منذ عام 1884م، وحتى عام 1975م، كانت الصحراء تخضع للاحتلال الإسباني، احتلالٍ لم يكن يعرف للرحمة سبيلًا؛ فقد شرد الأهل وفرق الأحباب، وهذا غيض من فيض؛ ولأنه لم يكن يسع المعلومة أن تنتشر كما يحق لها الآن، سأحكي قصة رجل عاش ما عاشه من الويلات، وسأتحدث بلسانه في القادم من الأسطر.

لا أعلم من أين سأبدأ لك تفاصيل قصتي؛ لكن يا بني أتعلم كمَّ الألم الذي يعتريني كلما أتذكر أنني فارقت أبي دون أن أحتفظ بصورةٍ له في مخيلتي، لم أكن أعلم شيئًا حوله؛ لا شكلًا ولا مضمونًا، كل ما أعرفه؛ أنه رحل إلى جوار ربه؛ ليتركني أنا وإخوتي مع والدتي التي تكبدت عناء تربيتنا، لم يكن لنا من الأهل، والأحباب أحدًا، نطرق بابه عند الحاجة، دفعنا الجوع والعطش لمغادرة أهالينا، وأراضينا نواحي الداخلة؛ فلم نجد غير ضواحي مراكش ملجأً.

مرت السنون و الأعوام وأنا أمارس كل ما أجده من مهنة؛ حتى أوفر لنا قوتًا نتعفف به عن الإعالة، أسست أسرة، وصار لي أبناء، لكن كل هذه السنوات يا بني وما زلت أحس بنار غربة، لا يطفئها شيء سوى ملاقاة أهلي، ومما علمت، ووصلني من الأخبار؛ التي زادت من لهيب الغربة، وأوقدت حلم اللقاء أن لي عمًا يقال له «عبدالله»؛ ويعرف بالداه، يقيم بمنطقة مابين الداخلة وأوسرد، عزمت في قرارة نفسي أن أذهب لملاقاته.

لكن كيف سيتسنى لي ذلك، وأنا سأترك أبنائي من ورائي، وسأجد أمامي مستعمرًا، سيمنعني دخول الصحراء، ولو دفعه الأمر لقتلي؛ لمَ توانى عن ذلك؟ لكنني عقدت العزم على الرحيل، وليكلفني ذلك ما يشاء؛ المهم ألا أحس بغربةٍ بعد الآن وأن أجد ريح أبي في عمي؛ فما زال ألم الحرمان من صورته بمخيلتي، لم يفارق أضلعي، ولم يتبقَ لي أحد قد أجد فيه شيئًا من والدي سواه، ودعت الأهل و الأبناء وذهبت في حال سبيلي على أمل اللقاء بهم إن كان لنا في ذلك نصيب.

ركبنا الشاحنة المتوجهة جنوبًا؛ ولأن نفوذ المستعمر تبدأ من «الطاح» على مقربة من مدينة العيون، كان الاتفاق أن يتم إيصالي إلى مدينة الطنطان وبعدها سأتدبر حالي، وأجد لي منفذًا ألج من خلاله إلى أعماق الصحراء.
اتجهت إلى العيون وقد استغرقني ذلك ما يقارب خمسة أيام مشيًا على الأقدام، تسللت من خلال الكثبان الرملية، لأجد نفسي وسط العيون، لكن حتى تتم الرحلة كما كان مرسومًا لها، كان لابد لي من السؤال عن عمي، لعلي أجد خبرًا عنه، وعن الاتجاه الذي ينبغي أن أسلكه، لكن يا بني وقع المحظور، واتضح أنني وافد على تلك المنطقة بعد أن كنت من أهلها فيما سبق ووقعت بأيدي الشرطة الإسبانية.

اُقتِدت إلى سجن يبعد عن العيون ما يقارب خمسمائة كيلومتر، أو أكثر شرقًا، سأعرف فيما بعد أنه سجن «تفاريتي»، كل يوم مر كأنه عام. تم الحكم عليَّ بالأعمال الشاقة؛ أما المدة فبقيت مجهولة، كان من مجمل العقاب أن أقوم ببناء سور للسجن، ستخطر ببالك يا بني فكرة الهرب الآن، لكن ذلك غير ممكن لأن هربي يعني موتي عطشًا، فالسجن وويلاته أحب إلي من الهرب.

أتعلم يا بني أني بقيت بنفس اللباس مدة الحبس كاملةً دون أن يتسنى لي تغييره، لكن كل ذلك لم يكن يشغل بالي، ويؤلمني بقدر ما آلمتني حقيقة أنني حرمت من ريح أبي، فلم يكن لي غير عمي أجد فيه ريحه.

أتذكر كذلك من تركتهم خلفي من الأبناء، أتحسر على مآلهم، أكان منصفًا أن أذيقهم الآن من نفس الكأس التي شربت منها، أكان منصفًا أن يتجرعوا مرارة الفراق هم أيضًا، كيف لي أن أحرمهم من والدهم، هل سيصبح ألم الفراق عرفًا متوارثًا في العائلة، العلم لله في تلك اللحظات، كل ما كنت متأكدًا منه أن مصيري مجهول، ولا يحق لي سؤال سجاني عنه.

مرت أربعة أشهر يا بني، وفي صباح أحد الأيام، تم إبلاغي بخبر إخلاء سبيلي ليتم نقلي خارج نفوذ المستعمر ويلقى بي، قاومت حتى بلغت الطنطان ليعينني أناس لن أنسى جميلهم ما حييت، ركبت شاحنة متوجهة إلى مراكش.

عدت يا بني محملًا بخيبة ستعيش معي ما حييت، لكن كنت أمني النفس يومًا بخروج المستعمر، وأن نصير وطنًا واحدًا يسمح لي بالتحرك فيه دون قيود، فعلًا خرج المستعمر وصرنا وطنًا لكن بعد وفاة عمي.

كانت هذه كلمات جدي؛ وهو يتحسر على ما وقع له؛ حرم من الأب، والعم، وبقي ألم الفراق يسكن روحه؛ إلى أن وافته المنية؛ ليلتحق بهم؛ لعل اللقاء بهم سيكون في جنة الخلد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخلد, اللقاء, جنة
عرض التعليقات
تحميل المزيد