مع بداية العقد الثالث من القرن التاسع للميلاد، كانت مصر على موعد مع ثورة كبرى كادت أن تطيح بالمحتل والغازي العربي إلى شبه الجزيرة العربية مرة أخرى وتغير من خريطة المنطقة لولا الخيانة.

مقدمة
في عام 641م، احتل العرب مصر بعد طرد المستعمر البيزنطي، ومثلما فعل الروم والبيزنطيون بأهل مصر فعل العرب بالمثل، واستمروا في نهب خيرات مصر وثروات المصريين عن طريق فرض الضرائب والمكوس الجائرة، وأهمل الفلاحون أراضيهم الزراعية بسبب عجزهم عن دفع الضرائب الظالمة فانهار الاقتصاد تمامًا، ومات منهم أعداد ضخمة بسبب الجوع والوباء.

وفي عام 41هـ/ 662م أعتلى الأمويون سدة الخلافة، واستمر النهب والتعسف والاضطهاد ضد الأقباط طوال العصر الأموى، وظل يتصاعد حتى وصل إلى ذروته في زمن ولاية الخليفة الأموي “عبد الملك بن مروان” (65هـ : 86هـ/ 685م : 705م)، فثار الأقباط في تنديمي وقربيط والحوف الشرقي في الوجه البحري، وامتنعوا عن دفع الضرائب، وقتلوا عمال الخراج في البشمور وقاوموا سلطته في براري الدلتا وبحيراتها في المنزلة ودمياط، وانتصر الأقباط على عساكر الحاكم مرتين بقيادة “مينا بن بقيرة” فأرسل الوالي العسكر لتأديبهم فقتلوا منهم الآلاف.

وفي عام 132هـ/ 750م أرسل “أبو مسلم الخرساني” جيشًا بقيادة “قحطبة بن شيب” إلى العراق، فاستطاع هزيمة الأمويين وضم العراق لدولة بني العباس الوليدة، ثم زحف العباسيون نحو دمشق مقر الخلافة الأموية، والتقوا بجيش الأمويين بقيادة “مروان الثاني بن محمد بن مروان” الملقب بـ”مروان الحمار”، الذي خرج لهم عند نهر الزاب في شمال العراق، وانتصر العباسيون، وفر “مروان بن محمد” إلى مصر، ولكنه وقع في يد العباسيين الذين قتلوه في بلدة بوصير بالفيوم ومثلوا به، وبذلك زالت الدولة الأموية وقامت الخلافة العباسية.

في بدايات الاحتلال العباسي تحسنت أحوال الأقباط نسبيًّا عما كانت عليه في عصر الأمويين الذين أرهقوهم بالمظالم والضرائب، لكن بعد مرور أول ثلاث سنوات من حكم الخليفة “أبي العباس عبد الله” الملقب بـ”السفاح” عاد المحتل إلى استنزاف بقرته الحلوب ونهب ثورات الأقباط، وأدرك الأقباط أنهم بالغوا في تفاؤلهم، لأن الحكومة مهما كانت متسامحة لا تستطيع أن تعيش دون جباية الضرائب، وزادت خيبة أملهم عندما أدركوا أن الفاتح الجديد كان يريد أن ينعم بثمرة انتصاره، لذلك لم يلبثوا أن وضعوا نصب أعينهم هدفًا واحدًا هو تغيير حكامهم الجدد والتحرر من ربقتهم، فيقول د. جاك تاجر في كتابه “أقباط ومسلمون” نقلًا عن المؤرخ ابن المقفع: “ولما كان في ثالث سنة من مملكة الخراسانيين )العباسيين) أضعفوا الخراج وأكملوه على النصاري ولم يوفوا بوعدوهم”، وتدهورت أحوال المصريين بشكل مريع بسبب قلة الزراعة وكساد التجارة وموت أعداد كبيرة من المصريين بسبب الأوبئة والقمع عقابًا على عجزهم عن إتيان الجزية والمكوس، ويصف المؤرخ ابن إياس الحال المزري الذي آلت إليه الأوضاع في مصر قائلًا: “قد آل أمرها إلى الخراب”.

في العقد السادس لحكم الامويين أصبح “عبد الله المأمون” خليفة المسلمين عام 813 م بعدما قتل أخاه “الأمين” بعد صراع دام لأربع سنوات على عرش الخلافة، وبعد اعتلائه سدة العرش عين أخاه الأصغر “المعتصم” وليًّا للعهد الذي عين بدوره اثنين من الولاة لجباية الخراج تسببوا في زيادة ثورة الأقباط في الوجهين البحري والقبلي، وفي عام 829م عين المعتصم “عمير بن الوليد” واليًا على مصر، ولكن كثر الظلم في عهده، ورفض أهل الوجه البحري دفع الخراج، وانتشرت دعاوى الإضراب كالنار في الهشيم، وامتدت لنواحي كثيرة في مصر، وقامت ثورات متفرقة شارك فيها مسيحيون ومسلمون على حد سواء في أماكن عديدة في الوجه البحري مثل ثورة أهل رشيد وثورة أقباط الحوف وانتشرت حتى الصعيد، وشجع الثوار على التمرد المناخ العام في الولايات المحتلة من العرب في هذا الوقت والحركات الاستقلالية التي بدأت تنتشر بضراوة في زمن واحد في جميع الأنحاء، فقد أعلن “نصر بن شبث” الثورة على الخليفة العباسي، وقامت دولة “الرستميين” بالجزائر ثم “الأدارسة” بالمغرب في بلاد فارس في جبال شمال غرب إيران بزعامة “بابك الخرمي”، وتصاعدت الأحداث بسرعة وقتل المصريون “عمير بن الوليد” وتولى مكانه “عيسى بن يزيد الجلودي”، وبدلًا من أن يترفق “المأمون” بالمصريين، صب الزيت على النار بتولية “عيسى بن منصور الرافقي” حكم ولاية مصر عام 216هـ/ 831م، فضاعف من زيادة ظلم جباة الخراج وولاتهم وضوعفت الجزية، وعني باضطهاد البشموريين في شمال شرق مصر تحديدًا وأحرق منازلهم وكنائسهم.

البشموريون هم أقباط منطقة شمال الدلتا بين فرعي رشيد ودمياط المسماة بالبشمور أو البشرود، وأطلق على البشمورين أيضًا اسم “البياما”، أو “البيامي” كما ذكر المؤرخ أبو المكارم قائلًا: “هي لفظه قبطية وتعني أربعين وذلك أن الروم لما خرجوا من مصر في وقت دخول المسلمين تخلف منهم أربعون رجلًا فتناسلوا وكثروا وتوالدوا بأسفل الأرض من مصر فسموا بالبياما، وكونوا جيشًا وقاتلوا المسلمين بعدما فتحت مصر بسبعة سنين كاملة”، وقد شكلت المستنقعات والأحراش والأرض الموحلة – نتيجة اختلاط مياه البحر الرومي (البحر المتوسط) بمياه النيل العذبة التي كانت تحيط بالبشمور- حماية طبيعية لها، فتميزت أراضيها بالسيولة التي تغوص فيها أقدام السائر، وأقل إهمال او عدم احتراز قد يؤدي إلى الغوص والتهلكة لأن كثيرًا من مواضع تلك السيولة ليس له قرار، ويمكن أن يبتلع الإنسان ويحتويه داخل الطين مثلما هو الماء الخالص.

وكان البشموريون قد تمرسوا عليها منذ صغرهم، وقد بنوا كورهم وقراهم على ما بها من مواضع راسخة التربة، تلك الأحراش والمستنقعات ستعيق لاحقًا حركة العرب الغزاة الذين لم تكن لهم الدراية بطبيعة المنطقة، وكان الشموريون يعملون بالصيد وتصنيع ورق البردي في سلام وطمأنينة، حتى تولى الرافقي ولاية مصر فأرهقهم بالضرائب وأثقل كاهلهم، فيقول ابن المقفع: “عامل العرب البشموريين على الأخص في غاية القسوة، فقد ربطوهم بسلاسل إلى المطاحن وضربوهم بشدة ليطحنوا الغلال كما تفعل الدواب سواء بسواء، فاضطر البشموريون أن يبيعوا أولادهم ليدفعوا الجزية ويتخلصوا من آلام هذا العذاب، وكان يعذبهم رجل من قبل الوالي اسمه غيث”، وأيد المؤرخ “ميخائيل السوري” سبب ثورتهم الذي ذكره ابن المقفع وزاد عليه فقال: “وقالوا إن الوالي كان يرغمهم على دفع الجزية وكانوا لا يستطيعون تحملها، فكان يسجنهم ويضربهم ضربًا مبرحًا ويضطرهم إلى طحن الحبوب كالدواب تمامًا، وعندما كانت تأتي نساؤهم إليهم بالطعام كان خدمه يأخذونهن ويهتكون عرضهن، وقد قتل منهم عددًا كبيرًا وكان عازمًا على إبادتهم عن بكرة أبيهم حتى لا يشكوه إلى الخليفة، ولما اقتنعوا نهائيًّا أن هذا الظلم لا يحده إلا الموت وأن بلادهم كلها مستنقعات تخللها الطرق الضيقة التي ينفردون بمعرفتها، وأنه يعد من المستحيل على جيوش المسلمين أن تغزوها فقد اتفقوا على إعلان الثورة ورفضوا دفع الجزية” وتزعمهم القبطي يحنس الطوبي، وقاموا بطرد عمال الدولة ورفعوا راية العصيان ورفضوا دفع الجزية، وتواصلت الاحتجاجات إلى أن عم الغضب جميع أنحاء البلاد وقد أسفرت هذه الثورة عن هزيمة جيش الغزاة (العرب) هزيمة منكرة في المرة الأولى، وفرّ أمامهم الوالي يتبعه جُباة الضرائب.

وكتب المقريزي في هذا الصدد: “لما كان في جمادي الأول سنة 216هـ، انتفض أسفل الأرض بأسره، عرب البلاد وقبطها وأخرجوا العمال وخلعوا الطاعة لسوء سيرة عمال السلطان فيها فكانت بينهم وبين عساكر الفسطاط حروب”، وتقول بعض الروايات الضعيفة إنه أمام هذا الغضب تنصل الخليفة العباسي المأمون مما فعله واليه وقال: “أنا غير مسئول عن سياسة ولاتي لأني لم أمل عليهم هذا الموقف الذي اتبعوه، أنا لم أفكر قط في إرهاق الناس وإذا كنت أشفقت على الروم أعدائي فكيف لا أشفق على رعيتي”، وقال للوالي المسئول عيسى بن منصور: “لم يكن هذا الحادث العظيم إلا من فعلك وفعل أعمالك، حملتم الناس ما لا يطيقون حتى تفاقم الأمر واضطربت البلاد” واكتفى الخليفة العباسي بتوبيخ الوالي وألبسه ثوبًا أبيض وأمر أن يطاف به في الشوارع، لكن تلك الرواية محل شك لأن المأمون نقل الوالي عيسى بن منصور على أفريقيا (تونس) بعد استنزافه لمصر، فحاول فعل نفس الشيء هناك ولكن شعب تونس قاموا بخطف زوجاته وجواريه وجميع أبنائه وقطعوا رؤوسهم وأرسلوها له في عدة أشولة فارتعب، يزيد من ضعف مصداقية الرواية السابقة أن هذا الموقف السلبي للخليفة المأمون لم يستمر طويلًا بعدما شعر بمدى خطورة البشموريين وتهديد ثورتهم للحكم العربي في مصر، فأرسل أخاه المعتصم على رأس جيش قوامه أربعة آلاف جندي لإخماد ثورة الأقباط ببر مصر فهاجم المعتصم بعساكره منطقة الحوف في الوجه البحري وقتل أعدادًا من سكانها، وعلى الرغم من وحشية الحملة وذبح الأطفال والشيوخ وانتهاك الحرمات، لكن الثورة لم تخمد ولم يهدأ أهل بشمور، وبالفعل توالت هزائم الجيش العربي على يد المصريين في أغلب أنحاء مصر ما عدا العاصمة (الفسطاط) والإسكندرية، وهنا شعر المأمون بالخطر، لم يفكر في الأمر مرتين.

فمع خروج الجزائر والمغرب عن سلطانه وتمرد مصر وفارس أصبح بذلك حكمه في مهب الريح، وشعر بعرشه يهتز بشدة ووجد نفسه مضطرًا أن يأمر أفضل قواده العسكرين المدعو “أفشين” التركي – الذي يقود جيشًا من الأتراك- بالعودة من برقة ليخمد الثورة في مصر بدلًا من فتح المغرب، والذي كان لتوه نجح في قمع ثورة “بابك الخرمي” في أعلى جبال إيران بعد فشل الجميع في قمعه، وهاجم الأفشين البشموريين وكان ذلك في ليلة الجمعة الليلة التاسعة من محرم، فحاصر منطقة البشموريين فلم ينجح معهم لأنهم قاموا بتكتيك جديد بالنسبة لعصرهم فقد كانوا يهاجمون الجيش ليلًا بجماعات صغيرة فيقتلون ويأسرون الجنود ويعودون إلى داخل المستنقعات وهكذا، وحاربوه وقتلوا من جيشه عددًا وافرًا، ثم جرد عليهم عسكرًا آخر فكسروه، وفشل أفشين تمامًا في إخماد ثورة البشموريين فلم يقدر عليهم لمناعة منطقتهم المحاطة بالمياه، وكانوا يقتلون كل يوم عددًا كبيرًا من جنوده، مما اضطره أن يكتب إلى المأمون الخليفة العباسي في هذا الوقت طالبًا إمدادات للقضاء على الثورة التي اندلعت في كل مكان في محاولة للتخلص من نير الطغاة، فتركهم الأفشين وذهب ليخمد التمرد في الشرقية وهناك أحدث فيهم مقتلة ومذبحة ضخمة قدرها المؤرخون بالمئات ولكنهم لم يذكروا الأعداد بالتحديد، ولكن هذه المذبحة أدت إلى استسلام عرب الحوف الشرقي وسكوتهم وانسحابهم من الثورة، ولكن الأقباط بقيادة ابن بقيرة لم يستسلموا وكبدوا القوات العربية التركية خسائر فادحة.

كان المأمون في دمشق عندما وصله خطاب الأفشين، فقرر الذهاب إلى مصر، وكان بطريرك الكنيسة المليكانية الأنبا ديونسيوس الأنطاكي في دمشق، فأرسل إليه المأمون خطابًا يقول فيه: “امكث هنا لتأتي معنا إلى مصر لأننا نريد منك أن تذهب كسفير عند البياماى (البشمورين) في مصر السفلى، وتقنعهم بالكف عن القتال والعودة إلى الطاعة”، وزحف المأمون من بغداد إلى مصر على رأس قوة حربية ضخمة مكونة من ثلاثة جيوش ليحاصر البشموريين وليخمد الثورة التي فشل في إخمادها كل قواده، ووصل إلى الفرما (العريش) وهناك قابل ديونسيوس، ويقول ديونسيوس إن الخليفه قال له: “لقد علمت أيها البطريرك بنبأ ثورة النصارى المصريين المعروفين باسم البياماى وأنهم لم يكتفوا بالخراب الذي أصابهم من جراء هجومنا الأول عليهم، ولولا تسامحي وعدم تفكيري في القضاء عليهم لما أرسلت إليهم رجلًا مثلك، خذ معك المطارنة الذين بصحبتك وسائر المطارنة المصريين واذهب إلى مقابلتهم وفاوضهم بشرط أن يسلموا الثوار ويأتوا معي ومع جيشي إلى المكان الذي أعينه فأسكنهم فيه، فإذا رفضوا فإني سأقتلهم بالسيف.

ولما حدثت الخليفة طويلًا على أساس أن يخضع البشموريين لحكمه ويتركهم في بلادهم أجاب قائلًا: لا! فليخرجوا من البلاد أو يتعرضوا للقتل”، واستدعى المأمون الأنبا يوساب الأول بطريرك الأقباط، وطلب منه أن يتعاون معه ومع الأنبا ديونسيوس الأنطاكي في إخماد الثورة، وأن يكتب للثوار والمتمردين منشورًا ينصحهم ويحذرهم فيه من مغبة التمرد، فحرر الاثنان رسالة للثوار بها نصائح ومواعظ، حثا فيها الثوار أن يلقوا بسلاحهم ويسلموا أنفسهم لولاة الأمير، محاولين إقناعهم بعدم قدرتهم على مقاومة الخليفة بالسلاح، ووصفا لهم المصائب التي ستحوق بهم، ونصحاهم أن ينصرفوا عن عزمهم في مواصلة الحرب، فاستجاب الأقباط في الوجه البحري لرسائل النصح، لكن البشموريين رفضوا الاستسلام وعقدوا العزم على مواصلة الثورة والقتال، وأخذوا يصنعون لأنفسهم الأسلحة وحاربوا الخليفة علانية، ولما اتضح أن هذا الخطاب لم يؤثر فيهم، أرسل لهم يوساب الخطاب تلو الخطاب ملحًا في رجائه، ولكن على الرغم من كل هذا فقد رفض البشموريون هذه النصائح الاستسلامية.

وفي الوقت الذي كان الثوار في أمس الحاجة للمعونة المادية والمعنوية حتى يتمكنوا من التخلص من الظلم والاستبداد الأجنبي، إذ بالقادة الروحيين يدعوهم إلى الاستسلام، ولا شك أن هذا الموقف من طرف القادة الروحيين كان له أثره البالغ على الأقباط أكثر من كل جحافل المأمون وطواغيته، وكان المشهد مثيرًا للتأمل، ففي الوقت الذي كان الأفشين يحرق بلاد البشمور ولا يبقي فيها على أحد حيًّا، كان الراهبان الكبيران يحثان الناس على طاعة الراعي والخليفة تجنبًا للهلاك.

ولما بلغ اليأس بهما مداه، ذهب البطريركان بأنفسهما إلى البشمور، وطلب منهم بطريرك الأقباط يوساب عدم الخروج عن طاعة السلطان والعودة إلى الإستكانة، بينما استمع بطريرك الكنيسة الميلكانية ديونسيوس إلى شكواهم من ظلم العمال والتنكيل بهم بدون سبب ونهب محاصيلهم ومتاعهم، وعاد البطريركان إلى الخليفة المأمون، وأقرا بفشلهما في إقناع الأهالي البشموريين بالعودة إلى الطاعة، ووصف ديونسيوس مكان البشموريين وحالهم، ونقل إليه شكوى أهالي البشموريين من ظلم العمال ونهب أموالهم ومحاصيلهم قائلًا: “لقد وجدناهم مجتمعين وقد احتموا في جزيرة محاطة بالمياه والخيزران والغاب من كل جهة، فخرج إلينا رؤساؤهم وتقدموا نحونا، ولما وجهنا إليهم اللوم على الثورة التي أشعلوها، والمذابح التي اقترفوها، أنحوا باللائمة على من كان يحكمهم، إلا أنهم عندما علموا بوجوب الخروج من بلادهم، حزنوا حزنًا شديدًا ورجونا أن نبعث إلى الخليفة برسالة نطلب إليه يسمح لهم بالمثول بين يديه ليقصوا عليه كل ما احتملوه من الهوان”، فطلب منه المأمون العودة إلى الشام وعدم ذكر هذه الشكوى مرة أخرى حتى لا يسمعه أخوه المعتصم المتكفل بمصر والشام قائلًا: “لا تفه بمثل هذا الكلام، لأن متولي الخراج عينهم أخي المعتصم، ولو سمع ما قلت لما أبقاك حيًّا بمصر ساعة واحدة”،، لأنه هو الذي يختار متولي الخراج ويحصل أيضًا على الجزية والخراج، أي أنه المسئول عن المذابح التي ارتكبوها، ولو سمع ذلك من بطريرك الشام ربما قام بإيذائه، هكذا تكلم الخليفة المأمون، ويبدو أن المعتصم كان الرجل القوي في دولة المأمون ولذلك هو الذي تولى الخلافة بعده، وأسرع ديونسيوس ليودع البابا القبطي يوساب وعيناه تفيض بالدموع قائلًا: “فلا مكان لقول الحق مع هؤلاء الناس”، ثم سافر عاجلًا، وبعد رحيله بلغ المعتصم الخبر فأرسل وراءه من يقتله، ولما لم يتمكن من العثور عليه غضب جدًّا، ولاحقًا بعد أن توفي المأمون وملك المعتصم هرب ديونسيوس من أنطاكية حتى عاهده الخليفة ألا يقتله فرجع إليها.

أما في مصر فلم يكن الأمر يحتاج للكثير من ذهب المعز وسيفه حتى بدا الأساقفة الأقباط التابعون للبطريرك يوساب في إرسال رسائل الحث على ترك السلاح للثوار، بل وتهديد بعض الأساقفة المؤيدين للثوار والثورة بالحرمان مثل الأنبا إسحاق أسقف تنيس بشمال شرق الدلتا، وكان هذا يحدث في الوقت الذي كان الثوار لا يزالون يسيطرون على أغلب شمال الدلتا وكانوا في حاجة للدعم وليس التثبيط، وفي النهاية لما قدم الأساقفة بأنفسهم حاملين معهم هذه الرسائل، انقض عليهم البشموريون وجردوهم من ملابسهم وأمتعتهم وطردوهم بعد أن أوسعوهم سبًّا وشتمًا، ولما عاد هؤلاء الأساقفة إلى البطريرك وقصوا عليه ما حدث، قرر البطريرك أن يترك هذا الشعب إلى مصيره وقد أدى تصرفه هذا إلى إعطاء الضوء الأخضر لتعاون بعض الأقباط في العمل كمرشدين في جيش العرب.

فأمر المأمون أن يجمعوا كل من يعرف طرق ومسالك مناطق البشموريين، فجاء عدد من أهل المدن والقرى المجاورة لهم، ومن كل الأماكن ومن أهل تندا وشبرا وسنباط وعملوا مع المسلمين كدليل ليرشدوا جيش الخليفة للوصول إلى البشموريين دون المستنقعات التي عجز الجيش على الدخول إليهم في الغزوات السابقة، فدارت الحرب الضارية بين جيش المأمون وأهل بشمور، ويذكر كتاب “الخريدة النفيسة” ذلك الحدث فيقول: “واستعدوا لمقاومة من يقصد سلب استقلالهم وإذلالهم، وبعد حروب دموية بينهم وبين عساكر المأمون كان النصر دائمًا في جانب الثوار، وقاد الخليفة الجيش بأجمعه إلى حومة الوغى وأصلى نار الحرب.. ولم يدخر من قوته وسعًا حتى أضعف الثوار”، وركز المأمون جميع قواته ضدهم وأعمل فيهم الجند والسيف وأحرقوا مساكنهم وهدموا كنائسهم وقتلوا صغارهم وسبوا نساءهم، وخلال ثلاثة أسابيع كانوا قد سلم لهم البشموريون فهلكوهم وقتلوهم بالسيف، وسالت بحور من الدماء ونهبوهم وأخرجوهم من مساكنهم وأحرقوها بالنار، فقتل من الرجال ثماني مائة ألف وسبى الأطفال والنساء، وأما تقي الدين المقريزى فيقول: “انتفض القبط فأوقع بهم الأفشين على حكم أمير المؤمنين عبد الله المأمون فحكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والذرية، فبيعوا وسُبى أكثرهم، حينئذ ذلت القبط في جميع أرض مصر”، ويضيف: “أن المذبحة كانت عبرة لمن لا يعتبر، ولم يجرؤ المصريون بعد هذه المقتلة على الثورة ضد الخلافاء والسلاطين حتى وقتنا هذا”.

ولما رأى المأمون كثرة القتلى أمر جنوده بأن يتوقفوا عن قتلهم، وأمرهم بالبحث عمّا تبقىَ من البشموريين وقادتهم، وأمرهم أن يغادروا بلادهم، غير أنهم أخبروه بقسوة الولاة المعينين عليهم وأنهم إذا غادروا بلادهم لن تكون لهم موارد رزق، فلم يعبأ بالأمر، وأرسلهم على سفن إلى أنطاكية حيث أرسلوا إلى بغداد – عاصمة الدولة العباسية آنذاك- وكان يبلغ عددهم نحو ثلاثة آلاف، مات معظمهم في الطريق، ومن نجا منهم مكث في سجونها، أما الذين أسروا في أثناء القتال فقد سيقوا كعبيد ووزعوا على العرب، وبلغ عدد هؤلاء خمسمائة، فأرسلوا إلى دمشق وبيعوا هناك.

وعندما أحرز المأمون النصر سنة 832م مكث شهرين في مصر، وقام بجولة استعراضية بعد قضائه على الثورة في كل أنحاء مصر، وفرض على القرى والمدن ما يسمى بضيافة السلطان وحاشيته، مما كبد فقراء القرى المصرية فوق احتمالهم وقدراتهم المنهكة بفعل الجزية والخراج واستضافة الجند والعمال، لم يكتف المأمون بهذه الجولة بل ذهب إلى الهرم العتيق محاولًا هدمه حتى يترك ذكرى لا يمحوها الزمن، ولكنه لم يستطع بجنوده وعماله إلا أن يفتح طاقة صغيرة أقل من الشباك.

وقبل أن يغادر مصر قام بمكافأة البابا يوساب بأن قلده منصب الرئيس الروحي لجميع كنائس مصر وأعطاه سلطات على كل الكنايس القبطية في مصر وعلى كل ما يعملون بها، وقد حاولت بعض الكتابات المعاصرة تبرير موقف يوساب بقولها إن البطريرك يوساب كان يذوب حسرة على رعيته التي تحالف على إفنائها الطاعون والمجاعة والحرب، وقد تحسر البطريرك على البشموريين لأنهم خاضوا غمار الحرب ضد عدو يفوقهم في العدد والعتاد وتعرضوا للموت بحكم إرادتهم، لكن يبدو أن الأمر لم يتعد مجرد الكلام وفقط.

ولم يكن ذلك بالأمر الغريب على رؤساء الأقباط الروحيين، فقد سبق وأن حدث الأمر ذاته تقريبًا بين عمرو بن العاص والبابا بنيامين الأول، الأمر الذي يفسره د. جاك تاجر في كتابه أقباط ومسلمون قائلًا: “إن الأقباط لم يحركوا ساكنًا بعد مقتل عثمان والانشقاق الذي حدث بين أنصار علي بن أبي طالب وأعدائه، وقد أثار هذا الموقف دهشة المستشرقين، ولكن الأكليروس القبطي – وكان وقتئذ هو الذي يمكنه إشعال نار الثورة- كان راضيًا كل الرضا عن الاحتلال العربي، لأن عمرو أكرم بطريركهم كل الإكرام وأحاطه بالإجلال والاعتبار وطلب إليه نصائحه وبركته، وأمر بإعفاء رجال الدين من الجزية”.

رحل المأمون عن مصر وذهب إلى بغداد ولم يعش غير عدة شهور وتوفي في خريف 833م، ثم تولىَ الخلافة شقيق المأمون وولي عهده إبراهيم الملقب بالمعتصم، فأطلق البشموريين من السجون ربما لشعوره بالذنب مما فعله الولاة تجاههم، وقد عاد البعض إلى بلادهم وبقي البعض الآخر في بغداد.

ثورة البشموريين كانت أكبر وأشد وآخر ثورات الأقباط الذين أنهكهم الاضطهاد والتعسف في عصر الولاة، وبالرغم من أن البعض صورها على أنها ثورة دينية قام بها الأقباط ضد المسلمين إلا أن المؤرخين يجمعون على أنها كانت ثورة اجتماعية ضد ظلم الوالي عيسي بن منصور وشارك فيها الكثير من المسلمين، وبعدها بدأت أعدادهم تقل بعد ما دخل الإسلام منهم حوالي ربعهم، وبحلول القرن التاسع كان الأقباط قد صاروا أقلية في مصر، وحلت اللغه العربية محل اليونانية في دواوين الدولة ومكان اللغة القبطية في المعاملات بين الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

بدائع الزهور في وقائع الدهور - ابن إياس.
أقباط ومسلمون - جاك تاجر.
تاريخ مصر الإسلامية – د.جمال الدين الشيال.
سندباد مصري.. جولات في رحاب التاريخ - حسين فوزي.
تاريخ المسيحية الشرقية - عزيز سوريال عطية.
السلوك لمعرفة دول الملوك – المقريزي.
تاريخ الكنيسة القبطية - القس منسي يوحنا.
سيرة الآباء البطاركة - ابن المقفع.
تاريخ الأمة القبطية - يعقوب نخلة روفيله.
عرض التعليقات
تحميل المزيد