصفهم التاريخ عادة فيحبهم من يعيشون في عصور لاحقة لهم، ربما لأن من يعيش بعدهم لن يرى سوى آثارهم السياسية والاقتصادية، ولن يعاني من سوء الأوضاع المعيشية التي كانت أثقلت ظهور رعيتهم، فأبغضوهم لأجلها.

فإن كان هذا هو الحال مع المُحررين، ممن ضيّقوا على العباد، فماذا عن الساسة عديمي الرؤية، هل يتصورون أن تحبهم الشعوب؟

إن هؤلاء يربطون ربطًا عجيبًا بين مطالبة الشعوب لهم بالقضاء على الفساد، وبين ضياع الأمن؛ لمداراة فشلهم في كلا القطاعين، فينتشر الفساد والإفساد المتعمد على أيديهم، في ذات الوقت الذي يضيع الأمن الذي يدّعون أنهم حماته، ويكتفون بالخطاب العاطفي للجماهير؛ وبالتالي هم يطالبون الشعوب بأن يتحملوا التضييق عليهم معيشيًّا دون أن يكون هناك مردود لتحملهم هذا، بل على العكس تسوء الأحوال سياسيًّا واقتصاديًّا في تلك العهود البائسة.

لعل من أشهر هؤلاء السياسيين من الصنف الثاني، جمال عبد الناصر، الذي خرب مصر اقتصاديًّا، وتقلصت مساحة الدولة المصرية في عهده إلى أقل من النصف، ومع ذلك رأى فيه كثير ممن يسهل جذبهم عاطفيًّا زعيمًا وبطلًا! هؤلاء ممن لا يفهمون إلا عندما يحل البلاء وتخرب البلاد، ولكن التاريخ قاض عادل، لا يعنيه كثيرًا الحنجوريين ولا أتباعهم من خفيفي العقول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد