العطر: قصة قاتل، رواية ألمانية كتبها باتريك زوسكند ونشرت في عام 1986. تعتبر هذه الرواية من أكبر النجاحات الإصدارية التي ميزت الأدب المعاصر, حيث تمت ترجمتها إلى أكثر من خمس وأربعين لغة. بيعت منها أكثر من خمسة عشر مليون نسخة حول العالم  رغم كونها أول الإبداعات الروائية لكاتبها باتريك زوسكيند الذي كتبها وهو في السادسة والثلاثين من عمره. امتد نجاح الرواية إلى الشاشة الكبرى حيث تحولت إلى فيلم في 2006 . أخرج  الفيلم توم تيكوير، وقام ببطولته بين ويشا، وآلان ريكمان، ورايتتشل هيردوود،وداستن هوفمان.

تدور أحداث الرواية في القرن الثامن عشر في فضاءات باريس وأيفرن ومنوبيلييه وغراس. تروي العطر سيرة حياة جان باتيست غرونوي (الضفدع بالفرنسية)، الشخصية الغرائبية من عوالم باريس السفلية والمتملكة لحاسة شم إعجازية. تسرد الرواية تطور حياة العطار غرونوي، وكيف غدا مجردًا من الخير والشر، لا يحركه إلا شغف لا متناهٍ، ولا يحده أي وازع أخلاقي.

غرونوي العطار الذي أثبت للعالم أن الإنسان له أن يجتاز حدود المعهود والمألوف إلى ما لا يدركه إلا صاحب الشأن ذاته, من النبوغ والعبقرية القاتلة, ولكن ذلك التميز لم يمنحه إحساسا بالسمو أو بالسعادة؛ بل دفعه ليكون القاتل الغريب الذي يوقع في شركه الصبايا الفاتنات. فنبوغه في جمع الروائح الطيارة دفعه إلى قتل الفتيات العذراوات الساحرات الجمال وحلق شعورهن ليستخلص منها عطرا, يجمع فيه خلاصة الانجذاب والتأثير الساحر ولكنه لا يدوم, فهو يفقد تأثيره مخلفا رائحة فعله القبيحة في كل مكان.

ما الذي جعلني أهتم بهذا الفيلم وبهذه الرواية؟

مشهد غرونوي صاحب الحاسة الخارقة المسخرة في الشر وهو يقوم باصطياد النساء الساحرات واحدة تلو الأخرى, حيث تجذبه رائحتهن الطبيعية الجذابة وتجعله يتتبعها برغم المسافات البعيدة. المرأة التي تحمل كل مقومات الجمال والجذب: تجعله يلحق بشذاها رغم بعد المسافة لتكون مكافأتها على روعتها: القتل والموت, ليمتص القاتل رحيق سحره بحلق شعرها واستخلاص عطرها في قارورته.

ذلك القاتل وتلك الضحايا اللاتي لا ذنب لهن سوى ذلك السحر الكامن في أعماقهن ذكرنني كثيرا بجميلاتنا, بمدننا الساحرة: بدمشق وحلب وحمص وبيروت وبغداد والموصل والقدس وعدن وصنعاء والقاهرة. تلك الفاتنات المذهلات اللاتي يحملن في ثنايا ثيابهن الملكية كل عبق التاريخ: ياسمين دمشق وزنوبيا تدمر وزبيدة بغداد وشجرة در القاهرة وبلقيس عدن، وكل ذلك الإرث من المجد الأقصى في طرفة عين من ثرى ثرياهن, من عظمة إنسانهن الذي يسيل دمه الأحمر الساخن على ترابهن من أجل ذلك السائل, ولكنه ليس العطر السائل الذي جمعه المهووس بالرغبة في السيطرة, بل سائل أسود يجمعه مهووسون آخرون بالرغبة في السيطرة التي تمر عبر القتل والدمار ولا شيء غيره.

تسجية الباهرات الحسن وامتصاص خلاصة سحرهن وتحويلهن إلى جثث هامدة مشوهة مشترك قوي بين ذلك العطار المجرم القاتل وذلك القاتل الذي تعاقب على انتهاك مدننا الجميلة واحدة تلو الأخرى, خمس وعشرون فتاة, وبضع وعشرون عاصمة عربية: واحدة تلو الأخرى.

تسمع صرخاتهن المكتومة في صدى الليل البعيد: بغداد وقد تشوه وجهها وحتى أعظم عشاقها بات عاجزا على أن يتبين طريقه إليها, دمشق التي تغير لونها وتحشرج صوتها المختنق بدنس غاصبها, حمص التي يبكي عشاقها بدم القلوب للأبد, وعدن وصنعاء اللتان صرخت من قلبيهما بلقيس, تطلب العون قبل أن ُيتم اغتصابها الجلاد. لا ذنب لهن سوى عظمتهن, طيبتهن وربما غفلتهن أمام مخططات المجرم الطويلة الأمد. فهن (المحصنات الغافلات) وهو الماكر الخبيث الذي يشتم رائحة الجمال الطاغي وكنزه العظيم, يخطط بصمت, ويجمع خيوط اللعبة بين يديه لينقض على فريسته وهي بقمة غفلتها البريئة.

الغفلة جرم الجميلات, وإعطاء الأمان والحرية للمجرم ليتحرك ويفعل ما يريد جرم أكبر.

المجرم القاتل أفلت مؤقتا بجريمته؛ حين نثر في الجو فقط قليلا من شذى السائل السحري الذي جمعه من ضحاياه واستطاع أن يغش الموجودين حوله ويتلاعب بهم بتاثير سلطة الجاذبية الخارقة للعطر, ففر بجريمته مؤقتا. لكنه عاد من حيث انطلق: إلى حيه القذر المزدحم بكل أشكال الدونية والقباحة وأفرغ زجاجة العطر الساحر بأكملها على نفسه ليقتله ذلك الجذب الهائل والسحر القاتل لضحاياه الفاتنات، فتهجم عليه الجموع لتقضي عليه ولا تترك له أي أثر سوى أثر الرائحة التي ما تلبث أن تذوب ذراتها في الهواء وتزول, ليعود إلى حيه الأول ومسقط رأسه, إلى رائحته النتنة التعيسة.

لعنة  الضحايا  الجميلات حلت على القاتل قفضت عليه ليعود من حيث بدأ من انحطاطه إلى انحطاطه. فمن يقتات على امتصاص نسغ الشجرة العريقة الجميلة سيسممه نسغها في نهاية المطاف, ومن يحاول أن يغطي قباحة فعله بشذاهن الساحر سينقلب عليه السحر عاجلا أم آجلا، ساعة تقرر الجميلات الغافلات أن وقت الانتقام قد حان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد