مجرد أن بدأت في قراءة كتاب ( العقل الأخلاقي العربي ) عرفت السبب الذي جعل الجابري ـ رحمه الله ـ أحدث دويا في مسار الثقافة العربية أقوى من دوي مدافع نابليون وهي تدمر حصون مدينة القاهرة في الحملة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر الميلادي , و هذا الكتاب في رأيي هو أهم كتب الجابري مطلقا بعد كتاب بنية العقل العربي فقد توصل الجابري إلى السر الأعظم في الحضارة العربية والإسلامية وهو أن العلماء المسلمين من أصول فارسية من أمثال الماوردي والغزالي وابن قتيبة الدينوري لم يدفنوا أباهم أردشير، بل قاموا بإعادة إنتاج النظريات الأخلاقية الفارسية، ولكن بعد أسلمتها .
يقول الدكتور محمد عابد الجابري ( العقل الأخلاقي العربي هو عقل متعدد في تكوينه، و لكنه متوحد في بنيته ) أي أن العقل العربي الإسلامي منذ عصر التصنيف ( عام 130هـ ) الذي تلا عصر الفتوحات مباشرة برز ( الموروث الفارسي و الموروث اليوناني و الموروث الصوفي ( الغنوصي ) و الموروث العربي الجاهلي و الموروث الإسلامي ) كمكونات رئيسة وأساسية في الرؤية الأخلاقية للحضارة العربية و الإسلامية، والعجيب أن كلا من هذه المكونات كان امتداداً لثقافة حضارية قديمة أخذ كل منها موروثه ووضع بصمته في العقل الأخلاقي العربي .
يبحث دكتور محمد عابد الجابري في هذا الكتاب الاختلاف بين كلمة أدب وكلمة أخلاق ويكتشف الدكتور الجابري مفاجأة كبرى: هي أن كلمة أدب تستخدم في الآثار المترجمة عن الفارسية وكلمة أخلاق تستخدم في الآثار المترجمة عن اليونانية!

 

يقول صاحب زهرة الآداب ( الآداب عشرة: ثلاث شهرجانية و ثلاث أنوشروانية وثلاث عربية وواحدة أربت عليهن فأما الشهرجانية فضرب العود و لعب الشطرنج و لعب الصولج، وأما الأنوشروانية فالطب والهندسة والفروسية، وأما العربية فالشعر والنسب وأيام الناس، وأما الواحدة التي أربت عليهن فمقطعات الحديث والسمر وما يتلقاه الناس في المجالس ).
و تحدث الدكتور الجابري عن أزمة القيم التي أحدثت دويا في عهد سيدنا عثمان بن عفان، وعن الغنائم التي عجز الناس عن استيعاب أرقامها، وعن الطريقة التي اختار بها الفاروق عمر بن الخطاب ولاته على الأمصار، وعن طريقته في تقسيم الغنائم التي كان يقدم بها أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل السابقة في الإسلام فتكدست في أيديهم الثروات، وأما من لا يملكون قبائل والمستضعفين في زمن الدعوة الأول كمثل سيدنا عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري فكان نصيبهم من العطاء قليلا بالنسبة لجهادهم و نضالهم من أجل الدعوة الإسلامية، وبالنسبة لأشراف قريش الطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة المكرمة فحدث الانقلاب في القيم من الخصاصة والشدة في عهد الصديق أبي بكر والشدة على الأغنياء والأشراف وإجبارهم على المقام في المدينة المنورة، إلى فيضان الدنيا في عهد ذي النورين، وظهور المنكرات مثل: لعب الحمام وظهور السكارى والاستهتار بالأموال، فالجارية تباع بوزنها من الفضة، والفرس الأصيل يباع بعشرة آلاف درهم، و البعير بألف درهم، والنخلة الواحدة بألف درهم، فمهدت هذه الظواهر لنشوء الفتنة الكبرى .
فظهر الصراع بين قيم العهد الأول و هم أنصار سيدنا الكرار علي بن أبي طالب، وأنصار العهد والفكر الجديدين من أهل الشام وأنصار سيدنا معاوية بن أبي سفيان، وانتصر التيار الجديد على القديم، و كان أول درس تلقاه العقل العربي في الأخلاق والسياسة على يد معاوية هو الفكر الجبري، وأن سبب الهزيمة كان القضاء والقدر لا أكثر ولا أقل، وجاء الدرس الثاني بعد الدرس الأول بخمس وعشرين سنة: هو درس الطاعة على يد مروان بن الحكم و أسرته، و ترسخ الدرس على يد الكاتب المبدع عبد الحميد الكاتب الذي أراد أن يقيم القلم مكان السيف، و مع سوء حظه في أنه جاء في وقت متأخر غير أنه استطاع عبر رسائله البليغة ترسيخ قيم الطاعة في العقل العربي والإسلامي.

 

فرح بالدروس الأموية بنو العباس، وأعادوا إنتاج دولة بني أمية عام 134هـ مع بعض القداسة الدينية بنفس الأدوات والسياسات فقد ورث العباسيون من خصومهم الأمويين عقلا أخلاقيا تحتل فيه الطاعة القيمة المركزية والجبر التبرير المثالي، فمجرد أن صعد أبو جعفر المنصور إلى كرسي السلطة صرخ في الناس وقال ( إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده وحارسه على مال أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطي بإذنه وجعلني قفلا إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم و قسمة أرزاقكم وإن شاء أن يقفلني أقفلني ).
فتحولت الدولة العربية من دولة قبلية خالية من الطابع الديني في زمن بني أمية إلى دولة توظف الدين من أجل تبرير قيمها وإثبات شرعيتها وتوطيد وحدتها في زمن بني العباس .
و في الفصول التالية لدراسة نظم القيم في العقل العربي يكتشف دكتور الجابري مفاجأة كبرى أخرى: هي تأثير الملك الفارسي أردشير في العقل الأخلاقي العربي، فعند دراسة تاريخ وسيرة هذا الملك العظيم نكتشف أن وصيته التي اشتهرت بعهد أردشير هي العمود الفقري للمنظومة القيم السياسية في العقل العربي: فالملك أردشير هو الذي استطاع توحيد بلاد فارس وجعل الدين المجوسي الزرادشتي هو الدين الرسمي للدولة الكسروية، أوصى الملوك من بعده بعدد من الوصايا أبرزها ( واعلموا أن الدين والملك أخوان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه؛ لأن الدين أس الملك وعماده ، ثم صار الملك حارس الدين فلابد للملك من أسه ولا بد للدين من حارسه ) مع أن أردشير الملك المجوسي صاحب الوصية قالها لولده ليتعلم من بعده كيفية توظيف الدين في إبقاء الملك والسلطان أخذها بعض الفقهاء كصاحب إحياء علوم الدين ونسبها للحكماء ونسبها بعضهم للصحابة وصالحي التابعين.

 

ومثال معاصر هذه الوصية المجوسية العجيبة نسبها حزب التحرير الإسلامي في بعض منشوراته لأبي حامد الغزالي ونسبها فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع للإمام علي بن أبي طالب! في رسالته في شهر يونيو 2010م ، و تصوروا هذا الاختراق الفارسي للعقل الإسلامي منذ 14 قرنا وحتى الآن.

.
و يقرر أردشير لولده في الوصية أهمية التحالف مع رجال الدين فيقول ( ياولدي ليس أقوى من الإطاحة بالملك من الدين ) ويقول أردشير لولده أيضا ( إن رأس ما أخافه عليكم مبادرة السفلة إياكم لدراسة الدين وتلاوته والتفقه فيه فتحملكم الثقة بقوة السلطان على التهاون به فتحدث رياسات متسترات فيمن قد وترتم وجفوتم وحرمتم وأخفتم وصغرتم من سفلة الناس والرعية وحشو العامة واعلموا أنه لن يجتمع رئيس في الدين مسر ورئيس في الملك معلن في مملكة واحدة إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك؛ لأن الدين أس والملك عماد وصاحب الأس أولى بجميع البنيان من صاحب العماد ).
و يقول أردشير المجوسي ( واعلموا أن سلطانكم على أجساد الرعية ولا سلطان لكم على قلوبهم واعلموا أنكم إن غلبتم الناس على ما في أيديهم لم تغلبوهم على ما في عقولهم )، انظروا إلى خطورة هذا الكلام وتأثيره الكبير على مسار التاريخ الإسلامي ككل ولتعلموا خطورة هذا العهد الكسروي الأردشيري يروي صاحب كتاب الفاضل أن الخليفة عبد الله المأمون أمر مؤدب الواثق بالله بأن يعلمه كتاب الله عز وجل فإن فرغ علمه عهد أردشير فإن فرغ علمه كتاب كليلة و دمنة، وتأثيرات أقوال أردشير على قرار المأمون العباسي بتعذيب الإمام أحمد بن حنبل وافتعال أزمة ما سمي بقضية خلق القران التي أراد بها أن يكسر شوكة أحمد بن حنبل دون أن يرفع من قيمة أهل الاعتزال؛ لأنه كان جبريا وهذا ما ناقشه دكتور الجابري في كتابه: المثقفون العرب والتراث من محنة أحمد بن حنبل إلى نكبة ابن رشد.
وهناك ملك مجوسي آخر هو الملك أنوشروان يروي عنه أبو الحسن العامري أنه قال ( إن الله تبارك وتعالى خلق الملوك لتنفيذ مشيئته في خلقه ولإقامة مصالحهم وحراستهم فلذلك نقول إنهم خلفاء الله في أرضه، ولمعنى آخر جعلهم عالين غير مأمورين وحاكمين غير محكومين )، وكلام أنوشروان هذا خطير أيضا؛ فقوله إن الحكام هم ظل الله في أرضه وأنهم ينفذون المشيئة، وردت على لسان أبي جعفر المنصور في خطبة البيعة في صدر هذا المقال، وقوله إن الحكام عالين حاكمين غير محكومين تذكرني بأفعال يزيد بن عبد الملك الذي صدق أن الخلفاء ليس لهم ثواب ولا عقاب.
يقول الملك المجوسي أنوشروان ( إن قوام الملك إنما هو بالدين فإن ضعف الدين ضعف الملك ويجب عليهم أن يقووا أركان الدين، وأن يبينوا أركان الفقه فإن الفقه هو القائد للقول بالآخرة و يجب عليهم أن يقيموا العدل الذي به صلاح الدين والمملكة فإن العدل أساس الملك و هو سبب عمارة الأرض و الجور سبب البوار و الخراب).
لاحظوا قول الملك أنوشروان (إن العدل أساس الملك ) أليست هذه المقولة هي المنقوشة على جدران المحاكم في البلاد العربية ولا حول و لا قوة إلا بالله ويمضي الدكتور الجابري لينقب ويكتشف تأثيرات الآداب الفارسية في العقل الأخلاقي العربي فيكتشف المثير والعجيب والغريب ومثل هذا التراث اليوناني والتراث الصوفي الغنوصي وغيرهم.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد