البيشمركة ربما أول مرة تسمع بهذا الاسم في حياتك ولربما مر عليك ولم تعطِ لها بال، البيشمركة هي قوات حرس الحدود التابعة لكردستان العراق وكردستان العراق منطقة في شمال العراق تسكنها أغلبية من القومية الكردية تضم كلًّا من محافظة دهوك وسليمانية وحلبجة  وأربيل (العاصمة) وأجزاء من موصل يسمى بسهل نينوى ذي أغلبية كردية وكركوك التي تعتبر المدينه المقدسة.

البيشمركة كلمة كردية ذات معنى حيث المقطع الأول البيش تعني أمام ومركة يعني الموت فتصبح في اللغه العربية أمام الموت لأن تاريخهم حافل بالمعارك والقتال والشجاعة والبسالة في حربهم لنيل الحرية وإعلان دولتهم الخاصة.

متى ظهرت تسمية البيشمركة؟ يقول الدكتور محمد زايد أستاذ الشؤون الكردية بجامعة الأزهر الشريف إن أحد قوات البيشمرگه القدماء أخبره إنه في عام 1933م، على الأرجح كانت إيران تقوم بحملات عسكرية شديدة ضد الحركة الكردية التحررية، فتدارس زعماء الحركة الأمر، وتوصلوا إلى أنه لا بد من تشكيل جيش وقوات نظامية بهدف تنسيق النضال من أجل التحرر. وتدارس كبراؤهم الاسم الذي يطلق على هذه القوات، فبعضهم قال “الفرسان”، وبعضهم قال “المقاتلون”، وبعضهم قال “الفدائيون”، وبعضهم قال “المناضلون”؛  في أثناء ذلك كان الساعي أو العامل الذي يعد القهوة لهم، ويدعى أحمد دسمال، يستمع لما يقولون، فدخل القاعة حاملا صينية عليها فناجين القهوة لهم وطلب منهم أن يطرح عليهم تسمية لهذه القوات، فسمحوا له، فقال لهم: “بيشمرگه”؛ فنالت إعجابهم وموافقتهم، ومن هنا جاءت التسمية.

الأكراد وأنا منهم شعب كأي شعوب العالم، يحلمون ببناء دولة، يعيشون تحت ظل من يحكمهم من أبناء قوميتهم، يأخذهم بيده لبناء دولة وحضارة إنسانية تمجد الإنسان وتعترف بحريته. فهم قبل هذا اليوم بنو حضارة وتاريخًا عريقًا، ذلك التاريخ التي أتحدث عنه هو تاريخ أجدادهم الأيوبيين وعلى رأسهم صلاح الدين الأيوبي فاتح بلد المقدس (القدس) فهم من أمد التاريخ كانوا يسعون للحرية والدفاع عن مقدسات المسلمين، فالأكراد قدموا للإسلام الغالي والنفيس من أجل رفع راية الحق والدفاع عنه. ومنهم ابن تيميه شيخ الإسلام هو من أب وأم كرديين من منطقة حران وأمثله كثيرة لمن أراد عن يعرف عن الأكراد وتاريخهم.

البيشمركة هي أقدم قوات في العراق حيث يذكر المؤرخون أن تم تشكيلها في سنة ١٨٨٩ حيث كانوا في أول تشكيلهم مجرد قوات قبائل لحماية الحدود في الدولة العثمانية، وعند سقوط الدولة العثمانية أصبحت أكثر تنظيمًا واقوى وأكثر عددًا، شاركت البيشمركة في الكثير من المعارك من أجل راية الحرية وإعلان دولة مستقلة هي دولة كردستان العظمى، نجح في ذلك السعي ملا مصطفى البارزاني الأب الروحي للبيشمركة وقائدهم في جميع المعارك والحروب، نجح مع قاضي محمد في تأسيس أول دولة وهي دولة مهاباد في إيران وكان هو وزير الدفاع آنذاك لكن شاء القدر ألا تدوم الدولة أكثر من سنة حيث عاد بعدها إلى العراق بمدينة السليمانية.

ملا مصطفى البارزاني والبيشمركة تاريخ قديم وحب رجل أثار الجدل وشغل المنطقة لنحو ربع قرن، يصفه الكرد بالزعيم الخالد، ويطلق عليه خصومه أوصافًا تبدأ بالدهاء ولا تنتهي بالخيانة، لكن أحدًا لا يستطيع أن ينكر إصراره وقدرته على المناورة السياسية وزعامته للحركة الكردية في العراق طوال عدة عقود بلا منازع، سمي بالملا لمكانة عائلته الدينية التي ورثها عن جده وأبيه، وبدأ في عمر مبكر رحلة العمل المسلح، فقد شارك على رأس قوة من مائتي مقاتل في حركة الشيخ محمود الحفيد عام 1919 بينما كان في السادسة عشرة فقط، وسافر عام 1920 إلى تركيا مبعوثًا من أخيه الأكبر أحمد البارزاني للتنسيق مع الشيخ سعيد بيران الذي قاد بعد ذلك حركة واسعة ضد حكم أتاتورك.

وبعد ذلك بنحو عقد كان قد بدأ رحلة طويلة من التحرك المسلح ضد الحكومات العراقية حتى وفاتهِ، شارك مع أخيه في محاربة القوات العراقية مدعومة بقوات بريطانيه عام ١٩٣٢، وكذلك شارك في معارك ١٩٤٥ في معارك ضد القوات العراقية مرة أخرى وتوجه بعدها الى مهاباد لتولي حقيبة الدفاع هناك، وشارك كذلك بثورة الاستقلال وتحول العراق من النظام الملكي إلى الجمهوري سنة ١٩٥٨ بعدها استقبلهُ عبد الكريم قاسم بحفاوة ومنحه امتيازات لكن عاد إلى إعلان الثورة من أجل إقامة الدولة الكردية سنة ١٩٦١. توفي في أمريكا متأثرًا بمرض السرطان سنة ،١٩٧٩ مات وانتقال إلى الرفيق الأعلى لكن لم تمت الغاية التي سعى من أجلها وبقيت في نفوس أبناء قومهِ وبقيت في أرواح شجعانهِ البيشمركة.

البيشمركة ومسعود البارزاني تاريخ قديم حيث شارك مع أبيه في نضاله نحو أمة كردية مستقلة، والآن هو القائد العام للقوات المسلحة، تاريخ السروك مسعود لا يختلف عن تاريخ أبيه في نضالهم المشترك نحو أمة مستقلة. حقق جزءًا من تلك الأمنيات عام ١٩٩١ حينما أصبح إقليم كردستان وأخذ الأكراد خطوة نحو ألف ميل باتجاه الدولة، وتلك الخطوة تبعتها خطوات كثيرة، والشعب الكردي يأمل من قائده في هذا الأيام الصعبة إعلان دولة كردستان وتحقيق أحلام ما يقارب ٨٠ مليون إنسان من أبناء قوميتي الكردية.

في هذه اللحظات البيشمركة يكتبون بحروف من ذهب صفحات في التاريخ الحديث المعاصر بمواجهة قوى الشر والظلام  في المنطقة، وهي القوى التي لم يصمد أمامها لا الجيش العراقي ولا السوري ولا حتى اللبناني، ولا أظن أن هناك قوة غير البيشمركة باستطاعتها إيقاف تلك القوة وهي داعش، الآن أنا أكتب هذا الحروف وهم يضحون بأنفسهم وأرواحهم في سبيل أن تعيش الأمة الكردية في رخاء، هم الآن يقاتلون نيابة عن الكثيرين يحملون في قلوبهم مبادئ أبيهم الروحي الملا مصطفى البارزني، حارب من أجل الحرية وهم يحاربون من أجل الحرية، ليس للكرد فقط ولكن للكرد والعرب، فهم يحمون ويكرمون كل ضيف ينزل عندهم وهم معروفون بطيبة القلب والكرم والوفاء وحب الإنسان والإنسانية.

في ما مضى كتب تاريخ عن أمجاد أجدادنا وعن خطوات أسلافنا من صلاح الدين وتحرير القدس وعن ابن تيمية وصفحات كتبه الخالدة في الإسلام وعن الشيخ محمود الحفيد وملا مصطفى البارزاني وكفاحهم في إقامة كردستان العظمى، سيكتب التاريخ عن كفاح قواتنا البيشمركة في العصر الحديث في إقامة دولة كردية، وعن شجاعتهم وقوتهم وبسالتهم في التصدي لوحوش هذا العصر من داعش وغيرهم، تاريخ يكتب بحروف من حبر لكن تاريخ الكرد والبيشمركة يُكتب بحروف من دم، تلك الدماء الطاهرة الزكية المقدسه التي تفوح منها رائحة المسك. دماؤهم تكتب تاريخنا الحاضر، تاريخ إنسان يسعى للدفاع عن تراب أرضهِ الذي يُروى بدمائه الغالية.

لم ينصفنا التاريخ من قبل ولن ينصفنا الآن ونحن لسنا بحاجة إلى إنصاف أحد من كتاب التاريخ المعاصر، لأنهم يكتبون تاريخًا بحروف من حبر ونحن تاريخنا نكتبه بدماء أبطالنا من البيشمركة. الآن تكتبون التاريخ في الحاضر ليمجدكم أحفادكم في المستقبل كما نمجد أسلافنا، سنقف على قبوركم أو نزوركم في بيوتكم في المستقبل لتتحدثوا عن المعارك التي خضتموها في سبيل الدولة التي حلمنا بها، حروفي لن تنصفكم ولا أعتقد أن حروف أكبر كاتب في هذا الزمن ستنصف حقكم، لقد منحتمونا الحق في التفاخر بكم بين الأمم والشعوب، نشكركم كثيرًا.

 

قال تعالى:

(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171). (سورة آل عمران).

وقال تعالى:

فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(سورة النساء: الآية 74).

 

عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ” رواه الترمذي (1421) والنسائي 4095) وأبو داود (4772) وصححه الألباني في “إرواء الغليل” (708).

 

ومعنى الحديث أن من قُتل دفاعًا عن ماله أو عن أهله أو في نصرة دين الله تعالى والذبِّ عنه بأي وسيلة، أو عن نفسه، فهو شهيد له حكم الشهداء في ثواب الآخرة. جاء في تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي: “من قتل دون ماله” أي عند دفعه من يريد أخذ ماله ظلما “ومن قتل دون دمه” أي في الدفع عن نفسه “ومن قتل دون دينه” أي في نصرة دين الله والذب عنه “ومن قتل دون أهله” أي في الدفع عن بضع حليلته أو قريبته “فهو شهيد” لأن المؤمن محترم ذاتًا ودمًا وأهلًا ومالًا، فإذا أريد منه شيء من ذلك جاز له الدفع عنه، فإذا قتل بسببه فهو شهيد. اهـ

وجاء في شرح مسلم للإمام النووي: باب دليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم حقه، وإن قتل كان في النار، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد؛ فيه: أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك. قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد