لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء (يقصد سلمان الفارسي أو الفرس عمومًا) محمد رسول الله 

 

بات التباين في وجهات النظر العربية الإيرانية حول العديد من الملفات الإقليمية والدولية، يتجاوز طبيعته السياسية الصرفة ليتحول إلى استقطاب مذهبي، يدق يومًا بعد يوم إسفينًا بين السنة والشيعة، بل ويتجاوزه ليتمظهر تارة أخرى كخلاف قومي بين العرب والفرس، ورغم إسهامات هؤلاء في الحضارة الإسلامية إلا أن صوت الفتنة أصبح أقوى من صوت المشترك الحضاري التاريخي، أملًا في تجاوز هذا التقاطب الهدام، نتطرق في هذا الموضوع لإسهامات شخصيات فارسية في الحضارة الإسلامية في منطقة المغرب العربي.

يعتبر فتح فارس أحد أعظم الإنجازات العسكرية للدولة الإسلامية الفتية بعد عقدين على ظهورها، وإن كانت شخصية سلمان الفارسي قد كان لها سابقة الإسلام في وقت هشاشة الكيان الجديد، فإن أفواجًا من الفرس دخلوا الدين الجديد بعد انهيار جيوشهم الإمبراطورية أمام الفتح العربي الإسلامي، ساهم الفرس بشكل متراكم وصل أوجه في العهد العباسي وشمل رقعة واسعة من أراضي الدولة الإسلامية حتى تلك التي لم تخضع كليًّا أو جزئيًّا لنفوذ بغداد وعلى أكثر من صعيد فمن العلوم الشرعية والعقلية، وصولًا للغزو والفتوح والفن والأدب.

صلة الفرس بالمغرب العربي

يذكر المؤرخون مشاركة فرقة فارسية إلى جانب جيوش عمرو بن العاص في فتحه لمصر على عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تسمى فرقة الحمراء، لكن الذي شجع عددًا من الفرس بالإضافة إلى الأكثرية من العرب لاستيطان شمال إفريقيا كان بلا شك سياسات الأمويين العنصرية تجاه الفرس والمتعصبة للقبائل العربية المضرية ما دفع هؤلاء لا سيما من المخالفين مذهبيًّا كالشيعة والخوارج للفرار من السلطة القائمة، والاعتصام بالمناطق المتمردة على سلطة الأمويين في شمال إفريقيا وغيرها من البلاد المفتوحة، وقد ساهم الفرس بقسط وافر في نهضة وتمدين البلاد، نستعرض هنا تاريخ ثلاث شخصيات فارسية كان لها دور كبير في ذلك:

عبد الرحمن بن رستم

يرتبط قيام الدولة الرستمية الإباضية في المغرب الأوسط بمؤسسها عبدالرحمان بن رستم، تتفق المصادر على انتماء ابن رستم للفرس، وتجمع على نسبته لطبقة الحكام الأكاسرة، قدم المغرب مع والدته وزوجها في طفولته حيث كانت تنتشر دعوات الخوارج في أواخر القرن الأول هجريًّا، توجه لمدينة البصرة في شبابه وانتظم في حلقة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة الخارجي الإباضي سنة 135 هجرية، حيث قضى خمس سنوات يتعلم أصول مذهب الإباضية وفروعه في البصرة.

بعد عودته من المشرق نجح الإباضية في الاستيلاء على طرابلس ثم القيروان التي عين ابن رستم حاكمًا لها نائبًا عن زعيم الإباضية أبي الخطاب المعافري، غير أن وفاة هذا الأخير عقب هزيمته أمام جيوش الأغالبة واستعادة هؤلاء للقيروان أرغمت الإباضية وشيوخهم وعلماؤهم على الخروج نحو مناطق القبائل البربرية الموالية لهم بالمغرب الأوسط، وقد أجمع المشايخ إذن على اختيار عبد الرحمان (لدينه وسابقته ومكانه وغير ذلك من حميد الصفات) وحسبه أنه كان أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب فضلًا عن أنه وهذا المهم لم تكن له قبيلة تمنعه إذا تغير أو تبدل، ثم ارتضته القبائل البربرية لتتحاشى تسلط إحداها على أخرى إذا ما حظي رئيسها بالإمامة، وقبل ابن رستم الإمامة سنة 162.

عكف عبد الرحمان على تنظيم الدولة الوليدة، وشيد عاصمتها تاهرت، حيث أقام الفنادق والمباني الخاصة للتجار، ورتب الأسواق، ونظم أمر الحسبة فيها، كما شيد مكتبتها المعصومة التي ضاهت بيت الحكمة في بغداد، بالإضافة لغرس البساتين وشق القنوات وإقامة المطاحن، فقصدها التجار من سائر أرجاء العالم الإسلامي، وخاصة من فارس والعراق والقيروان وسجلماسة المجاورة، فضلًا عن بلاد السودان، وقد أسهم هذا الازدهار الاقتصادي في تدعيم الدولة الرستمية، غلب الطابع الديني المذهبي على ما اتخذه من إجراءات في هذا الصدد فكانت نظم الإدارة والقضاء والشرطة والاحتساب وإدارة بيت المال ونظم الجباية والصدقات كلها تسير وفق تعاليم المذهب الإباضي مع مراعاة ظروف السكان باعتبار غالبيتهم من البدو الرحل، إلا أن ذلك لم يمنع من انتهاج سياسة يطبعها التسامح تجاه المخالفين، حيث كانت تاهرت تضم بالإضافة للخوارج الرستمية مجموعات من السنة المالكية والشيعة الذين حرص أحدهم على التأريخ للدولة الرستمية (تاريخ الأئمة الرستميين لابن الصغير)، بل إن سياسات التسامح هاته شملت المخالفين في الملة، حيث شيدت كنيسة بتاهرت للجالية المسيحية.

وبذلك استطاع ابن رستم أن يرسي قواعد الدولة ويضع نظمها الإدارية والمالية ويكسبها (رونق الملك)، وحسبه نجاحًا قدرته على التصدي للمشاكل الداخلية والخارجية الكثيرة التي واجهته من جانب القبائل البربرية، بالإضافة لسياسته الخارجية المهادنة للقروان الواقعة تحت حكم الأغالبة وسجلماسة الخارجية الصفرية، بالإضافة للأندلس الأموية وبفضل قدرته على إيلاف العناصر والعصبيات المختلفة داخل الدولة، وكي يضمن استمرار الاستقرار لدولته وتأسيًا بالخليفة الراشدي عمر بن الخطاب أوصى قبل وفاته بتعيين مجلس شورى يختار إمام الدولة من بين أعضائه.

 

أسد بن الفرات

أبوعبد الله أسد بن الفرات بن سنان، ولد سنة 759 في حران بالعراق لأسرة تنحدر من نيسابور، فنشأ بتونس وتعلم فيها القراءة والكتابة، أخذ في حفظ القرآن الكريم، واستكمل دراسته فيها على يد علي بن زياد العبسي، ثم رحل إلى المشرق في طلب الحديث سنة 788، حيث أخذ العلم عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وجد رغبة في نفسه بالجهاد لنصرة الدين والتصدي لمطامع البيزنطيين في البلاد التونسية.

استجاب الأمير زيادة الله الأغلبي لهذه الرغبة، وولاه قيادة أسطول فتح صقلية وضم تسعمائة فارس و10000 جندي نزلت في مدينة مازارا في سنة 827 وانهزم حاكم صقيلية ومن معه من البيزنطيين في مدينة قصريانة (أوكسترو جوفاني فيما بعد)، ومنها هرب إلى قلورية في حنوب إيطاليا، فتح المسلمون عدة حصون من الجزيرة ووصلوا إلى قلعة الكرات فحاصروها، استمر ابن الفرات في فتوحه حتى حاصر سيراكوزا وجاءت إمدادات من إفريقية والأندلس (رغم الخلاف السياسي بين الأغالبة والأمويين) واستطاع ابن الفرات دحر حامية بالرمو سنة 828 وزحف البيزنطيون إلى المسلمين وهم يحاصرون سيراكوزة، واشتد حصار المسلمين لها برًا وبحرًا وأصيب عدد كبير منهم وهلك عدد آخر واشتد القتال على أثر إمداد القسطنطينية بالمدد لجند صقيلية من الروم، وجرح ابن الفرات وتوفي متأثرًا بجرحه ودفن في مدينة (قصريانة) سنة 828.

نجح الجيش الأغلبي في هزيمة الأسطول البيزنطي بقيادة ثيودوتس رغم مدد البندقية تم الفتح الأخير للجزيرة على يد العباس بن الفضل بن جعفر سنة 861، وظلت صقيلية جزءًا من دولة الأغالبة ثم الفاطميين إلى أن آلت إلى أسرة من بني كلب قبل أن تسقط بيد النورمانديين سنة 1090 ميلادية، إلا أن إشعاع الحضارة الإسلامية استمر حتى ذلك العهد وشكل أحد أسباب ما عرف بعصر النهضة من خلال ترجمة أعمال المسلمين الفلسفية والعلمية.

زرياب

من الشخصيات التي ساهمت في إشعاع الحضارة العباسية في أوجها، الموسيقي الموصلي الحسن بن نافع الملقب بزرياب فارسي الأصل، اختلف ابن حيان في المقتبس وابن القوطية حول سبب هجرته من العراق إلى الأندلس سنة 207 هجرية، ورغم الخصومة بين العباسيين والأمويين إلا أن هؤلاء شرعوا أبواب البلاد الأندلسية أمام مظاهر الحضارة الإسلامية المشرقية المطعمة بالأبعاد الفارسية الأعجمية، لكون سكان الأندلس يتشكلون من فسيفساء القبائل العربية والبربرية إضافة للوندال والقوط وغيرهم من سكان أيبريا الأصليين، والذين لم يكونوا على دراية كافية بمباهج الحضارة والمدنية، ومثل انتقال عدد من المشارقة عربًا وفرًسا وبينهم زرياب تطعيمًا حضاريًّا للمدنية الأندلسية الناشئة.

 

كان من إبداعات زرياب في المجال الموسيقى تعليم الأندلسيين كيفية ابتداء الغناء وإنهائه، كما جعل مضراب العود من قوادم النسر بدلًا من الخشب؛ مما يساعد على نقاء الصوت وسلامة الوتر، كما أضاف وترًا خامسًا، وما زال تأثير موسيقى زرياب حاضرًا في الموسيقى الأندلسية التي ما زالت معروفة في بلدان المغرب العربي، إلا أن توجيهات زرياب تجاوز المجال الفني ليشمل مجالات الطبخ، حيث علم الأندلسيين ضرورة ترتيب الأطعمة بدلًا من وضعها دفعة واحدة، فيبدأ الإنسان بالحساء وينتهي بالحلويات… كما أوصاهم باستعمال الأواني الزجاجية بدلًا من الأواني الفضية والذهبية، بل بلغ تأثير زرياب مجال المظاهر والإتيكيت كما نقول اليوم حيث أشار على القوم باختيار ملابس مناسبة من حيث اللون والخفة والثقل والفصول، رغم المقاومة التي أبداها بعض جلساء أمير الأندلس آنذاك عبد الرحمان الأوسط إلا أنه كان من حسن حظ زرياب أن رغبة هذا الأخير في الانفتاح على حضارة بغداد العالمية جعلته ينحاز لصالح البلبل الفارسي.

 

لا شك أن هنالك شخصيات أخرى تنحدر من بلاد فارس ساهمت في الحضارة الإسلامية بالمغرب العربي، وإن لم تكن بأهمية وتأثير الشخصيات المذكورة في هذا المقال، وقد يكون تجاهلها المؤرخ المغاربي الذي كان يغلب في كثير من الأحيان عصبيته القبلية والقومية، كما أن شخصيات مغاربية عديدة تفاعلت مع هذا التأثير الفارسي، ولعلنا نذكر على سبيل المثال لا الحصر الإمام المهدي بن تومرت مؤسس دولة الموحدين الذي درس على يد حجة الإسلام أبي حامد الغزالي (هناك خلاف بين المؤرخين فيما إن كان ابن تومرت قد قابل الغزالي شخصيًّا)، وتلامذته في المدارس التي أنشأها نظام الملك الطوسي وزير السلاجقة لمواجهة الباطنية من جهة وللنشر العلم، ولعل ابن تومرت استفاد من الرجلين فأخذ عن الغزالي علم الكلام والعقيدة الأشعرية والفقه، كما أخذ عن نظام الملك سعيه في نشر العلم ومواجهة الجمود والتقليد، لذا نجده بعد عودته للمغرب حريصًا على بناء العديد من المدارس والخلوات التي كان لها الفضل في نشر العقيد الأشعرية وتجديد المذهب المالكي.

خاتمة:

لا شك أن خطأ الجمهورية الإسلامية في توظيف البعد المذهبي بغية استقطاب جزء من العرب يشاطرونها المعتقد الشيعي الإمامي، بعيدًا عن توظيف بقية الأبعاد الحضارية للمساهمة الإيرانية في التاريخ الإسلامي يعد أحد أسباب النظرة السلبية لدى معظم الشعوب العربية لإيران، والتي تزداد يومًا بعد يوم، لا سيما بعد الأخطاء الأخيرة في العراق وسوريا واليمن، وحتى في المنطقة المغاربية في ليبيا والمغرب بعد اتهام البعثات الدبلوماسية بالتورط في أنشطة تبشيرية شيعية، إن اختزال تاريخ بلاد فارس في خمسمائة سنة من التراث الشيعي وتوظيفه لغايات دنيوية يمثل اختزالًا مهينًا للفرس والتشيع ولإسهام هذين المعطيين العرقي والمذهبي في الحضارة الإسلامية، كما أنه حري بالمثقفين العرب الابتعاد عن أطروحة البعث التي روج لها في ذروة حرب الخليج الأولى، والتي تصور إيران كدولة مجوسية متربصة، خصوصًا إذا علمنا أن أيدي الفتنة تحاول خلط البعدين المذهبي والعرقي في محاولة لمزيد من الفصل وبث الفرقة والتناحر بين أبناء الأمة الواحدة، ولذا يكون لزامًا على العقلاء من مفكري الشعبين العربي والفارسي تدشين حوار حضاري داخل النسق الثقافي الواحد، بناءً على الأسس التاريخية والحضارية المشتركة، والابتعاد عن التشنج القومي والمذهبي الذي لا يفيد منها سوى أعداء الأمة.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ببلوغرافيا
إسماعيل محمود: دولة الأغالبة.
إسماعيل محمود: الخوارج في المغرب الإسلامي.
أبو خليل شوقي: فتح صقيلية
العبادي أحمد المختار: التاريخ العباسي والأندلسي.
النجار عبد المجيد: المهدي بن تومرت حياته وثورته وآراؤه الفكرية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد