في سباق المائة متر في إحدى تصفيات الأولمبياد اصطف المتسابقون في خط البداية منتظرين إعلان لحظة الانطلاق، الكل يحضّر نفسه ويمني نفسه الفوز بالسباق، أحدهم يقوم بحركات رياضية والآخر يؤدي تمارين التنفس العميق وثالث يتأكد من ربط حذائه وهكذا، كان هذا السباق مصيريا وحاسما والجماهير متحمسة جدا، الشيء المميّز فيه ويختلف عن باقي السباقات هو أن المتنافسين يشكلون أغرب مجموعة يمكن أن تتخيلها، الأول رجل طويل قوي البنية بجانبه آخر يعرج على قدمه اليمنى، الثالث عجوز يعتمد على عكازه وبجانبه صبي صغير في العاشرة من العمر، الخامس رجل أعمى وعلى يمينه امرأة، أما الأخير فيجلس على كرسي متحرّك.

بطلقة النار أعلن الحكم بداية السباق وانطلق الجميع مهرولين، والجماهير خلفهم يصفقون ويهتفون، لم ينبّه أحد الحضور أن الاختلاف بين المتسابقين كبير جدا، لم يتساءل أحد عن وجود رجل أعمى منافس لآخر بصير، لم ينبّهوا لوجود رجل قوي يجري بجانبه عجوز، ولا لوجود الصبي والمرأة هناك، الكل ظل يصيح ويشجّع بأعلى صوته في سباق محسوم من البداية لصالح الرجل الصحيح القوي الذي فاز بجدارة واستحقاق، هنا راحوا يلومون الخاسرين، أحدهم يعيب على الأعرج عرجه ويحمّله مسؤولية تقاعسه وآخر ينهر الصبي وثالث يتهكّم على العجوز ورابع يسخر من صاحب الكرسي المتحرّك وهلم جرّا.

لم يعترض أحد على إشكالية تكافؤ الفرص لأنهم لم يُفكّروا في الأمر إطلاقا، فمادام الحَكَمُ قد قبل وحكم بذلك فالأمر لا إشكال فيه، لقد تجاوزوا هذا المنطق وبدأوا يحلّلون ويناقشون أداء كل منهم.

أين عدل الله؟

هل من المعقول أن يحدث سباق مثل هذا؟ طبعا لم ولن يحدُث أمر كهذا لأنه مخالف تماما لأبسط قواعد المنطق، أمّا عندما يتعلق الأمر بسباق مصيري كالجنة والنار، كالفلاح والخسران، تجد العديد يعتبرون شيئا كهذا ممكنا ومقبولا، هل أنت منهم؟ دعنا نناقش الموضوع أولا لنعرف.

هل سبق وأن تساءلت يوما عن الحكمة من كونك ولدت مسلما؟ هل هو امتياز حصلت عليه بينما حُرم منه المليارات؟ إن كان كذلك فكيف تمّ اختيارك؟ هل للبيئة دور في كونك مسلما؟ ما بال الإنسان الذي ولد في بيئة الإلحاد؟

دعونا نناقش إشكالية عويصة، وهي دور البيئة في عقيدة الإنسان، ولنقارن بين شخصين من بيئتين مختلفتين، عمر وبيتر.

لنسمي الإنسان الذي ولد في بيئة الإسلام: عمر، أما الذي ولد في بيئة الإلحاد أو الشرك فهو: بيتر.

هل عمر يُعتبر أفضل حظّا من بيتر بسبب أنه ولد من أبوين مسلمين ويعيش في مجتمع مسلم؟ إن كان الأمر كذلك فما السبب في هذا التفضيل؟ هل قدّم عمر شيئا لله حتى كوفئ بهذه البيئة الطاهرة المسلمة؟ وهل أقدَم بيتر على جُرم حتى يعاقب بالبيئة الكافرة الملحدة؟

والسؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو: أين يكمن عدل الله؟

من هو «بيتر»؟

قد يكون اسمه «أنديرا» ذلك الرجل الذي أمضى حياته في تلك القرية الهندية النائية، لقد اعتاد على تقديس البقرة والصلاة لها والتبرّك ببولها تماما كما وجد أبواه يفعلان، تماما كما كان راهب القرية يفعل، هو يعجب لتصرّف بعض السائحين (الكفّار) الذين يأخذون صورًا للسّكان ولا يتبرّكون بالبقرة ولا يصلون لها مثل أهل القرية جميعا.

قد يكون ذلك الروسي رومانوف، لقد تعلّم في المدارس الفلسفةَ الشيوعيةَ، وأن الحياة وُجدت صدفة ولا وجود لهدف معيّن من هذا الخلق، كل ما عليه فعله هو أن يُحقّق ذاته في هذا الوجود مادام حيا، وعندما يموت سيفنى ويعود للعدم، لقد تعجّب كثيرا لمّا سمع عن بشر يؤمنون بخرافة الإله، يتبركون ويتضرعون لشيء لم يروه أبدا.

قد يكون حاييم الذي كُتب له أن يولد في تل أبيب من أبوين يؤمنان بالديانة اليهودية حتى النخاع وترعرع في ذلك الحضن حتى كبُر، هو في الغالب يعتقد أنّ ما تربّى عليه هو الصواب ويتأسّف لحال العديد من البشر الذين لم يفهموا الحقيقة التي ذُكرت في التلمود.

قد يكون صامويل الذي فتح عينيه في الفاتيكان، طوال حياته وهو ممتنّ للقسيس الذي تعلّم منه التديّن ومعرفة الرّبّ، لقد كان مواظبا على زيارة الكنيسة منذ أن أدرك الوجود حوله، لا زال غير مستوعب للضلال الذي يعيش فيه الملايين من البشر، لقد جعل حياته في سبيل إنقاذهم إلى الحقّ الذي تربى عليه وتعلّمه.

أمّا عمر، فقد حفظ أجزاء من القرآن في عمر السادسة وبدأ الصلاة في العاشرة، مثل باقي المسلمين لقد تعوّد حضور دروس وخطب الجمعة في المسجد المجاور وتعلّم أن الدين الإسلامي هو الحق وأن باقي البشر على ضلال، لقد علِمَ أنّه محظوظ لأنه وُلد وعاش في بلد إسلامي، مدرسة الحي تقوم بتحفيظ الصبية القرآن، مساجد يعلو منها الأذان صباح مساء، خطب جمعة تُبثّ أسبوعيا عبر مكبّرات الصوت والعشرات يراهم يذهبون للمسجد كلّ صلاة.

هل أنا فعلا محظوظ؟

هنا عليك أيها القارئ العربي أن تقف قليلا وتتساءل: هل أنا فعلا محظوظ لأني وُلدت في بيئة الإسلام؟ كيف حصلت على هذا الحظّ؟ هل مِنْ مجهود قُمتُ به قبل أن أُولَد؟ هل ممّا فعله أبواي في حياتهما؟ أم الأمرُ لا تفسير له، مجرد حظّ نزل علي من السماء وفقط كما تنزل زخّات المطر!

العدالة الإلهية هي من أهم المحاور التي كان على المسلم فهمها واستيعابها لأنها تجيب على العديد من التساؤلات وتحلّ العديد من الإشكالات، وبما أن القارئ العربي يعيش في الغالب في بيئة الإسلام فإن حديثنا سيكون موجّها لعمر، هل فعلا أنت محظوظ  يا عمر؟ لماذا أنت بالذات؟

لو نظرت إلى الأمر من زاوية أخرى فستجد هذا السؤال معقولا جدّا، ضع نفسك مكان بيتر، هل تعتقد أنه من السهولة أن تصل إلى أنّ الإسلام دين الحقّ؟

الأمر أصعب مما تظنّ، طوال طفولته قد لا يسمع عن شيء اسمه الله مثل رومانوف، وسوف يرتاد الكنيسة مع والديه مثل صامويل، وقد يظل يتبرّك بالجدار ويبكيه ليل نهار مثل حاييم، قد لا يسمع عن الإسلام حتى مرحلة الرشد من زملائه في العمل أو الدراسة، وقد لا يولي الأمر أي اهتمام إن كان من الصنف الذي لا يكلّف نفسه عناء التفكير كثيرا، بل الأكثر من ذلك قد يقتنع بالصورة الخاطئة للإسلام بارتباطه بالإرهاب!

دون أن ننسى أن الإلحاد له نظرياته التي يعلّمها للناس باسم العلم كنظرية التطور، هذه النظرية البريئة التي يُقدّمون على أساسها تفسيرا لنشأة الخلق، بطريقة تجعل الإنسان يقتنع إلى حد ما بأن الكون لا يحتاج إلى خالق، بل لا يعدو الأمر أن يكون عبارة عن تفاعلات كيميائية بين المكوّنات الأساسية للمواد العضوية مع عوامل خارجية كالأشعة الكونية، فتتكون المادة الأولية ثم تتطور مع الوقت، حتى تصل إلى القرد، ومن ثم الإنسان.

إذن، أليس من العسير على بيتر أن يدرك حقيقة الإسلام؟ ما ذنبه؟

لماذا كُتب على بيتر أن يُفكّر ويبحث ويُحلّل ويناقش كي يصل إلى هذا الدين الذي تعتبره أنه الحقّ، بينما أنت لم تقم بمجهود يُذكر، فتحت عينيك ووجدت نفسك مسلما؟ وكأنّه خَتْمٌ على جبينك؟

لم أقل باستحالة وصول بيتر إلى الإسلام، لا، فالواقع ينبئ بالآلاف من الملتحقين بالإسلام عبر العالم مثل وضعية بيتر، لكنّنا نتحدّث هنا عن الصعوبة، أليس أمرا عسيرا؟ ألا ترى أن الوضعية معقدة عليه؟

تخيل بيتر في الصحراء وسط الرمال يبحث عن طريق النجاة في تلك الفلاة، قد يصل إلى الطريق المعبّد، لكن بعد أن يقطع الجبال والوديان والأنهار.

أما صاحبنا عمر، فهو منذ البداية على جانب الطريق المعبّد، عليه أن يتبعه وسيصل إلى بر الأمان دون أدنى جهد يذكر؟ أليس محيرا؟ أليس الأمر غريبا نوعا ما، أليس هناك إشكالا حقا؟ هل تعتبر هذا عدلاً؟

يا حسرة على «بيتر»!

قد يصل إلى حقيقة الإسلام، لكن هناك عقبة كؤود في انتظاره وهي ردة فعل الأهل والأقارب والأصدقاء، يعارضونه، يخطّئونه ويسفّهون تفكيره، بل وقد يهجره بعضهم.

أما عمر فقد يتهاون في الصلاة فيجد أهله يعاتبونه، قد يأتي بتصرف خاطئ فتجد صديقه أو جاره يقوّمه، ما هذا التناقض؟ وللمرة الثانية نـتساءل أين عدل الله هنا؟

قد يقول قائل بأن لا أفضلية لأحد على الآخر، فعمر سيحاسبه الله تعالى عما يعلم، فكونه يعلم عن الإسلام الكثير فهو سيحاسب بشدة، أما بيتر فسيحاسب حسب ما يصل إليه، إن أدرك التوحيد فقط ولم يصله شيء عن الإسلام أو النبي فهو ناجٍ، وإن أدرك شيئا عن الإسلام كالشهادتين والصلاة ولم يتسنّ له أن يدرك باقي الفرائض دون تهاون منه أو تكاسل، فهو ناجٍ، وبالتالي حسابه يكون أسهل وأخف من عمر، نعم قد يبدو هذا كلاما معقولا، لكنّه لا يجيب عن الإشكالية.

ماذا لو كنت مكان «بيتر»؟

ولكي تفهم أخي القارئ ما أرمي إليه دعني أقدّم لك هذا التصور، تخيّل نفسك مكان بيتر، هل تعتقد أنه من السهولة بمكان أن تدرك الإسلام وأنت في بيئة الإلحاد؟

قد تدرك وجود الخالق ببساطة المنطق لأنّ لا شيء في الكون يوجِد نفسَهُ ذاتيا، لكن أن تدرك أن الدين الحق هو الإسلام في خضمّ هذه المئات والألوف من الديانات فهذا ليس يسيرا.

قد تميل إلى المسيحية لبساطة تعاليمها أو إلى البوذية لغرابة طقوسها، قبل أن تفكر في الإسلام المليء بالفرائض والمحرّمات بل الأكثر من ذلك هي الديانة الأكثر اقترانا بالإرهاب والعنف !

وقد تكون من الناس الكثيرين الذين لا يولون لموضوع الديانة أي اهتمام، ولا يريدون التفكير في الأمور اللاهوتية لأن العلم لا يؤمن بالغيبيات، وبالتالي هيهات أن تصل إلى الحقيقة.

بل حتى إذا كنت متدينا بديانة ما، فقد تنفر من مناقشة الموضوع إذا ما ناقشك أحد زملائك المسلمين، لأنك تعتقد أن الديانة عبارة عن إيمان، ولا دخل للتفكير والمنطق في الموضوع، فلتختر أي إله وانتهى الأمر.

حسنا، ماذا عنك أخي المسلم، أنت مسلم دون أدنى تفكير ودون أدنى مناقشة مع نفسك، نشأت على ديانة ومارستها عن تقليد منذ الصغر ولازلت تمارسها إلى الآن، هل يعتبر هذا عدلا؟

أنت الآن في ورطة

قد تتضايق من هذه المناقشة لاعتقادك أن لا طائل من ورائها، أعذرك أخي الكريم لكن تأكد أنك الآن في ورطة كبيرة، أنت لا تريد أن تفكر، وقد تنهر زميلك إذا ما ناقشك في الأمر قائلا: «ما هذه الإشكالات السخيفة، ماذا تريد من ورائها، أنا لا أريد أن أدخل في هذه الفلسفات العقيمة، أنا مسلم وكفى، رضيت بهذا الدين ووثقت بأهلي الذين علموني إياه ولا أريد أن أخوض أكثر».

حسنا، رضيت بالدين الذي نشأت فيه تقليدًا وانتهى الأمر، لكن هل أنت متأكد أن الدين الذي تتبعه هو الحق؟ هل قمت بالتأكّد من هذا أم أنك وضعت ثقتك في البيئة التي ربّتك وكفى؟

كي تفهم قصدي دعني أقدم لك هذا الافتراض، لو كنت مكان صامويل، بعد ثلاثين أو أربعين سنة من عمرك هل ستصير مسلما أم ستبقى مسيحيا؟

في بداية حياتك ستكون مسيحيا بطبيعة الحال لأن الصبي هو ابن بيئته، ثم عندما تصل سن الرشد ويناقشك مسلم عن الدين، ترى كيف ستكون ردة فعلك؟ إن كنت ذا عقل متفتّح فستتقبّل الموضوع وتناقشه بكل أريحية وتستفرغ له جهدا فكريا معتبرا ممّا يوصلك يوما إلى اعتناق الإسلام.

لكن إن كنت لا تريد أن تُعمل عقلك وتفكّر، ستكون لك حتما إجابة من النوع السابق: «ما هذه الإشكالات السخيفة، ماذا تريد من ورائها، أنا لا أريد أن أدخل في هذه الفلسفات العقيمة، أنا مسيحي وكفى، آمنت بهذا الدين ووضعت ثقتي في أهلي ولا أريد أن أفكر في موضوع الديانة أبدا».

نفس الشيء لو كنت مكان أنديرا أو حاييم أو رومانوف، ستعيد نفس العبارة السابقة، الديانة التي تتبعها هي التي نشأت عليها، آمنت بها تقليدا دون تفكير، بعبارة أخرى أنت مسلم لأنك من بيئة مسلمة، وستكون مسيحيا لو ولدت في الفاتيكان، أو بوذيا لو ولدت في الهند، أو ملحدا لو ولدت في روسيا أو أمريكا، وبما أنك من بيئة الإسلام فأنت بالتّبع، مسلم!

هذا طبعا ليس حكما عامّا على كلّ النّاس وإنما خاص بالذي لا يُفكّر، بالذي يفرّ من هذه النقاشات ويختار الجلوس على الربوة ويستريح بينما يوجّه انتقاداته لحاييم وصامويل ورومانوف وأنديرا.

لماذا لم نكن جميعا مثل «بيتر»؟

هناك الملايير من البشر مثل بيتر أما عمر فأمثاله مئات الملايين عبر الوطن العربي الإسلامي، لماذا كُتب عليهم أن يولدوا في وسط إسلامي دون عناء يذكر؟

لماذا لم تكن البشرية كلها مثل بيتر، عليهم أن يبحثوا عن الحقيقة بأنفسهم، أو يكون الناس كلهم مثل عمر؟ الحاصل أن يكونوا كلهم بنفس الحظوظ؟

لكن أن تفترض أنّك حصلت على الرعاية الإلهية (هكذا دون سبب) وخلقك في بيئة مسلمة من أبوين مسلمين، وآخر أهمله الله ورماه في تل أبيب أو لاس فيغاس (هكذا دون سبب) وكلّفه بمجهود مضاعف كي يبحث عن الإسلام ويؤمن به، هذا الافتراض يتعارض مع صفة العدل الإلهي، العدل الذي يأمر به سبحانه في القرآن الكريم «إن الله يأمر بالعدل والإحسان».

سباق فهم أم سباق معارف؟

ولكي نجيب عن الإشكالية سننطلق من هذه المسلّمة، العدالة موجودة طبعا لأن الله تعالى موجود، لكن يقينا ليست بالسطحية التي يُسوّق لها ولا بالطريقة التي يفهمها سواد البشر، دعونا نتذكّر قصّة السباق النهائي في الأولمبياد، تعرف أنه من المستحيل أن يُنظّم عاقلٌ سباقًا بهذه الطريقة بين صحيح وسقيم وبين كبير وصغير، فلكي يسمّى الأمر سباقًا ويحصل الفائز على الميدالية بجدارة يجب أن تتكافأ الفُرص بين المتسابقين وإلا فإن الأمر سيصبح عبثا في عبث.

لهذا من الخطإ أن تعتبر نفسك مميّزا لأنك وُلدت مسلما ووجدت نفسك في الطريق المعبّد بينما زميلك في السباق ضائع في صحاري الربع الخالي، من السذاجة أن تعتبر نفسك محظوظا أما غيرك فخالفه الحظّ.

الله تعالى لا يتعامل بتلك العشوائية العمياء، عدالة الله تقتضي أن نكون جميعا في نفس نقطة الانطلاق، لا تهمّ البيئة التي نشأت فيها ولا الرصيد الديني أو الإلحادي الذي تربّيت عليه، الكلّ سواسية يقفون في نفس خطّ الانطلاق، صامويل وحاييم وأنديرا ورومانوف وكذلك عمر، والسباق هنا هو سباق تفكّر وبحث عن الحقيقة، بقدر ما تترك عقلك طليقا يفكّر ويقارب ويبحث بقدر ما تتقدّم في مضمار السباق، لهذا كان أول ما نزل من القرآن هو «اقرأ»، ولهذا نجد الخطاب القرآني دوما يتحدث عن أولي الألباب، لقوم يفقهون، يعقلون، يذّكرون.

البيئة لا تصنع مؤمنا ولا تصنع كافرا، وإلاّ سيعترض كلّ هؤلاء يوم القيامة بين يدي الله على هذا الظلم الصارخ، على هذه اللاعدالة في الفرص، وسيرفعون شعارا قائلين: إمّا أن نكون جميعا عمر أو نكون جميعا بيتر.

نعم، البيئة الصالحة تُعين المسلم على الاستقامة والصلاح أكيد، وواضح كذلك أنّ البيئة الفاسدة تُغري بالفساد والعصيان، لكن من جهة أخرى البيئة لا دخل لها في إيمان المسلم وإلحاد الكافر، وهنا فرق كبير بين الحالتين، البيئة مهما كانت لا تُؤثّر في تقرير مصيرك، عقلك وفهمك هو الذي يقرّر، بعدها يأتي دور البيئة كدافع للأمام أو مثبّط للوراء.

العدالة تقتضي – حتما – أن لا وجود لأي فرق على الإطلاق، فقد رُفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، مهما تكن البيئة التي نشأ فيها هذا الصبي ومهما فعل فستظل صفحته بيضاء ناصعة، هذا ما قاله الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الشهير رُفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، أي يبدأ القلم في الكتابة مباشرة عند البلوغ، عندما يبدأ العقل في التفكّر والفهم عندها يُعلنُ الحَكَمُ بداية السباق وينطلق الجميع، فقد يصل رومانوف بعد 10 سنين من انطلاقه إلى حقيقة وجود الله والإسلام، حينها سيكون قد قطع أمتارا عديدة في المضمار بينما قد يظلّ عمر قابعا في مكانه – في نقطة الانطلاق – لم يتحرّك شعرة ما دام لم يُفكّر ويحاول أن يَفْهَمَ .

التديّن ليس طقوسا من قيام أو ركوع أو قراءة لما هو مقدّس فقط، التديّن أكثر من هذا، التديّن هو الفهم والاستيعاب، فالمجنون رُفع عنه القلم ولو كان يصلي مع المصلين ويصوم مع الصائمين لأن عملية الفهم غير ممكنة له، وفي هذا الفهم نتساوى جميعا لأننا نملك العقل الذي يوصلنا إليه.

هنا نلاحظ تساوي الفرص بين الجميع، كلّ هؤلاء متساوون في القدرات العقلية، بداية بحاييم وصامويل ورومانوف وأنديرا وكذلك عمر، لا يهم ماضيهم لأنهم كانوا صبية لم يبلغوا بعدُ، أمّا الآن – بعد البلوغ – فالكلّ مطالب أن يبذل المجهود من التفكير كي يصل إلى الحقّ، نفس المجهود الذي يلزم هؤلاء كي يصلوا لمعرفة الله سيبذله عمر، نعم يجب على عمر أن يفكّر ويحاول أن يفهم، لا يكفي الادّعاء باللسان وممارسة بعض الطقوس ما لم يصاحب الأمرَ مجهودٌ فكريٌ، تقييم السباق يكون على أساس ما فهمت وأدركت ولا يكون على أساس ما حفظت ومارست.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بيتر
عرض التعليقات
تحميل المزيد