قديما كان الناس سعداء للغاية، رغم بساطة وسائل العيش وكانوا أكثر التحاما فيما بينهم، لدرجة أنهم لم يسمحوا بمشاركة خصوصياتهم حتى بين عشرتهم.

لكن في وقتنا الحالي، تغيرت المفاهيم فتغيرت معها حياتنا كاملة، بعد أن أصبح العالم بأكمله فجأة في متناولنا وبنقرة واحدة، وهذا بالتأكيد شيء رائع، ولكنه أيضًا خطير. إنها الشبكات الاجتماعية، التي حولت حياة الناس فيها من المُلك الخاص إلى العام، وفرقت جمع الأهل داخل البيت الواحد، كل في واده هائم.

أصبحت هذه الظاهرة الحالية موضوع دراسة من قبل علماء النفس وعلماء الاجتماع، لماذا يوجد أشخاص ينشرون كل شيء عنهم على هذه الشبكات؟ لماذا تُنشر صور تحتوي على عبارة شبه لفظية، والتي يتم توجيهها بشكل واضح، وغير مباشر؟ لماذا يضع شخص صورة لصحن طعام إذا لم يكن طاهيا؟ هل ماتت العلاقات العائلية حتى نبحث عن عالم افتراضي لترميم ما تبقى من هويتنا المفقودة؟

لماذا مؤسسو هذه المواقع لا يملكون صفحات خاصة بهم؟ لماذا حياتهم الخاصة أكثر قدسية من حياتنا؟ كل ما في الأمر أن الغرض التجاري أضحى واضحًا أكثر في توجه الشركات التي أسست هذه المواقع، الأمر الذي يجعلها تطور أساليب الاستمالة. 

تؤكد الدراسات أن المجتمع الافتراضي، هو نوع من العلاج للبعض، والصديق الذي يساعد في مكافحة مشاعر الوحدة. ومع ذلك، تبقى هذه المنصات على قيد الحياة بشكل يومي، مع ملايين المستخدمين الذين يفضلون مشاركة الحياة ذات المعنى الشخصي في محيط آخر. لقد غيّر الإنترنت طريقتنا في الربط؛ ليس فقط مع الآخرين، بل مع أنفسنا أيضًا. «لقد تغيرت قدرتنا على التأمل الذاتي».

على الرغم من أن الشبكات الاجتماعية أصبحت نوعًا من العرض، فهي أيضا مجال لزراعة خاصيتين بشريتين منتشرتين؛ التفاخر بما تملكه، والتطفل على حياة الآخرين. إلا أننا ما زلنا نعتقد أن الأشخاص الذين يتشاركون أكبر عدد من الصور هم أولئك الذين يسافرون أكثر. ويعيشون السعادة الحقيقية. إن بعض الوقت يضيع الكثير من الوقت في تصوير تجاربهم، وما يفعلونه لا يستمتعون به، حياتهم تناقضُ واقعهم.

الآن، مثل كل شيء في الحياة، سيكون لكل كائن مساحة أو آلية، الوظيفة التي يريد كل شخص أن يعطيها وفقًا لاحتياجاته ودافعه الشخصي. تعمل الشبكات الاجتماعية كآليات دفاع للعديد من النقص والاحتياجات لدينا، والتي لا ندركها غالبًا ونحن نعرضها في هذه المساحات، ولأن التقنيات الجديدة أدوات رائعة أَثْرَت حياتنا، قَصَّرَتِ المسافات بين سكان هذه الأرض، وقدمت لنا إمكانية أكبر للوصول إلى ما نريد. فالاختلاف المعرفي والثقافي بين سكان هذه المنصات، يعطينا فكرة عن مستخدميه. إذا نجد فيه فئتين؛ فئة منهم يقومون بذلك، بطريقة صحية والفئة الأخرى عكس ذلك.

فالفئة الأولى: أقل ضجيجًا على الشبكات الاجتماعية. لا يحتاجون إلى عرض حياتهم، فوسائل التواصل الاجتماعي ليست جزءًا ضروريًا من حياتهم. إنها مكملة وطريقة للتواصل وتبادل الخبرات مع الأشخاص الذين تراهم كل يوم، أو الذين تحافظ معهم على علاقة متكررة وحقيقية.

سلوك وشخصية هؤلاء المستخدمين لا يتغير، هم أشخاص حازمون، يديرون عواطفهم بشكل مناسب ويعرفون كيفية التعبير عنها في وسائل الإعلام المناسبة.

يعرف هؤلاء الأشخاص متى يجب «قطع الاتصال». إنهم ليسوا على دراية بهواتفهم المحمولة وما يحدث على الشبكات الاجتماعية، فحياتهم الواقعية أكثر إثارة. كما يعتمد احترامهم لذاتهم على حياتهم الشخصية [وهو ما يطلق عليه الخبراء علاقة الوحدة بالاحترام الذاتي] لا يشعرون بالحاجة إلى الكشف للآخرين بأن علاقاتهم على ما يرام، كما أنهم لا يشعرون بالحاجة إلى جميع جهات الاتصال الخاصة بهم لمعرفة ما يفعلونه، أو ما يعتقدونه أو ما يشعرون به، لديهم مفهوم محدد؛ الإفادة والاستفادة.

أما الفئة الثانية: فهم أشخاص لهم سلوك غير صحي على هذه الوسائل. أشخاص لا يستخدمون الشبكات الاجتماعية بشكل صحيح. يظهرون كما يرغبون أن يكونوا ؛ يمكن أن يكونوا أكثر جرأة، لأنهم يشعرون بأمان أكثر، وبحاجة إلى تلقي الحب والتقدير الاجتماعي، والنية لتخفيف الشعور بالوحدة.

ينشرون صورهم وحالاتهم في صفحاتهم الشخصية، بسبب حاجتهم للعثور على تعزيزات نفسية، والرفع من احترامهم لذاتهم، وإظهارهم للآخرين «كم هم جذابون». فكلما حصلوا على المزيد من الإعجابات، زاد احترام الذات (الزائف) للذات، والذي، مثل أي دواء، يهدئ معاناتهم الوجودية، حتى ولو لحظات قليلة فقط، بسبب الفراغ العاطفي.

فهم يحصلون على مكافأة فورية وسريعة. ليسوا مضطرين إلى الانتظار حتى يخرجوا ويخبرونهم عندما يرونهم. في بضع ثوان، يحصلون على تعزيزات نفسية لا نهاية لها ؛ تظهر عشرات «الإعجابات». وهذا شيء رائع لأولئك الذين يحتاجون إلى التشجيع والاعتراف الفوري والتعزيز الإيجابي، وهو في الواقع قصير بقدر ما هو سريع الزوال.

تعد هذه الشبكات بالنسبة لهذه الفئة، دروعًا واقية للتنقل عبر منطقة الراحة؛ حيث يخفون المخاوف وانعدام الأمن، ويعرضون بدورهم ما يرغبون في الحصول عليه. لم يعد من الضروري مغادرة المنزل للعثور على شريك. لم يعد من الضروري الذهاب إلى أماكن معينة لتكوين صداقات مع أشخاص، «شبيك لبيك، فمصباح علاء السحري وضع كل شيء بين يديك».

أخبرني بما تنشره على الشبكات الإجتماعية وسأخبرك كيف حالك؟. هل سبق لك أن نشرت قصة حبك على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل تحمّل صورًا للأطباق التي تتناولها؟ إنها مجرد أمثلة على ما يميل العديد من مستخدمي الشبكات الاجتماعية إلى نشره عنهم. إذا شعرت بأنك مرتبط بأي من هذه الحالات، فربما قد يكون سلوكك على الشبكات الاجتماعية مؤشرًا على خلل نفسي.

بعض الناس لديهم فكرة أنه إذا لم تكن على الشبكات الاجتماعية «فأنت غير موجود. كل تجربة تبدو منطقية لحظة ظهورها على «فيسبوك»، و«تويتر» أو «إنستغرام» وتتبعها الإعجابات والتعليقات.»دع الآخرين يرون كم نحن أذكياء أو أقوياء أو أغنياء أو وسيمون.» باختصار، «الشبكات الاجتماعية لبعض سكانها تشبه الشوكولاتة التي تهدئ القلق من الإحباط وتُحلي حياتهم لبضع لحظات، وخالية من أهمها: «الحب والسلام.

بالتأكيد قد حدث لك ذلك من قبل: تلتقي بشخص ويسألك بنبرة ساخرة، ماذا عنك؟ لم تعد تنشر أي شيء على الفيسبوك؟ وبالنظر إلى ذلك، فإننا نميل إلى النظر إلى المتشكك بشكل متشكك ونقول بهدوء: «لدينا حياة خارج الشبكات الاجتماعية».

الغريب في هذه الوسائل الاجتماعية، الأنواع المختلفة من المنشورات وكأننا نقوم بجولة في سوق أسبوعي الكل يعرض بضاعته، ونعرف أشياء غريبة ومثيرة للاهتمام. مسرح نتقمص فيه جميع الشخصيات، ونلعب فيها كل الأدوار البطولية. فالعديد من الأشخاص يستخدمونها كما لو كانت يوميات شخصية إذ نجد هناك:

* من يشارك حياته الشخصية والزوجية على هذه المواقع، صور مع الشريك، وألبومات السفر، الحب والغرام والهدايا، والعشاء، وفي حالة الانفصال، تحذف عادةً كل تلك الصور. وعند البدأ في علاقة جديدة، يتم تجديد الألبوم مع وجه الزوجين الجديدين. وما إلى ذلك وهلم جرا، فالأشخاص الذين يقومون بهذه التصرفات، لا حق له في الرد إن انتقدوه، فالحياة الشخصية عندما تصبح في متناول الجميع لم تعد لك وحدك، المُلك العام حق للجميع.

* وهناك من يشارك روتينه اليومي، منذ استيقاظه إلى نومه، يحتاج هؤلاء الأشخاص الذين ينشرون صورهم الذاتية باستمرار للحصول على موافقة وإعجاب الآخرين، وقد يكون لديهم بعض السمات النرجسية. حيث يعرض الشخص جسده، والتي يمكن أن يبدو واثقًا جدًا من نفسه، في الواقع لا يتمتع بتقدير جيد للذات، ويحتاج إلى تعزيزها بتعليقات وردود الآخرين.

* وهناك الرياضي الذي يقوم بتوثيق الطريق الذي يسلكه والكيلومترات التي قطعها. بالتقاط صور السيلفي في صالة الألعاب الرياضية، أو رفع الأثقال، أو القيام ببعض أشكال التمرين، وإبراز عضلاته المفتولة.

* المسافر الذي يوثق رحلته في كل مرة يسافر فيها، يحمّل ألبومًا كاملاً لكل زاوية يمر فيها، على الرغم من تكرار الصورة عدة مرات.

*كما نجد صفحات الأشباح، فأصحابها لا ينشرون أي شيء، لا يشاركون أي شيء، فقط يعملون كأبراج المراقبة لمعرفة كل شيء. وهناك الباحثون عن المغامرة، موعد، ولقاء، كثير منهم مقنعون جدًا، لذلك يجب أن تكون واضحًا جدًا بشأن موقفك لتجنب الوقوع في الشبكات التي يمكن أن تكون خطيرة.

كلما زاد الإعجاب بالمنشور، ازداد احترام الذات، وهو ليس حقيقيًا بالطبع، ولكنه يخفف من الانزعاج، على الأقل لفترة من الوقت. وفي كل مرة، ستكون الحاجة لملء هذا الفراغ العاطفي أو النفسي أكبر. قال المحلل الثقافي شيري توركلي: «فالشخص السعيد لا يحتاج إلى إثبات أي شيء لأي شخص، بينما يحتاج أولئك الذين ليس لديهم هذا الأمان إلى إعادة تأكيده عبر هذه الوسائل. «المدمنون المحتملون» لقد ثبت أنه في كل مرة نحب واحدة من منشوراتنا، يطلق دماغنا كمية صغيرة من «الدوبامين»؛ هو هرمون المكافأة، الذي ينشط فينا إحساسًا لطيفًا. يمكن للشخص الذي ينشر المحتوى على الشبكات بشكل مستمر، أن يطور الإدمان على الدوبامين والإحساس الذي ينتجه.

الغريب في الأمر، لا يوجد زر «كراهية» على هذه الشبكات. حيث زر «الحب» أو «الابتسامة» أو «تسليني»، له تفسير واحد وهو أن التحفيز السلبي مثل «لا أحبها» له تأثير عاطفي أكثر حدة من التأثير الإيجابي. مما قد يتسبب في توقف العديد من الأشخاص عن استخدام الشبكات الاجتماعية.

من الواضح أن الشبكات الاجتماعية قد غيرت الطريقة التي نرى بها العالم. حياتنا الشخصية ليست غريبة عنها. إنها حقيقة، إذا لم يتم التعامل معها بالفطرة السليمة والحس السليم، يمكن أن تجلب لنا انعدام الأمن، الخوف، الحزن. لذا اعتني بملكك الخاص (حياتك الشخصية). وتذكر أن الشبكات الاجتماعية أسلوب لبناء مجتمع، وليس ألبوم صور، ترفيه أو للإساءة. يبدو أن الشبكات الاجتماعية لم تعد أدوات للاتصال فقط، ولكن أيضًا للانقسام وإنهاء العلاقات. من الأفضل تجنب هذا النوع من الأشياء. الحياة أجمل بكثير إذا خرجنا وعشناها، إذا احتفظنا بها لأنفسنا دون تعريضها لأطراف ثالثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد