في العلاقة بين الدولة كنظام وبين الشعب روابط وضوابط.

ومن المعروف أن ممارسات النظام تنعكس إيجابا وسلبا على جموع البشر الذين يعيشون كشعب تحت حكم هذا النظام.

كما أن درجة الوعي والإدراك الإيجابي لدور الشعب في حماية حقوقه وتصحيح مسار النظام وترشيد توجهاته، تنعكس أيضًا على النظام الحاكم في كثير من الأمور وتكون محل رعاية واهتمام، وبخاصة في المجتمعات الحرة التي لديها القدرة الديناميكية على عزل النظام وتغييره إذا أصر على السير في الاتجاه الخاطئ.

حدث ذلك في أكثر من بلد متقدم، وتكاد هذه الأمور أن تكون هي القواعد الحاكمة في الدول الديمقراطية التي تعشق الحرية، وتدفع ثمنها، ولا تسمح لحاكم مهما كان أن ينال من تلك الحرية.

هذا النوع من التنظيم بجانب كونه ينهض بالوطن ويدفع به نحو التقدم بكفاءة واقتدار، فهو أيضا سبب مباشر في الاستقرار حيث تنضبط به علاقة الناس في دنياهم، ثم يفتح التاريخ لأصحابه ذراعيه ليحتضن إنجازاتهم، ويدخلهم من أبواب الخلود، بل ربما يجثو التاريخ على ركبتيه تحية لهم وإجلالا، لأنهم بعشقهم للحرية ودفاعهم عنها يساهمون في حماية الكرامة البشرية ويعملون على رقي الحياة وتنميتها، كما يساهمون أيضًا في صناعة التاريخ وفي توجيه مساره وتصحيح وترشيد مسيرته.

والشعوب التي تلتزم بذلك النهج في حياتها تضفي على التاريخ من هالات النور جمالا

وبهاءً وتصور مراحله للأجيال التي تليها بأنها من أزهى وأنبل مراحل الزمن.

بينما الشعوب التي تتمنى الحرية، وتكتفي بمجرد التمنيات ولكنها تؤثر السكون والسكوت ولا تدافع عن حريتها، ولا توقف من يتجاوز في حقوقها؛ تعاني القهر والخسف والإذلال، ولن يفيدها سكونها وسكوتها وخنوعها المخزي.

السكون والسكوت والخنوع المخزي لا يعفي أصحابه من دفع ضريبة الحرية – وإن تصور البعض خطأ ذلك الأمر – وإنما يضاعف التاريخ على هؤلاء ثمن الحرية بخسارة مركبة، وقد أثبتت تجارب الناس ووقائع الأحداث ذلك؛ لأن السكوت والسكون والخنوع المذل يجعل الدكتاتور المستبد كالوحش الكاسر لا يتوقف عند حد أو يكتفي بفريسة واحدة، وإنما يمعن كل يوم في إذلال الضحايا، فهو يخرجهم ليهتفوا له متى شاء، ويخرسهم متى شاء، ويحلبهم متى شاء، ويقتل ويسجن منهم متى شاء، وعصاه دائما جاهزة لكل شاة شاردة.

البشر عادة في مثل هذه المجتمعات لا يعيشون في داخل دولة إذ لا يمكن تصور دولة دون مجتمع إنساني، والبشر حين تتدنى قيمهم وقيمتهم يصبحون أقل قيمة من الحيوانات، لأن بعض الحيوانات اشتركت بشكل إيجابي في الدفاع عن حقها في الحياة، وصبرت على تكاليف هذا الحق وكافحت من أجل البقاء لها ولأولادها، بينما هذا النوع من البشر يريد أن يعيش ولو في ظل العبودية والذل، ولذلك فهو لا يتخلف فقط  وإنما يعمم السقوط حتى يسقط هو والدولة من عين الله ولا يبالي الله به.

غير أن سقوط مثل هذه المجتمعات لا يحدث فجأة، وإنما يتم عبر مراحل تشكل مقدمات تؤدي حتمًا إلى نتيجة معروفة لدى علماء الاجتماع والمهتمين بعلم استشراف المستقبل، وهي الفشل ثم السقوط.

الفشل والسقوط له مقدمات سنجملها هنا ونتعرض لبعضها بالشرح البسيط قدر ما يسمح المقال، ثم نشرحها في مقال آخر كحق للقراء الكرام ليكتمل تصور القضية في أذهانهم.

ويمكن باختصار أن نجمل هذه المقدمات في المراحل الآتية.

  • مرحلة الصمت السلبي.
  • مرحلة تزييف الوعي.
  • مرحلة التآلف مع الفساد.
  • مرحلة انفصال الرؤية وانقطاع التنسيق بين المؤسسات بحيث تبدو تلك المؤسسات وكأنها تعيش في جزر منعزلة عن بعضها البعض.
  • مرحلة الدخول في غيبوبة الاستلاب الحضاري.
  • مرحلة توحش الأجهزة وتغول السلطة والمؤسسات حتى توشك كل مؤسسة أن تكون دولة داخل الدولة.

 

1ـ مرحلة الصمت السلبي

أهم السمات في تلك المرحلة أن الشعب يستثقل تكاليف الحرية ولا يتحمل أعباءها، بالقطع هو يتمناها ولكنه لا يريد أن يدفع ثمنها، وقد يرى التجاوز في حق تلك الحرية، ولكنه يلوذ بالسكوت والصمت إيثارًا للسلامة.

 

2 ـ مرحلة تزييف الوعي

وفيها يقوم إعلام الغواية بدور ثلاثي الأبعاد في خطورته.

 

البعد الأول: تمزيق الإطار الاجتماعي،

وذلك بتقسيم الشعب، وتحريض بعضه على بعض وتبرير قوة القمع وبطش الوحشية الأمنية، وشيطنة الخصوم والمعارضين من أي تيار، ويرسخ في أذهان الناس أنه لا فائدة من التظاهرات ولا التجمعات ولا التواجد في الميادين الثورية التي أصبحت رمزًا لانتفاضة شعب وثورة أمة.

 

البعد الثاني: استباحة الوعي الجمعي

وفيه تنشط مصانع الكذب وتكثر الخرافات ويتبناها إعلام الغواية، حتى شاهدنا على الفضائيات في عام واحد (2015) خمس حالات تدعي النبوة، وحالة تدعي الألوهية، ثم يستبد الجهل بالناس أكثر وأكثر، ولعلنا نتذكر جميعا تصريحات خبراء الإستراتيجيات والإعلام الذين أساؤوا إلى مصر شعبًا وجيشًا ونظامًا وتاريخًا وحضارة، عندما أخبرونا عبر الفضائيات أن جنودنا البواسل أسروا قائد الأسطول السادس الأمريكي، واقتادوه مكبلا، واتصل أوباما بالرئيس والرئيس قال له هتصعد حنصعد إيه رأيك…؟”!!!

وأن حاملة الطائرات الأمريكية عندما اقتربت من شواطئنا في 30 يونيو فوجئت بأنها محاطة من البحر بضفادعنا البشرية، ومن السماء بنسور الجو لدينا فارتعبت وعادت ذليلة مذعورة!!!

وأن سد النهضة سينهار وحده ويسقط، وسيغرق أثيوبيا والسودان، ثم تأتي إلينا المياه ندية طرية نقية فنزرع أرضنا ونشرب ونعوم أيضا!

وأن مصر والحمد لله محمية بموقعها ولأن رياحها شمالية غربية فهذه الرياح ستدافع عنا وترد أي صواريخ – ولو كانت عابرة للقارات ـ إلى الموضع الذي انطلقت منه، عند الآخر يعني!

وقبل ذلك كان هناك عدة اكتشافات مصرية خالصة لم تصل إليها كل أجهزة الاستخبارات العالمية بما فيها المخابرات المركزية الأمريكية وهي علاج الإيدز بالكفتة، وأن الرئيس أوباما من الخلايا الإخوانية النائمة!

بالقطع بين أبناء المؤسسة العسكرية من قادة جيش المحروسة من هم أقدر وأعلى قيمة وقامة وأعظم قدرة وكفاءة، من خبراء وحكماء وعظماء، ويمكنهم الحديث عن قواتنا المسلحة بمصداقية واقتدار، ولذلك تزداد دهشتنا من فرض هؤلاء المصابين بإسهال في التصريحات والتحليلات وخرافة الإستراتيجيات على القنوات الفضائية، وترك الساحة لهؤلاء يتصدرون المشهد في الفضائيات ليسيئوا لمصر ويجرحوا كبرياء ثقافتها بهذا السخف الهابط، حتى ولو ارتدى ثوب الدفاع عن مصر وجيشها، وتمسحوا بمصطلحات فخمة في القيادة والسيطرة والإستراتيجيات.

جيش مصر لا يحتاج لدفاع من هذا النوع المجنون والعاري تماما من أي منطق وأي عقل، والأكثر فقرًا في عالم الثقافة من أي فلاح أمي يجلس على مصطبته ليحكي حكايات جحا بين البسطاء الذين لم يغادروا قريتهم قط.

إساءة هؤلاء ليست لقواتنا المسلحة فقط، إنما هم يسيئون للعقل المصري ويجعلونه مادة للنكات والتندر والسخرية، ويغتالون بهذا السخف ثقافة وحضارة شعب عظيم.

وبالمناسبة ممارسة الاستعباط والاستخفاف بالناس بهذه الكيفية تعتبر جريمة تضليل وتسخيف لعقول المصريين، والمصريون أذكياء يكتشفون سخفها بسرعة، غير أن التماهي في هذا السخف دفع البعض إلى محاولة ممارسته عالميًّا أيضًا، من باب الفهلوة والفكاكة والفتاكة، فانقلبت مصيبة، وأوقعتنا تلك الفوضى في فخ العبث بعقول الإيطاليين والتدليس في قضية مقتل وتعذيب الباحث الإيطالي جوليو روجيني ومن هنا بدأت المأساة.

 

البعد الثالث: حرق السقف الأخلاقي،

وفيه تحرق اْبواق الكذب الأعمى كل السقف الأخلاقي وتتجاوز حتى حدود السقوط إلى الهاوية ليس فقط في محو ذاكرة الناس وإخضاعهم وغسيل أدمغتهم، وإنما في مستوى الألفاظ المستعملة في برامج “التوك شو” وهي ألفاظ تشبه الفعل الفاضح الذي يجب أن يعاقب عليه القانون، وتشعرك وأنت تشاهد تلك البرامج بأنك بين فئات لا تعرض أفكارًا وإنما تعرض أنواعًا من الردح الرخيص يصيبك بالدوار والغثيان والحزن، من حالة التردي التي وصلنا إليها ومستوى العبث الذي نعيش فيه، وبُعْد الهوة بين قيم هذا الشعب وحضارته العظيمة وتاريخه المشرق بالنضال، وبين واقعه المؤلم.

 

3- مرحلة التآلف مع الفساد

الدول الحرة والحية ليست معصومة من الأخطاء، وليست محصنة ضد الخداع أو التدليس والفساد، ويمكن أن يقع الناس فيها ضحية التدليس والتلبيس والغش، ولكن سرعان ما يكتشفه الشعب، لأن العقل الجمعي والإرادة الشعبية ترفض الخداع والتدليس، وتتجه دائما نحو الحقيقة، ومن ثم فالخداع والغش والتدليس لا يشكل قاعدة في التعامل بين الشعب ومؤسساته العامة، وإنما هو طارئ وغريب لا يلبث أن يكتشف أمره كخطر جديد وجرثومة مرض تفتك بالمجتمع، لذلك ينهض العقل الجمعي ومعه سنده من الإرادة الشعبية في حشد كل الطاقات الأمنية والإعلامية والقانونية لمحاصرة تلك الأوبئة الاجتماعية، وتحديد مصادرها، وكشف مَنْ وراءها وتقديمه لمحاكمات عادلة، وفي بعض دول العالم المتقدم يتم فضحهم وتجريسهم إعلاميًّا لدرجة أن بعضهم يقبل على الانتحار خروجًا من العزلة وهروبًا من الفضحية.

بينما الدول الفاشلة والآيلة للسقوط، بعد تزييف الوعي فيها يتولد لدى الغالبية العظمى من الناس قابليات للخداع، فتمارس ضدهم كل أنواع التزييف في السياسة والاقتصاد وفي الثقافة والوعي، ومن ثم فالخداع هنا يصبح هو القاعدة الحاكمة وقد تآلف الناس معها، وربما استساغوها فلم يشعروا أمامها بغصة أو غضاضة. وهنا تظهر أنواع جديدة من اللصوصية تبدأ بـ:

  • لصوص الثقافة ولصوص الفكر والوعي.
  • حرامي الميراث في الأسرة الواحدة ومن أبناء الرجل الواحد الذي يسرق أهله وإخوانه.
  • لصوص المؤسسة أو الجمعية في المجالس المحلية.
  • لصوص المحافظة على اللصوص.
  • لصوص المواهب والكفاءات والاختراعات.
  • لصوص بالقوة ولصوص بالوراثة.
  • لصوص أصليون، ولصوص أتباع.
  • لصوص أعضاء البشر.
  • لصوص القوانين، ولصوص بالقوانين.
  • لصوص في نصوص الدين، ولصوص في اللادين.
  • لصوص الوطن، ولصوص الشعوب.
  • لصوص إرادة الأمم والمجتمعات الدولية.
  • لصوص العالم المتحدون.
  • وحين تظهر كل هذه الحشود من اللصوص يستوجب الأمر أن نقدم تحية لصغار اللصوص الذين ضاعت حقوقهم، فاضطروا اضطرارًا أن يسرقوا بعض البيض وبعض الدجاج وحبل الغسيل من فوق أسطح المنازل. فهل يمكن أن نتخيل معاناة للصوص الصغار حين يردد حكيمهم “علي بابا” مقولته الشهيرة “ما اضطر لص صغير للسرقة، إلا بطمع وتخمة لص كبير؟”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشعوب, الوعي
عرض التعليقات
تحميل المزيد