إن جـريمـة الفـكـر لا تفضـي إلى الموت، إنها الموت نفسـه.. قصاصة ورق مجهولة الكاتب

يقول جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984 أن العوالم الثلاث الذين تقاسموا العالم بعد الحرب، هم الآن قوة غير قابلة للهزيمة في حقيقة الأمر، ولا سبيل إلى قهرها، بحيث لم تكن هذه الحكومات تخشى من خطر حقيقي إلا خطرًا واحدًا ويعتبر «نظريًا» فقط بالنسبة لهم، فيقول فيه: «الجماهير لا تثور من تلقاء نفسها أبدًا، كما أنها لا تتمرد أبدًا لمجرد أنها مضطهدة. والواقع أن هذه الجماهير لا يمكن حتى أن تصبح مدركة لحقيقة اضطهادها طالما ظل امتلاك معايير المقارنة غير متاح لها».

ولكن.. ماذا لو قُدر بِمشيئةٍ خارقة أن تنكسر حلقة المقارنة المتكررة تلك؟

إن المجتمعات هنا وعندما تنكسر هذه الحلقة، وتكتشف فجأة وجود كائنات فضائية غيرها على سطح هذه المكوَّرة، فذلك لن يكون بالضرورة مسببًا للإدراك المفاجئ والثورة المكبوتة عندها، بل ربما يكون من الصدمة الكبيرة لتلك المجتمعات، أن تزيد حالة السكون والتناقض والازدواجية لديها أكثر وأكثر، فليس من السيئ قبل هذا كله أن يكون الشعب متناقضًا بنفسه وأفكاره وإرادته وكل شيء داخله وخارجه، طالما لم يكن هنالك منفذًا ومتنفسًا للمقارنة لديه، طالما لم يكن يوجد خرم صغير في هذه الإبرة التي يقطن بها، والتي ستمنع بالتأكيد كل ما هو شاذ ومائل عن خط الإبرة السوي ومصيرها المحتوم بالاستقامة. فعلى الأقل يمكننا أن نحسب في هذه الحالة أنه كمجتمع سيكون في حالة سكون تامة، لا يزيد ولا ينقص تناقضًا أو انحطاطًا، أو لن يزداد عذابًا غابرًا لا جدوى منه إطلاقًا. إن حالة التناقض تلك التي سوف تأتي في ما بعد الانفتاح على العالم الخارجي ليس من الضرورة أن تسبب إدراكًا ووعيًا وثورة خارقةً عند الجماهير كما ذكرنا آنفيين.. فقد يرى البعض أن الازدواجية وحالة الركون الفكري قد نمت داخلنا وترعرعت بشكلٍ مخيف وكطفلٍ لقيط كان يظن أنه مميز ووحيد لدى والده الداعر، اكتشف في سبيل المصادفة أن له أختًا في منطقة بعيدةٍ عنه، فلا هو يتخلى عن وحدته وفكرة ألوهيته وذكوريته المفرطة، ولا المسافات تُقطع لوحدها وصولًا إلى أخته لتريه الواقع فلا يصدقه!

فكيف يمكن في حق السماء المستوية هنا أن يعيش على هذا الكوكب أناس يأكلون ويشربون ويمارسون الجنس الترفيهي غيرنا، وهم لا يملكون قضبانًا ذكوريةً مثلنا، ولا يؤمنون بما نؤمن، ولا يكفرون بما نكفر، ولا يفكرون مثلما نفكر، ولا يتشابهون مثلما نتشابه؟ كيف ممكن لأناس نشاركهم هذا الكوكب وهذا الهواء أن يكونوا مختلفين عنا، نحن آلهة الكوكب والكون بعظمتنا وكبريائنا؟

فماذا لو انكسرت تلك الدوامة حقًا، وازاد تناقُضنًا تناقضًا بعدها.. ونسي الشعب أنه الشعب، ماذا لو لم يعد هنالك كلمة في «اللغة الجديدة» اسمها الشعب؟ ماذا لو أصبحنا نسبح في غياهب النسيان كالأسماك وذاكرتها القوية؟ ماذا لو طابت لنا تلك نشوة السباحة؟ وماذا لو اختفى ذاك الجيل الذي يعرف الكلمات الخطيرة؟ وبقي الجيل الجديد بعجينته السوية؟ ماذا لو نسينا ونسينا أننا نسينا؟

الحقيقة فقط هي أننا قد رأينا ما لا يتوجب علينا رؤيته!

يقول الإنسان الحلزون في سره: إن مجتمعاتنا كانت منغلقة ومتناقضة، وأصبحت منفتحة على حين غرة فازدادت تناقضًا بعد تناقضها وعللًا بعد عللها، فنسيت ذلك كله وتعودت على نسيانها هذا فأصبحت تحوم في دهاليز الانحطاط أكثر وأكثر إلى ما لا نهاية. إننا عالقون في دوامة سرمدية لا عودة منها على الإطلاق. وبعد هذا كله، وفي عصرٍ كهذا العصر الرائع، «من عساه أن يعرف، بعد كل اعتبار، أن اثنين زائد اثنين يساويان أربعة».

ولكن.. لن يثوروا، ولن يعوا!

لكن لو قدر لإنسان شفاف أن يدرك هذا الواقع بمحض معجزة أو خيال.. فإن المصير محتوم لا محالة، كما يقول أورويل. وإن قدر لنا ثورةً خارقةً على أنفسنا و«جثث أجدادنا»، فإن الأمل عندها سيصبح تقريبًا كلوح صابون بين أيدينا.. لا سبيل لعدم استخدامه، ولا سبيل للتوقف عن إنهائه.

يقول أورويل في روايته بحوار جانبي مع بطل قصته «ونستون»: «إن شيئًا ما قتل بداخلك وأحرق ثم عولج موضعه بالكي»، «لن يسمع عنك المستقبل شيئًا، سوف تُزال من مسار التاريخ. وستحدث لك أشياء لن يمكنك أن تبرأ من آثارها حتى ولو عشت ألف عام. إن كل شيء سيموت بداخلك ستكون أجوف».

إن لهب النار يشتعل لظًا في كل من أدرك هذا الواقع البائس في مصادفةٍ أو تصميم.. فإن المدرك شيطانًا أحمرًا ملتهبًا، غريبًا أسودًا، شاذًا وملحدًا بكل ما هو قابل للإلحاد في طيات الفكر والتقاليد هنا. وإن لمن الصفات لهذا الإنسان «الحلزون» ما يكفي لتعبئة كتب ورفوف ومجلدات.. فالمدرك حلزون منغلق وحيد سُم فتاك وقتيل لا محالة. ليس الميت من تموت روحه وتنتقل لأخاديد السماء هنا، الميت هو من يموت إدراكه وعاطفته وإحساسه في مسير القطعان ولفحات الهواء القاتلة.

ولكن قد يرى البعض أنه من الجحود إبقاء حتمية العقاب والنهاية التراجيدية لكل ثورةٍ عذرية وإنسان حلزون يقرر في مسرّته «كأقل تقدير» أن يخرج للعالم حاملًا رايته البيضاء وأفكاره في حقيبته الشفافة. فإن أصحاب نظرية نصف الكأس الممتلئ – أولئك المؤمنون بوجود الكأس منذ الأزل، ومقتنعون أن لكل جانب سيئ لا بد عن وجود جانب جيد أمامه أو يعادله، ولكل نصف كأسٍ فارغة، نصفًا آخر مليئًا تحتها – يرون أن نقطة بحر التطور والتغير والايمان بالثورة عند المدرك، تعادل مجموع كؤوس الكوكب كله. فإن الانسان المدرك لخلايا تفكيره وواقعه وتلك السينتيمترات القليلة في دماغه، وبالرغم من كل جوانبه السيئة، إلا أننا وبكل تأكيد في يوم من الأيام الحزينة سوف نراه جميعًا واقفًا على ناصية المقصلة تحت غروب الشمس البرتقالي مقدمًا على أفظع الأعمال خطورةً التي لمن المستحيلات السبع أن نعملها نحن أو حتى نتجرأ ونفكر فيها.. والحقيقة هي أنه لمن المنطقي قولنا هنا بأن خطوة التغيير الأولى حتمًا هي الإدراك في معاييرها ككل، وبغض النظر عن تشعب الإدراك، إلا أنه كيف يمكن لشخص أن يغير شيئًا هو بنفسه لا يدركه ولا يعرفه حتى؟

لكن ومع هذا كله.. سوف يقرر «الإنسان الحلزون» في يومٍ من الأيام الأورنجية أن يكتب رسالة «ثورته وانتحاره» للعالم خارج نافذته.. فيبدأ واثق الخطوة ملكًا للأرض وما عليها، ماشيًا مقلوبًا على أصابع يديه إلى حفرته الأبدية.. إنه الحل الأخير، فهو مقتنع أن الرسالة وفحواها لا تكون ذي أهميةً كبيرةً في هذا العالم البسيط، بل الرسول نفسه، فالرسول في هذه البلدان، وقبل أن يتخذ آخر خطوةٍ في مقتله وقبيل أن يطلق رصاصة الرحمة على رأس كلماته وأفكاره ويردي نفسه منسيًا على أمنا الطبيعة، يجب عليه أولًا أن يقاتل بكل بسالة ووحشية في سبيل الحفاظ على آخر جزء من دماغه أراد أن يكون شاذًا عن كل شيءٍ هنا، عليه أن يكون سليم العقل، عليه أن يحافظ على تلك البقعة المحتشدة في عقله سليمةً معافاةً من كل خيبةٍ وغباء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد