الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعد :

الفقه «فهم» خاص يتجاوز الفهوم العادية، وقدرة عقلية على الاستنباط تفوق عقلية التقليد والمحاكاة، ومِراس قائم على مراعاة كُليَّات الشريعة عند تطبيق الجُزئيات، وفق روح النصوص القطعية التي جاءت بالتيسير، ورفع الحرج، وحفظ المصالح والمقاصد.

ويتأكَّد هذا الأمر عندما نعرف أنَّ السياسة الشرعيَّة تقوم على معيار المصلحة العامَّة، والعدل العام، وتنظر دائمًا في المآلات، وتهمُّها المخرَجات التي سوف تؤول إليها السياسة، والأنشطة المختلفة فيها، وهذا كلُّه يجعل نظرية من قبيل تقييد المباح «للإمام تقييد المباح منعًا وإلزامًا» ومثيلاتها كقاعدة «حيث المصلحة فثم شرع الله»  وقاعدة «لا ينكر تغيير الأحكام بتغيير الزمان»، وقاعدة «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»، من أبرز الأبواب التي تخدم قواعد السياسة الشرعيَّة.

فالقواعد الفقهية الشرعية والقيم والمبادئ العامة تجعل الفقه في تنمية وتطور دائم، ويواكب الأحداث والتطورات الهائلة في شتى المجالات، لذلك يقول الإمام القرافي – رحمه الله – في «الفروق»: «وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق من فيها برع».

ولقد خول الشرع للحاكم العادل والدولة بمعناها المعاصر صلاحيات إدارة الدولة، وتنظيمها بما يراه مناسبًا وفق اجتهاداته، واجتهادات من يستعين بهم من الهيئات الحاكمة المساعدة، وفي هذا الصدد  ما نقله الزرقاني في شرحه للموطأ من أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.

وسأتناول في هذا المقام نظرية تقييد المباح، وشروطه، وسلطة الدولة في تقييده (في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، وموقف الفقهاء من تقييده وتمييزهم بين المباح الاقتضائي (المنصوص عليه)، وغير الاقتضائي (غير المنصوص عليه)، وحول العلاقة بين مدى التحريم الظني للمباح وبين الإلزام القانوني.

1- نظرية تقييد المباح عند الأصوليين

بالنظر إلى كتب أصول الفقه فإن الأصوليين لم يفردوا بابًا مستقلًّا؛ لنظرية تقييد المباح، أو لتعريفها، مثل باقي أبواب أصول الفقه المختلف فيها؛ كالاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، والعرف، وقول الصحابي، وسد الذرائع، وشرع من قبلنا، وبالرغم من تطبيق القاعدة عمليًّا، وربما يرجع هذا الأمر إلى سببين: (الأول حداثة فلسفة الدولة المعاصرة من كونها دولة متدخلة، يتوسع فيها ثقافة تقييد المباحات؛ لضبط أمور الدولة، وما أعقبها من تطورات هائلة ينتج منه نضج قانوني وتنظيمي، عكس النظم السياسية القديمة من كونها دول حارسة ذات نظام عسكري يقل فيها ثقافة تقييد المباح، الثاني: أن نظرية تقييد المباح داخلة تحت نظرية المصلحة بشكل أو بآخر، وتتشابك مع نظريتي سد الذرائع والتزاحم كما سنبين).

ومن خلال استقراء بعض الباحثين (ياسين بن علي) وتتبعهم لتطبيقات القاعدة من النصوص النبوية وآثار الصحابة عرفها بالآتي :

«الإمام أحد أفراد المباح الذي جاز فعله أو تركه أصلًا مع إلزام الناس بهذا الاختيار سواء بمنعهم من الفعل أو بإلزامهم به».

وعرفها الدكتور مصطفى السامرائي بقوله: «الحد من مباشرة الحق بقيود من الشارع ابتداءً أو بنظر فقهي ملزم ولمصلحة معتبرة».

2- أصل القاعدة

الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيم، لقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.

ولكن من خلال استقراء النصوص النبوية وعمل الصحابة نجد أصلًا لهذه القاعدة، وأنه يحق للحاكم تقييد المباح، إذا رأى أن المصلحة تقتضي ذلك، إذ إن المباح لا يباح على إطلاقه إذا تعلق بمصالح الغير فيحتاج إلى تنظيم وتدبير، فتقييد المباح ثبت مشروعيته بطريقي النصوص النبوية وآثار الصحابة.

فمن النصوص النبوية على مشروعية تقييد المباح، أنه – صلى الله عليه وسلم – اقتطع مساحات من الأراضي ينتفع بها جميع المسلمين للمنفعة والمصلحة العامة، وجعلها حمى أي لا يدخلها ولا يتصرف ولا يستغلها أحد، فيمنع عامة الناس بالرعي فيها رغم أنها ملكًا عامًّا ينتفع بها جميع المسلمين، فعن ابن عمر ﴿أن النبي ﷺ حمى النقيع لخيل المسلمين﴾، والنقيع هذا وادي يقع في جنوب المدينة المنورة.

وكذلك سار عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقد حمى الشرف والربذة؛ لإبل الصدقة لرعي إبل الجهاد، وعلق القاسم بن سلام في كتابه الأموال قائلًا:«إن للإمام أن يحمي ما كان لله مثل حمى النبي ﷺ ومثل ما حمى عمر».

مع ملاحظة أن التصرفات النبوية العمرية تصرفات سياسية إدارية؛ لتنظيم شئون المسلمين، وتغليب جانب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

إذ لا يخلو أي تصرف تنظيمي بين البشر من أضرار، فلا توجد مصلحة مطلقة، ولا توجد مفسدة مطلقة، الأمر موازنة وترجيحات بين المصالح والمفاسد، وإذا تزاحمت الواجبات يقدم الأهم على المهم؛ لذلك نلاحظ ما صرح به عمر، رضي الله، عنه تجاه أهل الربذة بقوله: «وايْمُ اللّهِ إنّهُمْ لَيَرَوْنَ أنّي قدْ ظَلَمْتُهُمْ، إنّهَا لَبِلَادُهُمْ، فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا في الجَاهِلِيّةِ، وأَسْلَمُوا عَلَيْهَا في الإسْلَامِ، والذي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْلَا المَالُ الذي أحْمِلُ عليه في سَبيلِ اللّهِ، ما حَمَيْتُ عليهم مِن بلَادِهِمْ شِبْرًا».

 إذ يحق للدولة إحياء الأرض الموات، من بناء المستشفيات، والمساجد، والمدارس، والمرافق عليها، وتخصيص أراضي لتدريب قوات الأمن فيها إلخ…، وكذلك نهيه ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أجل الدافة، وهم الضيوف الذين قدموا للمدينة المنورة، فعن سالم بن عمر قال:«إن رسول الله ﷺ نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث».

نجد أن ادخار لحوم الأضاحي مباح الأصل، إلا أنه طرأ على المباح عارض، حوله من الإباحة لعارض الإلزام لمصلحة ارتآها النبي ﷺ – وهو قدوم ضيوف إلى المدينة – بحكم كونه حاكم المسلمين، ومدير شؤون المجتمع الإسلامي، وحينما زال العارض عاد الحكم إلى أصله، وكذلك تحديده ﷺ عرض الطريق سبعة أذرع، فعن أبي هريرة أن  رسول الله ﷺ «قضى إن تنازع الناس في طرقهم جعلت سبعة أذرع».

مع ملاحظة أن الطريق منفعة عامة، وتحديد عرض الطريق يتم بطريقة عشوائية، طالما أن الغرض تم، وهو السير ومرور الناس والدواب، إلا أن عدم التنظيم أدى إلى التنازع بين الناس؛ الذي يوجب تدخل المشرع الملزم، بتحديد عرض الطريق سبعة أذرع فقيد النبي ﷺ المباح وحدد عدد عرض الطريق اجتهادًا منه ﷺ، وكما نبهنا إلى مقولة عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور.

وكذلك ما ألزم به سيدنا عمر بن الخطاب أهل الأمصار والكوفة من عدم التطاول في البنيان، وألا يزيدوا في البناء عن ثلاث غرف؛ نظرًا إلى الحريق الذي شاب في الكوفة وأسفر عنه حريق ثمانين عريشًا من القصب؛ فاستئذن أهل الكوفة من عمر أن يعيدوا إعمار الكوفة من جديد بالطوب اللبن، فأذن لهم، واشترط عليهم عمر الآتي: «افعلوا ولا يزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات – أي غرف – ولا تطاولوا في البنيان»، وعلل عمر تصرفه بهذا الأثر، عن عبد الله الرومي قال: «دخلت على أم طلق بيتها فإذا سمكه قصير يكاد ينال رأسي، فقلت لها: يا أم طلق ما أقصر سقف بيتك! فقالت: إي بني أما علمت ما كتب به عمر بن الخطاب إلى الأمصار والآفاق؟ كتب: ألا تطيلوا أعمالكم؛ فإنه من شر أعمالكم».

ونلاحظ أن البناء أمر مباح، دون تقييد بغرف أو أدوار معينة، إلا أن عمر ارتأى أن حياة الترف والنعيم تفسد أحوال الرعية، وأن التقشف هو ما يناسبهم؛ فقرر تقييد المباح وتحديد عدد الغرف والأدوار.

وكذلك ما كان منه، رضي الله عنه، بكتابة أموال الولاة (تقديم الذمة المالية) ومشاطرة أموالهم؛ تحسبًا من استغلال نفوذهم في مزاولة مهنة التجارة وانشغالهم عن أحوال الرعية، فعن عبد الله بن المبارك -رحمه الله – قال:«كان عمر بن الخطاب يكتب أموال عماله إذا ولاهم، ثم يقاسمهم ما: زاد على ذلك، وربما أخذه منهم».

ونلاحظ أن الناس مسلطون على أموالهم، ولا يحق لأحد نزع ملكيتهم منها، وقد راعت الشريعة هذا الحق، وخصصت العقوبات الرادعة على من يتعدى على ممتلكات الناس، وكذلك بالنسبة لمزاولة مهنة التجارة، إلا أن المصلحة العامة التي رآها عمر، رضي الله عنه، اقتضت أن تنتزع ملكية ولاته، وحظر مهنة التجارة في حقهم، فقيد المباح لعوارض تعلقت بمصالح الآخرين، وهم الرعية، وتغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، وإن أصابه ضرر خفيف من هذا الإجراء، فالولاية مسئولية ويجب تحمل تبعاتها، فالحاجة تنزل منزلة الضرورة، وحتى لا يتحول تسلطهم على الرعية من العدل إلى الجور، فعمر الخبير بفقه الواقع والتوقع، وفقه المآلات والمقاصدي، فقيه المصلحة وازن بين المصالح والمفاسد، وبين المهم والأهم، فغلب جانب الأهم، وهو مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.

وكذلك ما كان منه، رضي الله عنه، من منع الصحابة من السفر، والانتقال خارج المدينة المنورة إلا بإذن منه، أو لمهمة رسمية مثل تعيينهم ولاة أو قادة الجيش في الفتوحات الإسلامية، وقد كان – رضي الله عنه – ذا نظر ثاقب حيث قال – وقد تحققت قراءته للمستقبل: «إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد».

فإن الانتشار في البلاد والانتقال أمر مباح، إلا أن عمر، رضي الله عنه، قيد هذا المباح حتى لا يتحزب كل فريق حول الصحابة؛ نظرًا إلى شعبيتهم، ويفتتنوا بالدنيا وزينتها.

وفي عهده أيضًا، رضي الله عنه، ضاق المطاف واحتاج أن يوسعه، فهدم دورًا، ومنها دار العباس، رضي الله عنه، وكانت قريبة تطل على المسجد، فأكرهه على بيعها وأكرهه على المناقلة فيها، فنزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة، والقاعدة الشرعية تقول: «يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام»، كلها أضرار خاصة قصد منها دفع الضرر العام، وهذا هو مفهوم تقييد المباح.

3- تعقيب حول نصوص تقييد المباح

بملاحظة أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – هو من أسهب في تقييد المباحات، وسياسة التقشف، يقول الدكتور الريسوني: «وهذا الأصل من الأصول العمرية الواضحة، فقد عرف عمر، رضي الله عنه، بسياسته الوقائية وإجراءاته الردعية».

فقد ترك فراغًا سياسيًّا لم يملؤه أحد بعده، وما نجحت الدولة العمرية إلا بسياسة تقييد المباح وتنظيمه، وما خفقت الدولة العثمانية (نسبة إلى عثمان، رضى الله عنه) إلا بالتوسع في سياسة المباح، فكانت دولة عثمان، رضي الله عنه، وسياساته الانفتاحية على النقيض تمامًا من سياسات عمر التقشفية؛ نظرًا إلى نشأة الخليفة عثمان المترفة وثرائه، وحكم عمله كأحد تجار العرب الكبار، فأراد أن يوسع على الناس في أمور معاشهم كما نشأته؛ ، فأصبح نظام الدولة مفككًا هشًّا أشبه بالنظام القبلي لا قيود لا تنظيمات؛ فحدثت الكارثة وافتتن الناس بملذات الدنيا، وشهواتها، كما كان يحذر عمر بن الخطاب.

وحينما أراد الإمام علي أن يعيد سياسة عمر التقشفية واتخذ عدة قرارات إصلاحية في النظام الاقتصادي للدولة؛ قوبلت قراراته بالرفض، والتعنت؛ فتقبلوا من عمر ما لم يتقبلوه من علي! ربما تفسير هذا الموقف يرجع إلى كراهة قريش عودة النموذج العمري مرة أخرى؛ بعد أن وسع عليهم عثمان ما ضيقه عمر؛ ولهذا يصف الشعبي سياسة عمر بقوله: «لم يمت عمر رضي الله عنه حتى ملته قريش»، فثمة اعتراض من عمرو بن العاص حينما شاطر عمر أمواله وقام بحصرها بصفته واليًا، وتمنى أن لم يكن واليًا في هذه اللحظة، وتصريح عمر عن أهل الربذة بظنهم ظلم عمر لهم، وثمة اعتراض من قريش وكبار الصحابة حينما أقدم الإمام علي على مصادرة أموالهم وتوزيعها مرة أخرى؛ بعد تفحش ثرواتهم، وتركزها في عدة أشخاص، محتجين أن المال مالهم والناس مسلطون في أموالهم يتصرفون فيها بطرق التصرف الشرعية، ولا يحق للدولة مصادراتها!

ربما يكون لرأي الرافضين لسياسة التقشف وجاهة كما حدث مع أهل الربذة، وهذا ما استشعره عمر، ولكن هذا الاعتراض يتقبل كحادثة جزئية، ويبقى نظام الدولة قائمًا، أما أن يكون هذا الرفض جماعيًّا وما أدى من انهيار دولة الخلافة الراشدة، فلا معنى لهذا الرأي مطلقًا، بل الهاجس الذي انتاب عمر من الافتتان بالدنيا وملذاتها.

ويثور التساؤل هل هناك رابط بين تصرف الرافضين لسياسة التقشف وتقييد المباح عند الحاجة الواقعة والمتوقعة بين الماضي والحاضر ؟

يُتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد