ألم(1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) كانت هذه أولى البشريات التي تصل المسلمون بخصوص الفرس والروم. إذ كان  المسلمون يراقبون الصراع بينهما عن كثب منتظرين اليوم الذي يتحولون فيه إلى قوة فاعلة وطرف مؤثر يفرض نفسه لجعل كلمة الله هي العليا ونشر الدعوة في العالم أجمع.

وقد نزلت هذه الآيات فى مكة قبل الهجرة بعد هزيمة الروم علي يد الفرس، وقد حزن  المسلمون لتلك الهزيمة كون الروم أهل كتاب لم يبلغوا بالرسالة ولم تقم عليهم الحجة بعد إذ كانت الدعوة فى بدايتها. أما المشركون من أهل مكة ففرحوا لانتصار الفرس كونهم مثلهم وثنيين.

بعد الهجرة – ويقال يوم انتصار المسلمين فى بدر – تحققت البشارة القرآنية وظهر الروم على الفرس فى بضع سنين كما ذكرت الآيات الكريمة بعد أن كانت إمبراطوريتهم على حافة الانهيار الكامل، وبدا انتصارهم مستحيلًا، وبتحقق النبوءة القرآنية فرح المسلمون فرحًا شديدًا؛ فالأمر كله بيد الله ينصر من يشاء ويذل من يشاء وله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد. واستشعر المسلمون أن دورهم قد حان، وما هى إلا سنوات قليلة حتى يظهر الإسلام على الفرس والروم جميعًا.

جاءت البشارة الثانية للمسلمين فى العام الخامس من الهجرة أثناء حفر الخندق في غزوة الأحزاب إذ اعترضت صخرة الصحابة وهم يحفرون؛ فضربها المصطفى بيده ثلاث ضربات حتى تفتتت. فقال إثر الضربة الأولى: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام. وقال بعد الثانية: الله أكبر.أعطيت مفاتيح فارس، وبعد الضربة الثالثة: الله أكبر. أعطيت مفاتيح اليمن. واستبشر  المسلمون فى وقت كانوا يتعرضون فيه لأشد أنواع الحصار والجوع، إضافة إلى البرد القارس والخوف الشديد حتى بلغت قلوبهم الحناجر. فقد جاءت هذه البشارة ليكون لها بالغ الأثر في نفوس المسلمين فشدت عزائمهم بعد أن تيقنوا أن الأمور ستتبدل لصالحهم، وأن الدعوة ستمكن وستكون السيادة للإسلام. فانتصر المسلمون على الأحزاب بعد أن شتتهم الله وقذف فى قلوبهم الرعب ومد المسلمين بجند من عنده وريح عاتية ساعدت فى النصر المبين فردد الرسول ومن معه: لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده.

بعد صلح الحديبية كان الرسول قد وطد دعائم دولته فى المدينة ورأى أن يحول البشارة بفتح الشام وفارس إلى واقع، فأسرع بالكتابة لبعض أمراء وملوك العالم يدعوهم إلى الإسلام وعلى رأسهم كسرى ملك الفرس وهرقل عظيم الروم. مزق كسرى الرسالة وكان رده وقحًا ومتبجحًا لدرجة جعلت الرسول – صلى الله عليه وسلم – يدعو عليه بأن يمزق الله ملكه فتمزق ملكه وتم قتله على يد ابنه. أما هرقل فقد استقبل الرسالة استقبالًا حسنًا واعترف فى البداية بنبوة محمد، ولكنه تراجع بعد ذلك خوفًا على كرسيه وعرشه فاختار الحرب. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام قد بدأ بنفسه الاهتمام بجبهة الشام وكتلة القبائل العربية المتحالفة مع الروم وذلك فى غزوة مؤتة 8هـ بعد مقتل الرسول الذي بعثه النبي إلى ملك بصرى يدعوه إلى الإسلام على يد شرحبيل بن عمرو الغسانى أحد عمال هرقل على البلقاء. تبعتها  غزوة تبوك 9هـ والتي رسمت تغيرات كبيرة في المنطقة حيث انسحب الجيش الرومانى والقبائل العربية المتحالفة معه بلا قتال خوفا من مواجهة المسلمين.. وكان الرسول قد سبق وتعامل مع تلك القبائل الموالية للروم التي تعيش فى كنف القيصر فى غزوة دومة الجندل 5هـ، وهي منطقة تقع بين الشام والحجاز كان بها سوق عظيم وكان أهلها يظلمون من مر بهم ويغيرون على القوافل. أما آخر ما قام به صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بأيام فكان أن ولى أسامه بن زيد على جيش وأمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم.

بعد وفاة الرسول قامت الجيوش الإسلامية باستئناف ما بدأه – صلى الله عليه وسلم – عقب انتهاء حروب الردة مباشرة. فعملوا على فتح العراق وفارس بالتزامن مع فتح بلاد الشام واعتمد الخلفاء الراشدون في ذلك على نخبة من أفضل القادة والفرسان على رأسهم خالد بن الوليد، أبو عبيدة بن الجراح، القعقاع بن عمرو التميمى، عمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. وكان الواحد منهم يحارب فى جبهتين فى وقت واحد، فيخرج من معركة ليدخل أخرى وينتصر فى كلتيهما بفضل الله.

كانت الحروب المستعرة والطويلة بين كلتا الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية قد أنهكت الطرفين بشدة، فاستفاد المسلمون من حالة الإنهاك هذه، وانهالت جيوش المسلمين على قلة عددها وعتادها على الفرس والروم يحركها اليقين فى وعد الله بنصر عزيز يفرح بعده المؤمنون.

فكانت معارك عظيمة كموقعة ذات السلاسل والقادسية ثم فتح الفتوح في نهاوند والذي قضى تمامًا على الحكم الساساني فتم فتح فارس برمتها ودخلت ضمن الدولة الإسلامية وعلى جبهة الشام وقعت معارك خالدة كفتح بصرى ثم معركة أجنادين واليرموك حتى أنعم الله على المسلمين بفتح بيت المقدس. انطلق المسلمون بعد ذلك لمواجهة جبروت الروم وطغيانهم في مصر وشمال أفريقيا وأماكن عدة مع العمل على إخماد بؤر التمرد  في المناطق التي كان يسيطر عليها الفرس حتى وصلت الدولة الإسلامية أقصى امتداد لها في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك فامتدت حدودها من أطراف الصين شرقًا حتى جنوب فرنسا غربًا.

في تلك الفترة وحتى نهاية الدولة الأموية كانت الدولة البيزنطية في الشرق والقوط في الغرب أكبر الأخطار التي تهدد دولة الخلافة من الخارج وإن تمكن المسلمون من التصدي لهما بفضل الله، أما الفرس فهم وإن لم يعودوا يشكلون خطرًا خارجيًا، إلا أنهم أصبحوا بؤرة دائمة للتوتر تهدد الدولة الإسلامية من الداخل. فقد ظلت فارس مرتكزًا للجماعات الانفصالية والأحزاب الدينية والحركات السياسية الهدامة داخل دولة الخلافة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد