لا أتحدث هنا عن دولة مستبدة، أو قانون جائر هناك أو هناك، أو سلطة تعسفت في استعمال سلطتها؛ بأن شرعت تقييد المباح في مسألة ما من أجل الأهواء وحلب شعبها، وتشريعات حمل على كاهل مواطنيها، بل أتحدث عن المبدأ ذاته، وإذا سألت أحدهم لماذا تتقبل قانونًا وقائيًا من عمر ولا تتقبله من سلطة معاصرة؟ يقول لك هذا عمر الملهم!، ولكن عمر استعمل سلطته الوقائية التدبيرية باعتباره حاكمًا يدير شئون أمته، وليس عمر بكونه صحابيًا من المبشرين بالجنة، فما يتقبل من عمر كسياسي محنك يتقبل من غيره، بشرط عدم التعسف في استعمال السلطة، وبشروط أخرى سوف نتحدث عنها في الفقرات القادمة، وعلى سبيل المثال:

هل إذا حددت دولة معاصرة أغلب سكانها مسلمون تحديد سن الزواج للجنسين؛ لوجود مصلحة في ذلك هل تخالف بذلك الشريعة باتباعها أفكار الغرب؟

وماذا عن تقييد الدولة العثمانية المباح بتحديد سن الزواج على يد السلطان محمد رشاد؟!، بل بالنظر إلى قوانين الزواج في الدولة العثمانية نجد العجب العجاب في تقييد المباح وإلزامه على رعاياها:

1- تبدأ مدة الزواج الاختياري من سن 18 وتنتهي في سن 25 ومن لم يتزوج في الـ25 يجبر علي الزواج.

2- إذا امتنع الشخص عن الزواج بعد هذه السن بحجة أنه مريض يكشف عليه، إذا كان مرضه قابلًا للشفاء يؤجل إجباره إلي أن يبرأ، وإن كان المرض غير قابل للشفاء يمنع من الزواج.

3- إذا امتنع الشخص عن الزواج بعد الـ25 بلا عذر شرعي يؤخذ منه بالقوة ربع دخله سواء كان ربع ملكه أو ربح تجارته أو أجرة صناعته، ويوضع في البنك الزراعي ليصرف منه علي من يريد الزواج من الفقراء إكرامًا لهم.

4- كل من لم يتزوج بعد الـ25 لا يقبل بوظيفة مطلقًا في مصالح الحكومة ولا ينتخب في هيئة من الهيئات ولا يعهد إليه بمنصب أو أمر من الأمور وإذا كان موظفًا يتم إعفاؤه.

4_ الخلاف الفقهي المعاصر بين المباح (الاقتضائي) المنصوص عليه والمباح (غير الاقتضائي) غير المنصوص عليه.

ينقسم المباح إلى قسمين: (الأول المنصوص عليه، كإباحة الزواج ولوازمه والأكل والشرب والصيد والتجارة والبيع والشراء إلخ… والثاني بحكم البراءة الأصلية الدال عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.

المباح الاقتضائي هو المنصوص على إباحته في القرآن الكريم؛ كتوسعة لله تعالى على عباده ولتمام نعمه، وفضله بهم؛ فلا يحق لأحد مهما كان أن يقيد جنس هذا النوع من المباح، اتفاقًا بين جماهير أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في تقييد بعض أفراده لظروف طرأت على هذا المباح كما سنبين.

أما التقييد بحكم البراءة الأصلية غير المنصوص عليه فلا خلاف بين أهل العلم في جواز تقييده، إذا اقتضت الضرورة لذلك،وهذا هو عماد نظام الدولة المتدخلة كقوانين المرور، قوانين الصيد وحظر أصحاب الأساطيل البحرية من الصيد في أماكن وأوقات معينة، إنشاء محميات للحيوانات النادرة القابلة للانقراض، وحظر صيدها، وتوقيع عقوبة مالية أو بدنية لمن يعرضها للخطر والإيذاء، المنع من السفر بحق رجال الأعمال الذين يسحبون قروض بمبالغ كبيرة من البنوك، نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة كإنشاء الطرق، وبناء المستشفيات، والمدارس والجامعات، والمساجد، تحديد سن الزواج والفحص الطبي للزوجين، فرض الضرائب والرسوم الجمركية على البضائع والمعدات الثقيلة، حظر استيراد المنتجات من الخارج لتشجيع الصناعة المحلية، حظر مزاولة مهنة التجارة في دوائر الموظفين الرسميين للدولة، حظرالاستغلال الشخصي للثروات الطبيعية من طاقة متجددة وغير متجددة، الترخيص بإحياء الأرض الموات، تسعير المنتجات عند جشع التجار، واحتكار السلع …إلخ.

بعض نماذج حول الخلاف في تقييد المباح المنصوص عليه

ذكرنا سابقًا أنه لا يوجد خلاف بين أهل العلم حول حرمة تقييد جنس المباح المنصوص عليه؛ فليس لأحد سلطة حظر النكاح، والأكل والشرب، والنوم والمرور، والتنقل والسفر كلية؛ ولما فيه من توسعة الله على عباده؛ ولقوله تعالى ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، ولكن الخلاف قائم حول تقييد أفراد جنس المباح المنصوص عليه؛ لظروف طرئت على هذا النوع من المباح، ومن هذه النماذج المعاصرة التي خضعت للتقييد وجرى الخلاف الفقهي فيها:

مسألة تقييد تعدد الزوجات

أباح الشرع تعدد الزوجات بضوابط معينة، كالعدل بين الزوجات وتقييد العدد، بعد أن كان غير منظم في الجاهلية، ويحل للزوج أن يتزوج ما يشاء، فنظمه وأقره ومارسه النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضوان الله عليهم، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا).

فالتعدد لم يعده الشرع ركنًا من أركان الحياة الزوجية، وسبل استقرارها، ولا واجب يلزم به، بل أمر مباح واشترط فيه العدل بين الزوجات، يقول الطاهر بن عاشور: (إذا لم يقم تعدد النساء على قاعدة العدل بينهن؛ اختل نظام العائلة، وحدثت الفتن فيها، ونشأ عقوق الزوجات، ونشأ عقوق الأبناء آباءهم في زوجاتهم وأبنائهم .

ولكن هذا المباح قد تم تقييده من النظم المعاصرة وهو ما سنناقشه.

حظر تعدد الزوجات بشكل مطلق (جنس المباح)

هناك من الدول من قيدت إباحة تعدد الزوجات بمنعه مطلقًا، وهو ما اتفق الفقهاء على تحريمه مطلقًا؛ لمخالفته الأدلة الشرعية التي تحرم التقول على الله فيما أباحه لعباده، فمن أوائل الدول الإسلامية التي حظرت تعدد الزوجات بشكل مطلق هي تركيا في بدايات القرن العشرين نظرها؛ لتأثرها بالعلمانية المتطرفة، يقول الشيخ شلتوت:    -رحمه الله- (وهذه أمة شرقية مسلمة نشأت في أحضان الإسلام ثم تغلبت عليها نزعات الغرب، ولوت وجهها عن الإسلام، واتخذت قانونًا مدنيًا صار بموجبه منع تعدد الزوجات، وكان ذلك سنة 1926، ولكن لم تمض بعد ثماني سنوات حتى هال أولياء الأمور فيها عدد الولادات السرية، وعدد الزوجات السرية العرفية، وعدد وفيات الأطفال المكتومة)، وتبعت القانون التركي دولة تونس، إذ حظرت تعدد الزوجات بشكل مطلق، وحددت عقوبة مالية وبدنية لمن يخالف قانون الحظر، وقد استهجن ذلك الشيخ أبو زهرة -في كتابه محاضرات في عقد الزواج وآثاره-؛ نظرًا لبعد هذا الإجراء المنحرف عما جاء به الشرع.

تقييد تعدد الزوجات (أفراد المباح)

هذا النوع من المباح المنصوص عليه وتقييده جزئيًا لا كليًا -كما تركيا وتونس- اختلفت وجهات نظر الفقهاء فيه على النحو الآتي:

أغلب الدول العربية في قوانين الأسرة والأحوال الشخصية قد قامت بتقييد تعدد الزوجات؛ لتضييق الإقدام عليه، بأن جعلته مقيدًا بإذن القاضي، كما في القانون المصري والعراقي والليبي والمغربي والسوري، ونجد أن القوانين كلها متشابهة؛ لذلك نكتفي بالقانون السوري؛ لتعليق الدكتور مصطفى السباعي عليه، ونقارن موقفه بموقف الشيخ شلتوت رحمهم الله تعالى، القانون السوري اشترط إذن القاضي، والذي بدوره ينظر إلى كون الزوج يصلح ماديًا للزواج من أخرى أم لا، بتقديم ضمانات تأهيلية كتقديم الذمة المالية، وتوفير سكن للزوجة الثانية، ونوع الوظيفة وراتبه الشهري …إلخ، فيتحقق القاضي من خلالها أنه قادر على نفقة الزوجة الثانية، فالزواج بأخرى في القانون السوري موقوف وقفًا إجباريًا بإذن القاضي؛ لحماية الزوجة الأخرى، وصيانة حقوقها، والمساواة بمثيلاتها من النساء في النفقة، وقد أشاد الدكتور مصطفى السباعي بهذا القانون ووصفه بأنه: «أعدل المواقف وأحكامها، وقد وقف في ذلك موقفًا وسطًا بين المانعين والمطلقين الذين يمنعون أي قيد فيه».

إلا أننا نجد الشيخ شلتوت يرفض هذا النوع من تقييد المباح أيضًا،مستنكرًا من ينادي به، حيث يقول: (لم يقف الأمر عند الكلام بل قامت حركات تطالب الحكومات بمنع التعدد أو تقييده، وكان من أبرزها الحركة التي قامت بها وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية سنة 1945، ووضعت مشروعًا بتقييد تعدد الزوجات بإذن القاضي الشرعي، بعد الفحص والتحقيق من أن سلوك المتزوج الذي يريد أن يتزوج بأخرى وأحوال معيشته؛ يؤمن معها قيامه بحسن المعاشرة، والإنفاق على أكثر ممن في عصمته، ومن تجب عليه نفقتهم من أصوله وفروعه).

ويقول أيضًا: (تعدد الزوجات إحدى المسائل التي لصوت الغرب ودعايته المسمومة أثر في توجيه الأفكار لنقدها، حتى حاول بعض أبناء المسلمين في فترات متعاقبة -ولا يزالون يحاولون- وضع تشريع لها يقيد من إطلاقها).

هناك نجد تباينًا في وجهات نظر أحد أعلام الفقه المعاصر فالمجيز له أسبابه والمانع له أسبابه ومبرراته، بيد أن الفقه الحركي المقاصدي المتمثل في فكر الدكتور مصطفى السباعي الذي يخاطب المجتمع، الملتحم بالجماهير، ويغلب مصلحة جانب الجماعات على جانب الفرد، يجعله أقرب للواقع من الفقه الذي يغلب جانب الفرد على جانب المجتمع، المتمثل في فكر الشيخ شلتوت، والحريص على ثبوت الحق للأفراد، حتى وإن انتشرت السلبيات جراء تصرفات الأفراد تجاه هذا المباح، فالكثير من الناس يسيء استعمال سلطة المباح بدون قيود، فماذا لو لم يقيد المباح في تعدد الزوجات بإذن القاضي؟، كيف نضمن للزوجة الثانية حقوقها المالية، ومساواتها بمثيلاتها؟، ماذا لو تزوجها وبعد فترة خدعها، وقام بالجمع بينها وبين زوجتها الأولى في منزل واحد؟ أو تبين أن ليس لديه مال ينفق عليها؟، والغالب والسمة العامة أن عامة الناس يسيء استعمال سلطة المباح، وصدق عمر في توصيفه ما عليه حال الناس (تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور).

فكان لا بد من وضع قيود وتشريعات تحد من المباح؛ إذا تعلق بمصالح الغير، ففقيه المصلحة الحركي ينظر نظرة عامة كلية ومن ثم يصدر حكمه؛ ليستفيد أكبر قدر من الأفراد، والقاعدة: تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وفقيه النص ينظر نظرية جزئية خاصة بحال الفرد، دون النظر إلى فقه المآلات، وتعلق تصرفه بمصلحة الغير، وليس أدل من تصرفات عمر التدبيرية فقيد أفراد المباح المنصوص عليه مثل (منع ولاته الزواج من الكتابيات) والنص القرآني أباح الزواج منهن، فكان تقييده وقائيًّا؛ لمصلحة رآها، وذلك بعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية خشي عمر أن يتزوج الفاتحون بالكتابيات ومن ثم كساد سوق النساء المسلمات، فبدأ بالإجراء الوقائي على ولاته أولًا؛ فبهم يقتدي الناس، وهذا يدل عدم التفرقة بين تقييد أفراد المباح المنصوص عليه (الاقتضائي) وبين المباح غير المنصوص عليه، فالعبرة بتحقيق أكبر قدر من المصلحة للمجتمع والحد من المفسدة؛ إذا ترتب على فعل المباح بدون قيود إضرار بالغير، والقاعدة: (كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أفرادِ المُباحِ إِذا كانَ يُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ يُمْنَعُ ذلِكَ الفَرْدُ ويَبْقى الأَمْرُ مُباحًا).

5- العلاقة بين التحريم الظني للمباح المفضي للحرام والحظر القانوني (البديل الفقهي)

شن الفقيه الأندلسي ابن حزم هجومًا حادًا على أصحاب نظرية فقه سد الذرائع (التحريم الظني للمباح المفضي للحرام)، أراد بهجومه هدم النظرية بالكلية، وبأدلة نصية احتج بها عليهم، يقول ابن حزم:

«ومما يبطل قولهم غاية الإبطال قول الله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: 116)، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: 59) فصحّ بهاتين الآيتين أنّ كلّ من حلّل أو حرّم ما لم يأت بإذن من الله تعالى في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذبًا، ونحن على يقين من أنّ الله تعالى قد أحلّ لنا كلّ ما خلق في الأرض، إلا ما فصّل لنا تحريمه بالنصّ.. فبطل بهذين النصّين الجليّين أن يحرّم أحد شيئًا باحتياطٍ أو خوف تذرّع».

يُــتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد