في البداية ما أكتبه يمثل وجهة نظري أو رأيًا أو أملًا بداخلي! نعم كان أملًا في ظل ما يمر به الوطن في السنوات الأربع التي تلت الانقلاب الدموي الذي أتى على الأخضر واليابس في الحياة السياسية الداخلية، وركع خارجيًّا تماما لمخابيل لا يعلمون إلى أي هاوية يجرون الوطن العربي والإسلامي، في ظل تطبيع كامل مع الكيان الصهيوني، وإعداد لما يسمى (صفقة القرن).

ومع التسريبات الأخيرة التي تؤكد خيانة هذا النظام، وأنه ماضٍ فيما أراد، حتى لو على دماء وطموح شباب ضحى بنفسه يومًا من أجل أن يحقق أحلامه وآماله في وطن حرٍّ يتساوى فيه كل أفراد المجتمع، فقراؤه مع أغنيائه، حكامه مع محكوميه، الكل سواء، يخضعون فقط للقانون وسلطته التي تحاسب الجميع بالعدل والإنصاف، لا بالظلم والأخذ بالظن، أو العقاب لمجرد انتماء فكري أو سياسي!

وها هي ذكرى ثورة يناير وجمعة الغضب وموقعة الجمل وما في طيات ذلك من تضحيات ودماء وبذل على الأبواب، كنت أظنها طاقة أمل.

طاقة أمل لأمهات لا يعلمن مصير أبنائهن المختفين من بداية الثورة، مرورًا بأيامها الخالدة ومشاهدها الحقة، وليس ختاما برابعة والنهضة وما تلاهما، قالظلم لم ينته، والاختفاء القسري ما زال مستمرا، والمختفون يتجاوز عددهم – على أقل تقدير – الألف، لا يعلم مصيرهم غير الله.

طاقة أمل لدماء الشهداء، لم نستطع إلى الآن أن نحاسب من أراقها، من بداية ثورة يناير مرورًا بأحداث أخرى عند مسرح البالون، إلى ماسبيرو، فمحمد محمود، فمجلس الوزراء، حتى رابعة ورمسيس، إلى القتل خارج إطار القانون، والتصفية الجسدية التي لم تترك أحدًا، ولم تفرق بين شاب وطفل، وامرأة وشيخ.

طاقة أمل لما يزيد عن أربعين ألف معتقل ظلمًا في سجون الانقلاب ينتظرون لحظة الخروج إلى الحياة من جديد، وأسرهم الذين يذوقون الأمرَّين في عذاب الزيارات التي تنهكهم نفسيًا وماديًا.

طاقة أمل للمطاردين داخل الوطن، لا يستطيعون أن يتواصلوا مع أسرهم، ولا يرون أبناءهم، يتنقلون من مكان إلى مكان هربًا من بطش نظام أقل ما يمكن أن يفعله بهم هو الاعتقال، هذا إن نجوا من التصفية الجسدية.

طاقة أمل للشباب الذي أصابته الصدمة بالانهيار التام، بعد أن تحطمت أحلامه، ورأى تضحياته ودماء أصحابه تضيع، وحتى هتافه الذي كان يدوي، لم يعد يستطيعه.

طاقة أمل للمنفيين جبرًا عنهم في بلاد غريبة يُستغلون فيها وتستغل ظروفهم تحت وطأة لقمة العيش، كل هؤلاء يتمنون لو يعودون إلى حياتهم ووطنهم، يتمنون الحلم الذي ضحَّوا من أجله دون انتظار أي أرباح، فإذا بهم منفيون لا يأبه لهم ولحالهم إلا أسرهم وقليل من المتعاطفين وكثير من المستغلين، سواء باسم الثورة، أو باسم الحاجة والعوز.

طاقة أمل للفقراء الذين لا يجدون لقمة لسد جوع الأطفال، أو مأوى غير سكنى المقابر والعشوائيات، ومنازل بلا أدنى مستوى من الخدمات، لا مياه، ولا كهرباء، ولا صرفَ صحيَّ، فهذا النظام لا يرى إلا أصحاب الأموال، والعاصمة الإدارية خير دليل، ومقولة: إن فقراء هذه العاصمة هم البوابون والخدم هي الحقيقة التى يعمل من أجلها هذا النظام.

طاقة أمل للمرضى الذين لا يجدون أدنى مستوى من الرعاية الصحية، فمصر بها أكبر عدد من المصابين بالاتهاب الكبدي (فيروس سي)، يُستغل علاجهم في الدعاية للمؤسسة العسكرية، فضلًا عن استغلالهم من أباطرة صناعة الأدوية، ولن أنسي مقولة الطبيب حين ذهبت لأحصل على علاج الفيروس، فقال لي: «أنت محافظ على صحتك، روح ولما تيجي تموت تعال خد العلاج»! هذه قيمة الإنسان في بلد لا يحترم الإنسان، ولا يعرف كيفية استثمار الطاقة البشرية.

طاقة أمل للأجيال القادمة للحصول على تعليم متطور حقا، وليس بتغيير نظام الثانوية العامة من سنة لاثنتين تارة، أو ثلاث تارة أخرى، ويسمونه تطويرًا! دون إفراز عقول تنتج وتنشط في البحوث العلمية إلا قليلا ممن يمتلكون إرادة، فيذهبون للتعليم خارج المنظومة الفاسدة.

طاقة أمل لكل ثورات الربيع العربي التي كان يأمل أصحابها وبلدانها في نجاح الثورة المصرية حتى تدعمهم في ثوراتهم، فكنا لهم الأمل والريادة، وعندما فشلنا فشلوا.

طاقة أمل في أن يعود الجيش إلى مهامه الرئيسة: حماية الوطن وحدوده، وليس التفريط في الأرض بسهولة.

طاقة أمل أن تعود للجيش عقيدته القتالية التي تغيرت، ليصبح العدو الحقيقي صديقًا، والأخ هو العدو، وأن يكون لمصر جيش احترافي، بعيدًا عن مصانع المكرونة وتعليب الجمبري. جيش لا يتحكم في الاقتصاد ويسيطر عليه ويحتكره ويعمل في السمسرة ويحارب الجميع في أرزاقهم من أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال كبار المنتجين والمستوردين إلى أصغر بائع خضروات في الأسواق.

طاقة أمل في عودة القضاء لنزاهته واستقلاله، فالذي نراه اليوم ما هو إلا سقطة في تاريخ القضاء، ولعنة سوف تمرضه سنواتٍ طوال، حتى يتعافى، ويعود الحصنَ والملجأ والأمان للناس من الظلم الواقع عليهم.

طاقة الأمل للعودة إلى الشارع والعمل بين الناس، ورفع واقع حقيقي، والتلاحم معهم في مشاكلهم، وعودة الثقة التي فُقدت بسبب الخوف والهلع من النظام وزابانيته الذين أغلقوا كل السبل أمام العمل العام والمجتمعي.

فلنغتنم الفرصة ولنحاول أن نسلك الطرق، وليس من الضروري أن نكون جميعا في طريق واحدة، بل من الممكن أن نسلك عدة طرق، لكن في النهاية الهدف واحد، نسعى جميعا لتحقيقه.

لكن هيهات فهذا النظام متخصص في قتل الأحلام كما يقتل المستقبل، كنت أرى الأمل في أن نكون تعلمنا الدرس، وأن نمارس عملا سياسيا منظما، سواء في الدفع بمرشح رئاسي أو على الأقل التصويت له، ليفتح الباب لترسيخ الديمقراطية، وفتح المجال السياسي، حتى لو من تيار مخالف لقناعتي، لكن النظام أغلق أي طاقة أمل، فهل يعلم النظام إلى أي هاوية يدفع من أرادوا الحرية، فأغلق كل السبل في وجوههم ليدفعهم دفعًا إلى أحد أمرين أحلاهما مر، إما التطرف وحمل السلاح لنيل الحرية أو الإلحاد والكفر، فكلا الأمرين يدمر المجتمع والوطن.

لذلك أتمنى من كل من يناضل من أجل الحرية أن نترك جميعا الجدال والخلاف، وأن نتفق على مبادئ جامعة إن أردنا لم شمل، للوقوف أمام هذا الديكتاتور المجنون، الذي يدفعنا دفعا لأن نيأس، ونترك أحلامنا، وما ضحى من أجله أطهر من فينا بمختلف انتماءاتهم على مدار السنوات السبع الماضية.

اجعلوا القادم مختلفًا، ليس من أجلنا، بل من أجل الأجيال القادمة، حتى لا يتهمونا بالتقصير أو التفريط في الفرص التي تتاح لنا ونركلها بالمزايدة ودعوى الثورية، وحتى لا نكون مثل الذين نلوم عليهم عدم التطور ومواكبة الأحداث والعمل على تنوع التكتيكات وتغييرها حسب المتاح، فالسياسة هي فن الممكن، لا تطوير السياسات حسب الأهواء والآمال، وكفانا تشكيك وتخوين.

اجعلوا من أصغر شعاع أمل طاقة لتحقيق الأحلام التى راح من أجلها شباب في عمر الزهور لم يخف أو يتراجع عن تحقيق الحلم فلا تخذلوهم ثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد