ما دفعني إلى كتابة هذا الموضوع هو تسليط الضوء على قضية فلسفية طالما شغلت كبار الفلاسفة والمفكرين ومختلف مدارس علم النفس ومن مختلف الثقافات واﻷديان، فالمشاكل الفلسفية الهامة مستقاة من نظرية المعرفة الإدراكية وهي من المواضيع التي سال فيها الكثير من المداد بحثًا وتنقيبًا وتحليلاً ومن زوايا فلسفية مختلفة، ففلسفة اﻹدراك هي معينة بصورة أساسية بالإحساس الخارجي الذي يشبه خوارزميات الحواسيب التي تنقل البيانات بصورة معقدة من خلال عدد من المعلومات، لكن ما يهمني في هذا الموضوع هو تبسيط الفكرة و إيصالها إلى القارئ بطريقة سلسة وسهلة.

الإدراك البديهي أو الطبيعي

الإدراك البديهي أو الطبيعي أو التصوري هو الذي يأتينا إلا بمساعدة إحساس آخر بدون تعليم سابق والإدراك المكتسب يأتي من حس يستطيع أن يعطينا ظاهرة أو عادة من اجتماع مع حس آخر، فتستطيع اﻷذن الموسيقية المتمرنة والذواقة، أن تعين أحيانًا طبيعة الصوت، بل وأحيانا يغالي بعضهم فيجعلها تستطيع أن تعين الموسيقار الذي يلعب الدور، وكذا المتمرن على المشروبات، يستطيع أن يحكم على النوع من لونه، والكيميائي يقدر على تعيين الغاز من رائحته، وليست هذه إلا إدراكات مكتسبة من تجارب سابقة، احتبستها الذاكرة للانتفاع بها، ويحصل التعاون مع الأعضاء، فيستطيع الإنسان بالتجربة والعادة أن يصل إلى استقراء واستنتاج للظاهرة، وبحاسة النظر يستطيع أن يحدد اﻷوضاع واﻷبعاد لشيء ما، وبالسمع كذلك يقدر أن يعين المسافة بينه وبين الصوت، إلى آخر ما تستطيع أن تستفيد منه حواسنا.

افتراض الفكرة والصورة

لكي يتضح طريق الحواس في الحياة العقلية، يذهب بعض الفلاسفة ومنهم فلاسفة مسلمون أيضًا أمثال الفارابي وابن سينا أن كل الصور التي تدخرها ذاكرتنا لموضوعات مختلفة وشتى، علمتها النفس بطريق الحواس، ويقولون أن ليس لهذا الغرض قيمة علمية، يقول الفيلسوف اﻹستكلندي توماس ريد Thomas Reid مؤسس مدرسة اﻹدراك الفطري والذي اشتهر بأبحاثه وكتاباته في علم النفس «إن معرفة البعض من أنواع الأجسام الكثيرة تصل إلى النفس عن طريق الحواس، كما تعرف النفس حالتها بواسطة المشاعر والأحاسيس الداخلية وهذا كل مانستطيع أن نؤكده». وتحليل الفيلسوف ريد هو أدق وأشمل في توضيح هذه الفكرة.

الفرق بين الفكرة والصورة

وكمثال على ذلك، إذا استحضرنا مثلثًا في ذاكرتنا بطريق الصورة، ماذا سنعرف عنه، إذ تحدد لنا الصورة خصائصه وخواصه المميزة التي تعينه تمامًا، فهي تعرفنا قيمة أضلاعه ومقدار زواياه وامتداد سطحه، أما إذا استحضرناه بطريق الفكرة، فلا نعرف عنه إلا وجوده وطبيعته، ليس إلا معرفة إجمالية لا تتعدى أنه سطح محدود بثلاثة أضلاع.

وكمثال آخر لتقريب الفكرة وتوضيحها أكثر، لنأخد الشخص مثلا رجلا أو امرأة، بطريق الصورة فلا بد أن نتصور أطويل أم قصير، أبيض أم أسود، سليم أم مريض، وإذا أخذنا بطريق الفكرة، فلا نعرف إلا أنه (ها) كائن مفكر بدون أن نقف على أي ميزة أخرى، فالتفكير عام الموضوع، أما الصورة فخاصة، والفكرة واحدة، والصورة متعددة الزوايا والأبعاد، فنستطيع أن نوجد فكرة المثلث «سطح محدد بثلاثة أضلاع» وفي كل أنواع المثلثات والفكرة يمكن أن تمتد إلى ما وراء المادة، أما الصورة فلا تكون إلا ماديته، والصورة لا ترى إلا الشكل الظاهري، أما الفكرة فتبحث منها المواد التي بني عليها الشكل.

شروط التأكد البديهي

ولكي نتأكد من أن الحواس أدت مهمتها على أكمل وجه يلزم أن تتوفر فيها عدة شروط:
أولًا: يجب أن تعمل الحواس في المناخ الخاص بها، وفي حدود قدرتها الطبيعية فمثلا: نرى على بعد برجًا مستديرًا وهو في الحقيقة مربع، ولكن ظهر مستديرًا، لأنه بالمسافة البعيدة خرج عن طاقة النظر، وعما تعودت العين عليه.
ثانيًا: لا بد أن تظل الحواس في حالتها العادية، فمن ينظر إلى زجاجة وردية أو أي لون آخر، تتراءى له الدنيا بلون الزجاجة، ومن عنده الحمى لايستمرئ طعامًا.
ثالثًا: ألا يكون بين النظر والشيء المنظور، واسطة تقدر على تغيير اﻹدراك، فالعصا المغموس طرفها في الماء تظهر منكسرة تبعًا لقوانين الضوء.
رابعًا: أن تحفظ النفس بانتباه الحساسية الناتجة عن الموضوعات الخارجية، فمثلا إذا كنت مشغولًا بفكرة ما، تصرفنا عن كل شيء، فما نرى مما حولنا شيئًا، رغم انطباع الأشياء على شبكة العين، فالنفس في الحقيقة إذا ما انشغلت لم يعد بجوارها للأعضاء قيمة وما هي إلا واسطة من وسائط إدراكها وتمثلاتها… يتبع.
وفي المقال القادم سنتحدث عن العقل كنتاج لهذا الإدراك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!