عندما تذهب إلى هيئة أو مؤسسة ما في شتى محافظات المحروسة، حيث مصر البلد الحبيب لقلوبنا، لاستخراج أي تصريح أو لأي عمل ما، تشعر وكأنك في بلد غريب، كما تشعر بحالة من الذل والمهانة وكأن الموظف يمن عليك إذا أردت أن تتبع دولة القانون، ولا ينقص سوى أن يسألك الموظف، الذي دائما ما تجد درجه مفتوحا، يتلقى فيه رشاوى الناس وأعطياتهم، ءأنت بالفعل مصري أم أجنبي؟ وربما يكون الغرباء في بلدنا أكثر احترامًا وتقديرًا!

إن دولة مثل مصر التي بها نحو 6.5 مليون موظف، أي أن كل موظف يقوم بخدمة 14 أو 15 مواطنًا فقط، ومع ذلك تجد المأساة والرشاوى والطوابير وسوء المعاملة، يعنى بالبلدي عايز تخلص مصلحتك “شخلل جيبك” عشان تعدي أو “روح وتعالى بكرة يا سيد”، ولو ذهبنا إلى دولة مثل اليابان والتي يصل عدد سكانها إلى قرابة الـ 140 مليون نسمة، وعدد موظفي الدولة بها لا يتجاوز الـ 40% مقارنة بعدد العاملين بالدولة في مصر؛ تجد المواطن أكثر شعورا بالراحة والتقدير الذي نفتقده في بلدنا الحبيبة.

اليابان من الدول الناجحة والمتقدمة علميًا وصناعيًا، بل وتكنولوجيًا وبحاجة إلى مزيد من الموظفين لتتواكب مع عدد سكانها، على عكس ما يحدث في مصر والتي بها معدل عمل الموظف طبقًا لآخر إحصائية لم يتجاوز الـ 30 دقيقة، ومع تعداد سكان اليابان الهائل، قررت الحكومة هناك تخفيض عدد الموظفين بها عام 2013 بنسبة 40% عما كانوا عليه في العام 2009، بهدف الدعم الشعبي لخطة رئيس الوزراء “يوشيهيكو نودا”، لزيادة عائدات الضرائب من خلال إعطاء الانطباع بأن الحكومة تبذل كل ما بوسعها لتنظيم “البيروقراطية”، لماذا كل هذه المقدمة الطويلة عزيزي القارئ؟ نسرد أسبابها فيما يلي:

وهي حكاية، مواطن مصري بسيط، أمي لا يجيد القراءة والكتابة يدعى “عيد م.خ”، يقطن في قرية صغيرة من مركز حوش عيسى – بحيرة، ينتمي إلى هذا البلد؛ كما أنه يحمل الجنسية المصرية وليس الأجنبية، لديه قطعة أرض بمساحة 2.5 فدان، كما أن لديه منزلا بالمسلح عمره الافتراضي لا يقل عن 40 عامًا وآيل للسقوط وبه تشققات وعلى وشك الإنهيار.

المشكلة ببساطة عندما أراد هذا المواطن البسيط أن يستخرج تصريحًا للبناء حتى لا يقوم بالبناء المخالف، ويا ليته لم يذهب على حد قوله!

يروي “عيد” قصته المريرة قائلًا: البداية عندما ذهبت إلى الجمعية الزراعية كي أستخرج تصريحًا لإعادة بناء منزلي، فعنفني الموظف وكأني ارتكبت جرمًا ما وقال لي: روح ابنى مخالف “لأنك مش هتعرف تستخرج تصريح أصلًا”، فلم أيأس وذهبت إلى مدير مكتب الزراعة بالمركز وبدا تعاونه، ومن ثم إلى المجلس المحلي، ثم إلى رئيس القرية، ثم إلى مكتب الري، ثم مكتب البيئة وهكذا، وبعد هذه الجهات العديدة التي وافقت لي بعد عناء ومرار شديد، كان الرد بعد ذلك: “انتظر حتى تخرج لجنة مشكلة من مجلس المدينة والزراعة لمعاينة المنزل مرة أخرى؛ التي مكثت أنتظرها شهرا حتى خرجت تلك اللجنة للمعاينة.

وسرد المواطن “عيد” وهو يشعر بالأسى والحزن: انتهي الشهر وخرجت اللجنة المشكلة من عدة جهات بعد اتصالات عديدة وأعطتني الموافقة بأن المنزل آيل للسقوط وعلى وشك الانهيار وخطر على الأرواح، ومن ثم قمت بتسليم الأوراق إلى مكتب الزراعة مرة أخرى والتي أكدت أنه سيذهب إلى المديرية بالمحافظة ومن ثم إلى قطاع حماية الأراضي بالوزارة، علما بأن موافقة هذه الجهات لم تكن إلا من خلال وساطة أحد الأشخاص الذي استطاع التواصل مع هذه الجهات ومخاطبة المسؤولين.

وتابع قائلًا، المفاجأة: كانت أن مكثت الأوراق قرابة الشهر في جهاز يسمى “مركز التوثيق والمعلومات”، وشهرا آخر في قطاع حماية الأراضي؛ والذي كان يترأسه شخص حسابه على الله وذهب إلى حال سبيله؛ يعنى إجمالي ثمانية أشهر منذ أن أخطات وفكرت أن أتبع دولة القانون، حيث تدخل الشخص الذي يستطيع التواصل مع المسؤولين وقام بالاتصال برئيس القطاع آنذاك، بناءً على تظلماتي ومعاناتي، إلا أنه كان الرد بعد ذلك هو أن المنزل جاء بعد التصوير الجوي لعام 1985 وبالتالي هو في أرض زراعية، يعني بالبلدي “خلي المنزل ينهار عليك أنت وأسرتك وكأن أرواح هذه الأسرة لا تساوي شيئا أو قيمة لدى الدولة أوهؤلاء المسؤولين”.

بعدها تواصل هذا الشخص الذي يقوم بمساعدتي بمحافظ البحيرة والذي وعده بإنهاء معاناتي وأملا في أن أحصل على تصريح البناء قبل أن أدفع حياتي وعائلتي ثمنا لتجاهل المسؤولين!

بعد قصة المواطن المريرة، نستخلص ما يلي:

• كم من المئات، بل آلالاف من المواطنين الذين يعانون ظلم وتجاهل المسؤولين والتي لا يعلم حالهم إلا الله.

• متى تتغير سياسة الدولة وتتحرك لمحاسبة المقصرين وما يرتكب بحق المواطن؛ والتي تجعله يفكر بدلا من المرة ألفا قبل أن يذهب إلى الموظف ويفضل المخالفة بديلا عن المعاناة.

 

• فساد المؤسسات الحكومية؛ مرض تاريخي في تطور البيروقراطية؛ لا بد من القضاء عليه .

 

• تعدد التشريعات والقرارات الوزارية والقوانين التي تصل لأكثر من 80 ألف قانون بحاجة إلى مراجعة في أقرب وقت ممكن.

• تفعيل دور الرقابة والتفتيش التي هي بحاجة أيضًا إلى رقابة لدى المؤسسات والمكاتب الصغيرة للشعور بمعاناة المواطن البسيط.

 

• رئيس الحكومة يعمل في واد والمؤسسات والهيئات تعمل في واد آخر.

 

• معاناة البسطاء والفقراء وشعورهم بالمهانة كما هي لم تتغير حتى اللحظة.

 

• وجود المحسوبيات والرشاوى داخل مؤسسات الدولة لم تتراجع؛ بل في ازدياد.

بالفعل نرى رئيس الحكومة يتحرك دائما وقد ضرب نموذجا يحتذى به لمن يأتي بعده، لكن هيهات هيهات؛ معاناة المواطنين كما هي لم تتغير، لأنه ببساطة الفقراء والضعفاء لا يستطيعون الوصول إلى رئيس الوزراء، كما أن هناك من الوزراء والمحافظين المعروفين حتى الجدد؛ من يدلي بتصريحاته البراقة وهو جالس أمام شاشات التلفاز وتحت التكييف بعيدا عن مشاكل وحياة المواطنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد