جينات أم ظروف طقس تلك التى تخرج هذا الفارق بين البشر، فحين تنظر إلى الخريطة، وتتمعن في الدول، تجد فجوة بين أجزاء من الخريطة وأخرى، فجزء لا سماء تعلوه، فتجد صوته يصل إلى المجاور والبعيد، وليس هناك جدران تخيفه بأن تسرق كلماته ممن يتربص به، وجزء قد خرج إلى الحياة منزوعا من كل مقوماتها، يسعى متخبطا كى يبقى على قيدها، ويتناسى أنه تكوينه الجسدي كانت إرادة الله فيه أن يكون إنسان يسعى للحياة بأكملها، لكن زمرة من القوم قد سرقوا كل شيء من أجداده وأغلى ما سرقوا منهم إنسانيتهم.

لماذا أمتنا محصورة مهزومة أصبحت كهؤلاء القابعين بجوار سياراتهم المتصادمة ينظرون بحسرة على المسرعين من حولهم، فلا هم على الطريق يكملون المسير، ولا استمعوا لتلك النصيحة بأن يتعلموا حتى يستطيعوا السير، فأصبحوا كإرشادات مرور للآخرين أن اتعظو أو أن يكون مصيركم هكذا!

بينما أمم أدركت أنها لم تخلق عبثا، وخرجت إلى الطريق، تلتمس حقا لما يخبرها به كتاب ولا إمام.. ثبت في يقينهم بأنهم بشر، ولهم حقوق.. أمم لم تؤمن يوما بعقيدة أن ربهم استخلفهم على تلك الأرض، وأن مهمتهم الإصلاح، ففاق إيمانهم بالحياة والإصلاح، هؤلاء الذين استخلفهم ربهم!

أجيال متعاقبة هي من تسدد الديون أو تحتفل بأعياد النصر، فقوم ترك لهم أجدادهم تاريخا وعيدا يدفعهم للمزيد، وقوم ترك لهم تهديد ووعيد وأفكار تتناوب في أن تنصب المشانق للراحل والمقيم.

فماذا عنك يا وطني؟ على أي الأراضي ستكون مرساك؟ وأي الأفكار سترمي شباك صيدك عليها؟ أي الطرقات ستختار؟ أعلم أن بداخلك الكثير، ولكنك أسير بين ظلام، يدفن أبناؤك قبل أن يخرجوا ما بداخلهم، وظلام يطفئ حياة الأحياء منهم.. متى تخرج يا وطنى حاملا شموعك، تضيء طرق التائهين؟ متى تنتزعهم من عبثهم، وتنهي نزواتهم مع الذل العقيم متى يا وطني.. متى؟

أعلم أننا قد وصلنا إلى ما هو قبل النهاية، ولكن أي النهايات سنختار.. هل ستكون نهايه عبث ويبدأ يوم جديد؟ أم أنها نهاية حلم، ويبدأ عبث جديد، فتكون أصعب اللحظات تلك على هؤلاء الباحثين عن وطن سعيد، فلا أنت حققت ما تريد، ولا أنت مرتاح من عناء الطريق! إيمان بداخلك يدفعك للمزيد، وألم يعاكس أضواء المسير.

فتلك قلوب تعشق الأمل البعيد، ولا ترى الواقع، سوى طيف مرير. لماذا لم يتعلموا من نضال سيد القوم محمد صلى الله عليه وسلم، ظل يقاتل اليأس والألم ويتحمل الإهانة من القريب والبعيد في سبيل أن يتمم مكارم الأخلاق!

لم يرتض بأنصاف الحلول، فخيروه بأن يعطوه الملك أو المال، ويتنازل عن دعوته، ولكنه رفض صلى الله عليه وسلم، فبين من أراد أن يستمر في الطريق، ومن ابتعد ليأسه وضعفه؛ فأصبحت يا وطني ممزق الأطراف، جزء من جسدك يقاوم، والآخر يقرر أن يستسلم.. جزء منك  يريد، والآخر أصبح مريضًا. جزء ينتظر عيدًا، والآخر يرى الطريق بعيدًا.. جزء يراك سعيدًا والآخر كئيبًا.. جزء يريد النعيم والآخر يعيش في أسفل سافلين، أي الأجزاء تنتصر، وأي روح ستمضي بك يا وطن!

فحين لا نستطيع أن نخرج من الواقع أو حتى نسير بالخطوات لواقع جديد.. نتحامل على أنفسنا ونتناسى ما حولنا، ونحاول أن نخرج بعقولنا بعيدا عن الواقع، ونسافر.

ماذا لو امتلكنا القوة وأصبحنا أمة كهؤلاء! حينها سنجد أنفسنا قد وقعنا أسرى نجاحاتهم، وسندرك أننا تأخرنا وابتعدنا كثيرا، لا أعلم كم سنكون وقتها، أو كم من الأراضى مازلنا فوقها.. فها هي اليمن ترحل بعيدا، وأطفاله يلعنون الجميع، يموتون بالكوليرا كل يوم، ولا بواكي لهم، أية مشاعر ستحملها أجيال قادمة؟ وعن أي أمل سيملكون، وسوريا جثث ويتامى، تجدهم في كل مكان، وأمراض تفني أمة عن بكرة أبيها؟ فهذا جيل قد ورث كرها وطائفية لا يعلم بها إلا الله، فرحلت عنا أيضا، والعراق ولبنان قد رحلوا عنا أيضا وتركونا بنفس ذات الداء.. قد دخلوا إلى مستنقع لم يستأذنهم فيه أحد، فأصبحوا جميعهم أسرى نجاحات قوم خرجوا إلى طريقهم وتلقفوا هؤلاء المغفلين في حقائبهم ليخرجوهم وقتما يشاءون، ويطعنوا بهم كل من يحاول أن يوقفهم! على جانب آخر من تلك الأمة الحزينة، تجد أقواما آخرين يجففون حليب وخيرات مغفلين آخرين لم يدركوا من الحياة سوى الطعام والتنطع والتآمر على الشعوب النائمة، فتلقفتهم أيضا أمم أخرى خرجت إلى طريقها، فوضعتهم في مزارعها للحصول على اللبن الطازج في أسرع الأوقات.

يوم أن نصبح أمة سنواجه هؤلاء، ولكن ساعتها أي القوة سنملك وقد رزقنا الله بهؤلاء السذج  ليستنزفوا كل الطاقات، وهؤلاء ليستنزفوا كل الأموال، وهؤلاء يستنفزون كل الأفكار، وهؤلاء ليفرطوا في كل الأراضي والشعوب.

فهل ان اصبحنا أمه سنقدر على ان نسير على الطريق ام اننا لن نقدر اصلا ان نخرج الى الطريق؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد