جاءت فكرة السلام الدائم كرد فعل على الحروب الدامية التي عاشتها أوروبا والعالم، وبعكس النظرة التشاؤمية والواقعية التي حملتها فلسفات ومؤلفات العديد من فلاسفة حقبة التنوير، كانت أفكار الفيلسوف إيمانويل كانط متفائلة ومثاليّة وتدعو إلى إنشاء سلام دائم بين الأمم.

في الحقيقة ظهرت أهمية نظرية كانط عن السلام الدائم بعد أكثر من قرن ونصف قرن من الزمن حيث كانت أفكاره ملهمة للرئيس الأمريكي ووردرو ويلسن الذي وضع 14 نقطة كمحددات أساسية لنظام العلاقات الدولية الجديد والتي بدورها أدت لتأسيس العديد من المفاهيم التي نعرفها اليوم مثل إنشاء عصبة الأمم التي تحولت لمنظمة الأمم المتحدة، وترسيخ مفهوم حقوق الأقليات، وجعل المعاهدات الدولية غير سرية لتتطور فيما بعد إلى ما يسمى اليوم بالقانون الدولي.

لا بد إذًا من أن نفهم الشروط أو القواعد الرئيسية التي وضعها كانط للوصول إلى السلام الدائم بين الأمم:

1- لا يمكننا اعتبار أي عملية سلام صحيحة إذا ما امتلك أحد أطرافها تحفظات سرية يمكن أن تؤدي إلى حرب مستقبلية: هنا يمكننا أن نفهم ما يقصده كانط من خلال دراسة التاريخ، فلقد كان صناع القرار يتخذون من السلام وسيلة للحرب، حيث كانت معظم عمليات السلام تعقد بسبب التغيّرات في توازن القوى، تحقيق الأهداف الاستراتيجية من الحرب، أو بغرض إعادة تنظيم الصفوف للمشاركة في حرب مستقبلية، يظهر هذا جليًا على سبيل المثال في الحروب العثمانية الروسية فلقد خاضت الإمبراطوريتان ثماني حروب فقط خلال الفترة ما بين الأعوام (1710 – 1878).

2- لا يجوز أن يتم الاستحواذ على أي دولة ذات وجود بغض النظر عن حجمها من قبل أي دولة أخرى سواء بالميراث، المقايضة، الشراء، أو التبرع: في الحقيقة لفهم هذه القاعدة يتوجب علينا أن نفهم أنظمة الحكم الملكية وكيفية تعاطي السلطة الملكية مع الدولة بأرضها وشعبها تاريخيًا حيث يبقى مثال ملك آل هابسبورغ شارل الخامس الأكثر تعبيرًا عن تلك الحالة حيث إنه حصد العديد من الألقاب والأراضي بعضها عن طريق الميراث وبعضها عن طريق الزواج ليحكم إمبراطويةً لا تغيب عنها الشمس. حيث يعتبر كانط أن ظهور الدولة القومية ذات السيادة يوجب إلغاء نظام الملكيات والإمبراطوريات الذي تحدثنا عنه، وهنا يمكننا أن نلحظ أن كانط كان يمهد لنظام عالمي لم تتضح معالمه بعد.

3- يتوجب إلغاء الجيوش بصورة دائمة مع مرور الزمن: بما أن كانط ينتمي لحقبة كانت توازنات القوى فيها تحكم النظام الدولي فلقد تمكن من فهم معضلة الأمن بشكل مبكر. حيث إن معضلة الأمن تعني خوف الدول من المقدرات العسكرية لجيرانها مما يدفعها لزيادة التسلح وهو الأمر الذي يثير مخاوف جيرانها مما يؤدي إلى سباق تسلح تراكمي لكل الدول. كمثال حي يمكن أن نرى تأثير معضلة الأمن خلال سباق التسلح النووي الذي حصل خلال حقبة الحرب الباردة أو من خلال مراقبة السلوك في العلاقات السعودية الإيرانية خلال الأعوام الثلاثين المنصرمة.

4- لا يجوز أن يمس التعاقد على الديون الوطنية بالشؤون الخارجية للدول المتعاقدة: لا يمكن أن نتجاهل قوة المال بوصفها وجهًا من أوجه السلطة، لذلك فقد اعتبر كانط أن التعاملات المالية بين الدول يجب أن تتم بمعزل عن السيادة الوطنية لتلك الدول بغرض تجنب انتقاص تلك السيادة، لأن الدول ذات السيادة المنقوصة تكون أكثر عرضة للقلاقل الداخلية والخارجية وهو الأمر الذي يمكن أن يهدد السلام الدائم. هنا لا بد لنا من العودة لشروط معاهدة فيرساي التي تم فرضها على ألمانيا عقب خسارتها للحرب العالمية الثانية، والتي اعتبرها الشعب الألماني مذلة فاضطروا للقبول بها مجبرين ريثما أعادت ألمانيا بناء قوتها لتشعل الحرب العالمية الثانية.

5- لا يجوز لأي دولة أن تتدخل بالقوة في دستور أو حكومة أي دولة أخرى: بشكل مشابه للقاعدة السابقة فإن هذا التدخل يعتبر انتهاكًا صريحًا لسيادة الدول، وهو الأمر الذي سوف يؤدي بشكل مؤكد لتهديد السلام داخليًا وعالميًا. حيث يمكننا أن نعتبر مستنقع فيتنام الذي دخلت فيه الولايات المتحدة قد جاء نتيجة دعمها طرفًا غير مرغوب به من قبل العديد من الشخصيات الفيتنامية، مما أدى إلى تنامي المقاومة الشعبية الفيتنامية ضد جنودها وبالتالي تعاظُم خسائرها المادية والمعنوية، ويبقى المثير للسخرية أن المحافظين الجدد في الولايات المتحدة لم يتعلموا شيئًا من درس فيتنام فأعادوا التجربة الفاشلة في العراق عام 2003.

6- في حالات الحرب لا يجوز للدول المتحاربة أن تستخدم أساليب يكون التوصل معها للسلام مستحيلًا: يمكننا أن نعتبر هذه القاعدة بمثابة حجر الأساس لقواعد الاشتباك في القانون الدولي ومحددات الأساليب الحربية المشروعة مقابل تلك المحرمة دوليًا. ومع أن استخدام أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الفتاكة المحرمة دوليًا لم يكن موجودًا في زمن كانط، ولكن الشرف العسكري وقواعد الاشتباك العرفية الصحيحة كانت قد تطورت مع تطور الحضارات منذ أزمان غابرة.

7- الدستور المدني في كل الدول يجب أن يكون جمهوريًا: حيث إن الدستور المدني لا يعزز السلام الداخلي (من خلال تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية) وحسب، وإنما يحول دون وجود صلاحيات تقرير السلم والحرب في يد أقليات سلطوية، ويمنحها لممثلي الشعب الحقيقيين، وهذا برأي كانط يمكن أن يحول دون وقوع الحرب، حيث إن الشعوب بصورة عامة تفضل العيش بسلام على أن تعاني من ويلات الحروب.

8- يجب أن تقوم حقوق الأمم على أساس الدولة الحرة الاتحادية: ترتبط هذه القاعدة إلى حد كبير بمفهوم العقد الاجتماعي الذي كان جون لوك من أبرز الداعين له وجاء جان جاك روسو ليوسّع المفهوم حيث اعتبر أن العلاقة بين الشعب والسلطة تمثل عقدًا اجتماعيًا يتنازل من خلاله لأفراد عن جزء من حقوقهم طوعًا لصالح الدولة القومية التي بدورها تعطي الأفراد هوية أسمى من هوياتهم الفردية. في الحقيقة إن هذه القاعدة تعد حجر الأساس الذي ساهم في بناء مفهوم وردروو ويلسون عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، كما أنه تطور في ما بعد ليشمل مفهوم حقوق الأقليات والدولة الاتحادية الفيدرالية.

9- تُصان حقوق الأفراد بوصفهم مواطنين في النظام السياسي العالمي، وتبقى حقوقهم مقيًدة بشروط الاستضافة الكونية: هنا لابد من فهم النظام السياسي العالمي الذي روج له كانط، حيث إن كانط كان من أوائل الدعاة لإنشاء حكومة عالمية تفـوق سلطتها الحكومات الـقومية، حيث كانت هذه الأفكار هي نقطة البداية لإنشاء ما يعرف اليوم بمنظمة الأمم المتحدة. كما أنّ كانط كان من أوائل الدعاة لفكرة المواطنة العالمية حيث يمكن تشكيل هوية عالمية تركز على أوجه التشابه بين الأفراد بغض النظر عن اختلاف خلفياتهم العرقية، والقومية، والثقافية. أما بالنسبة لما أطلق عليه كانط شروط الاستضافة الكونية فيمثل الحدود المقبولة لاستضافة الأشخاص. ولفهم هذه الظاهرة يمكننا على سبيل المثال إسقاط تجربة اللاجئين الذين ازدادت نسبة هجرتهم مؤخرًا إلى أوروبا حيث تمكنت العديد من الدول من استضافتهم وأعطتهم كافة حقوقهم الأساسية بوصفهم مواطنين عالميين، لكن بقي استقبالهم مشروطًا حيث توجب عليهم الدخول في برامج تساعدهم على الاندماج في المجتمعات المضيفة، أو القدرة على التعايش السلمي معها بالحد الأدنى.

نظرية كانط بين الواقعيّة والمثالية

على الرغم من أن رجال السياسة ومنظّري المدرسة الواقعية في حقل العلاقات الدولية يرون نظرية كانط مثاليّة بشكل مفرط وبعيدة عن الواقع، إلّا أنّ تيارًا كبيرًا من المواطنين، ورجال السياسة، والمنظرين، والعاملين في المنظمات الدولية يدافعون عن فكرة المواطنة العالمية ونظرية السلام الدائم بوصفها طوق النجاة الأخير الذي يمكننا من خلاله نحن البشر أن نعيش في سلام بدون أيّة حروب.

قد نرى نظرية السلام الدائم غريبة وغير قابلة للتحقق وذلك بسبب تراكمنا الثقافي والمعرفي الذي شكّل مفهومنا عن العلاقات الدولية، بوصفها نظامًا للحروب اللامنتهية أو الصراع بين الحضارات، ولكن إذا ما حاولنا نسيان ما نعرفه والنظر بعين سليمة يمكننا أن نفهم أن طبيعتنا البشريّة ميالة إلى السلام أكثر من الحرب، هنا لا بد من التنويه إلى أن السلام الدائم لا يعني المثالية بالضرورة، إنما يمكننا اعتباره صونًا لأول حق من حقوق الإنسان وهو حق الحياة.

إن ترافق وجود تضارب للمصالح مع وجود أي جماعة بشرية هو أمر طبيعي بل وحتمي، ولكن يبقى السؤال الأهم كيف يمكننا أن نحل النزاعات الناشئة عن تضارب المصالح بطريقة سلمية، أو لاعنفية على أقل تقدير؟

إنّ إنشاء هيئة الأمم المتحدة كان الإنجاز الأكبر في طريق حل النزاعات الدولية بشكل سلمي، وعلى الرغم من أوجه القصور العديدة في المنظمة ومختلف الهيئات المنبثقة عنها، إلّا أنّ إنشاءها وتطور عملها قد جاء بمثابة الخطوة الأولى في طريق السلام الدائم. لكن تبقى الجهود المبذولة دوليًا لتفويض هيئة الأمم المتحدة ومنحها صلاحيات أوسع غير كافية على الإطلاق. ومع أن جهود الاتحاد الأوروبي تحمل أيضًا تأثيرًا إيجابيًا لكنّه غير كافٍ على الإطلاق.

في النهاية إنّ الواقع الذي نعيشه خاصّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعيد كل البعد عن الحالة المثاليّة التي يفترضها كانط، إلا أن التغيير ممكن ليس لأني شخصيًا أؤمن بقدرة الفرد على التأثير في الجماعة، بل لأن آلية عمل السياسات التي تحكم عالمنا الذي نعيش فيه لا يمكن أن تستمر، ولأن التغيير هو ضرورة لضمان بقاء واستمرار الجنس البشري، وهذا ما سوف تقتنع فيه الشعوب قاطبةً ولو بعد حين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد