الناظرُ إلى دول الخليج عمومًا يرى عندهم ناطحات السحاب والشوارع العريضة والقصور الفارهة والشواطئ الممتدة وفرص العمل الوفيرة, ويرى من الترف والبذخ ما لا يراه عندَ غيرهم من الدول, وقد تصدرت دول الخليج لعام 2014 لائحة البلدان الأكثر إنفاقًا على الرفاهية, ولا يَخفى على ذي بصيرة أن مصدر رفاهيتهم المتزايد باضطراد هو النفط تحت أقدامهم… ولكن هل فكر أحدٌ من قبل أن لهذا النفط مساوئَ عديدة تكاد تزيدُ عن محاسنه, ولا يرجع ذلك إلا لسوء استخدامهم له, فله آثار مؤذية وردود فعل مؤلمة على كافة الصُعد داخليًا وخارجيًا، سياسيًا واجتماعيًا، تنمويًا وثقافيًا، وغيرها من المناحي والتأثيرات…

فقد شبه بعضهم اكتشاف النفط في دول الخليج خاصة في فترة زمنية محدودة بالقنبلة الموقوتة, التي قد ألقيت في المنطقة على حين غفلة بدون سابق إنذار, وذلك لطبيعة الناس هناك التي كانوا عليها من قلة تطور وثقافة وتوارث في هذا المجال, مما نجم عن ذلك من مساوئ وسوء استخدام لهذا النفط.

فهل البترول نعمة أم نقمة؟ فنستطيع من خلاله بناء جامعة هي الأولى عالميًا ونستطيع من خلاله شراء سلاح لحماية رئيس عصابة!

وكان انخفاض أسعار النفط في الآونة الأخيرة في دول الخليج مؤشرًا وجب على كل نبيه أن يلتفت له، والذي دق ناقوس الخطر, لعله يلتفت أصحاب الشأن عندهم إلى الاستغلال الأمثل لهذا النفط قبل فوات الأوان فهم داخلون إلى مستقبل مظلم اللهُ به أعلم…

فمثلًا تعاني البحرين وعُمان من ضغوطات هائلة في ميزانيتهما جراء هذا الانخفاض, وتحتاجان إلى أن يصل سعر برميل النفط إلى 116 و108 دولار على التوالي ليتحقق التوازن بين الإيرادات والمصروفات عندهم، وفي الحقيقة سعر البرميل أقل من ذلك بكثير أقل من 50 دولارًا للبرميل الواحد, هذا بمجرد انخفاض سعر النفط فلكَ أن تتخيل ما سيحدث إن نفد هذا النفط…

وهذا الانخفاض الملحوظ في أسعار النفط كما أنه أثر سلبًا على الدول المصدرة له والمعتمدة عليه وفي أكثرها دول الخليج عموما, فقد أثر إيجابًا على دول أخرى تستورد النفط وأكثرها الصين وأمريكا والهند, فانخفاض تكلفة الطاقة في هذه الدول وفر عليها الكثير, مما يؤثر إيجابًا على نموهم الاقتصادي وانخفاض نسبة التضخم.

ولكن دعونا نُفصّلْ بعض الشيء عن هذه المساوئ التي تعاني منها دول الخليج وستهوي بها إلى القاع إن لم تتفادَها, فأَن ندق جرس الإنذار الآن ليوقظنا خير من أن نستيقظ وسط المحنة…

أولًا الاعتماد على مصدر واحد للدخل القومي وهو النفط, فدول الخليج أَسست نموها الأساسي على الريع النفطي, وهو مصدرٌ سينضبُ ولو بعد حين فماذا سيحلُ بالأجيالِ القادمة, كما أن تنوع أشكال الاستثمار يضمن السلامة وذلك على مبدأ {Don’t put all eggs in one basket} ولكن مشكلتهم أنهم لا يرون غير هذه السلة, فالسوقُ الخليجي كله سلة واحدة يدور مضمونها حول النفطِ وتوابعه لا غير, وعندَ أول عثرة ستقع السلة وما فيها والعوض حينئذٍ على الله…

وقد يقولُ قائل ولكنهم استثمروا في العقارات, فقد عمَّروا المباني وشيَّدوا العقارات وأقاموا المولات وزحفوا في الشواطئ, وأنا أقول لهم وماذا بعد… ماذا بعد أن شيدت المبنى وزحفت في الشاطئ أين مردودُ ما فعلت, الاستثمار في العقارات قد ينفع الشركات للربح على مدى سنوات ولكنه من أفشل أدوات الاستثمار للدول إذا ما قورن بالصناعة والزراعة.

كما لا ننسى ما تحتويه بلادهم من معادن وثروات غير الذهب الأسود {النفط} بل عندهم الذهب الأصفر والحديد والكثير مما أنعم الله عليهم، فلماذا التركيز على النفط فقط, أم للأمر امتدادات سياسية أخرى…

يجب على هذه الدول البدء في إيجاد وسائل للكسب الجاد من عَرق جبينها وليس من إهدار نفطها, وأنا أتعجب كل العجب ممن يطلقون عليهم الدول المصنعة للنفط بل هم لا ينتجونه بل هو منحةٌ من الله وهبهم إياها ولم يحسنوا التصرفَ بها، ولو أحسنوا لسادوا العالم, فوجود النفط في بلادهم يخضع لعلة جيولوجية لا يد لهم فيها ورفاهية بلادهم الطامة ترجع لهذا الأمر…

وهذا يعني أيضًا أنها حبيسة للبترول وتقلبات أسعاره، والأدهى والأمر حتمية نضوبه ناهيك عن احتمال تحييده نتيجة لمنافسته من قبل مصادر الطاقة البديلة والمتجددة التي أصبحت حقيقة لا خيالًا، والتي سوف يتم تطويرها بدل استيراد البترول, فما عندنا ينفد وما عند الله باق.

قد يقول أحدهم من محاسن النفط في بلادنا هو اعتماد العالم علينا وعلى ما تحت أقدامنا, فالعالم كله يحرص على ما عندنا وعلى المحافظة عليه وبالتالي هو وسيلة سيطرة لنا على العالم. ولكنه تناسى اتجاه الدول المستوردة للنفط وخاصة التي تستهلك الكثير منه إلى مصادر أخرى بديلة لا تنفد ولا تنضب، وأشهرها توليد الطاقة بالشمس ومياه السدود والهواء وغيرها الكثير, وذلك لإيمان هذه الدول أن هذا البترول سينضب ولو بعد حين, فهم يعلمون أن إنتاج النفط يبدأ بالارتفاع حتى يصل إلى ذروة إنتاجه وما أن يصل لقمة إنتاجه حتى يبدأ بالهبوط، إلى أن يصل إلى النفاد التام, فيكونون معتمدين على مصادر أخرى لا تنفد قد وصلت إلى حد الكفاية من التطور والكمية اللازمة منها, وهذا الأمر يعني كارثة حقيقية وخاصة للدول التي تعتمد عليه ولم ترَ بعد هذه الحقيقة وأنه سينضب ولو بعد حين.

نعم لقد بدأت أغلب الدول المتقدمة والكثير من دول العالم الاتجاه لهذا النوع من
إنتاج الطاقة البديلة والمتجددة والتأسيس لما بعده, إلا الدول المصدرة له والتي كان وما زال عليها أن تكون الرائدة والسباقة في مجال الطاقة البديلة، فذلك أفيد وأحوط من أن تبقى أسيرة لمصدر دخل واحد وهو البترول.

وثاني هذه المساوئ هو تَخدر الدول وترهلها وتراجع إمكانية الأفراد وإنتاجيتهم, وتقاعس الناسِ عن الإنتاج وعدم إيجاد مشاريع وأفكار بناءة ترتقي وتتميز فيها بين الأمم, ويرجعُ سبب ذلك إلى رَكنهم في وجود بديل سهل وفير يؤمن لهم كل شيء من أصناف الرفاهية والإشباع وهو النفط…

إن التحدي يحرض الجهد، والنعمة تدعو إلى الكسل والارتخاء. وهو ما قالته وزيرة المالية النيجيرية نيدادي عثمان: لقد جعلنا البترول كسولين, سابقًا كنا نكد بسواعدنا، أما اليوم فقد فسد الشباب.

وأكبر دليل على ذلك هو تراجع وتدني المشروعات الفردية عندهم, وحتى على مستوى التعليم الذي ينحدر إلى قاع أسود الله به أعلم رغم ما عندهم من إنفاق على التعليم، ولكن تقاعس الناس في بلادهم لمَّا ركنوا واطمأنوا…

وقد تكلم المؤرخ العظيم توينبي في نظريته عن الحضارة حين تكلم عن {التحدي والاستجابة} فقال أن الحضارات كانت تقوم بالتحدي والاستجابة ولم تقم حضارة قط في ظروف الكسل والارتخاء.

كما تعد الإيرادات الضخمة والوفرة المالية ورغد العيش وأصناف التبذير مما هب ودب من مؤشرات انهيار الدول, قد يقول لي أحدهم ولكنك عكست الأمر؛ ففي زيادة الدخول وراحة العيش مؤشر نماء للدول لا لانهيارها. أقول له نعم ولكن بشرط أن ينفقوا ما أنعم الله عليهم به في الحلال وضمن الحاجة والمعقول، لا في أصناف الطعام المهدر والقصور والسيارات المطلية بالذهب, ومصدر هذا هو شرع ربنا في الإسلام الحنيف لا في نظريات الاقتصاد, قال عز مِن قائل {وإذا أردنا أن نُهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقَ عليها القولُ فدمرناها تدميرًا}.

سيدنا سليمان عليه السلام لما أعطاه الله ملكًا عظيمًا كان يستعرض قواته البرية والبحرية السرية والعلنية من الجن والإنس والحيوان, فلما شعر بالقوة قال إن هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر؟!

فأعظم ابتلاء بالرخاء لا بالشدة {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}.

وأقول في النهاية يا ليت الله تعالى لم يعط البترول للعرب, فمنذ اكتشاف النفط في أراضينا حتى أصبحنا مطمعًا ومغنمًا للقاصي والداني وقوى الاستعمار الحديث والقديم, نعم البترول قد يكون نعمة ولكننا لم نتذوق طعم نعمته, بل لم نتذوق منه غير المؤامرات والغزو وشراء الذمم والكيد من بعضنا البعض, وكان السبب {أي البترول} لتدخل الدول الخارجية في أي مشروع عربي توحيدي فكرسوا بيننا الانقسام, ثم حولونا إلى مشايخ وأمرات!

نعم لقد كان البترول علينا نقمة لا نعمة, لقد كان وما زال كذلك, والخلل من القائمين عليه لا من البترول نفسه, فماذا جنى العرب من نفطهم غير الاستهداف والتآمر والغزو والانقسام وتبذير الأرصدة في الحسابات السويسرية والأمريكية, فحين يتدفق النفط يسيل لعاب الغرب.

هل يجب علينا أن ننتظر اليوم الذي تجف فيه آبار النفط حتى نعود لوحدتنا وعزتنا ونهتم بشؤوننا؟ أليس الأجدر بنا أن نستوعب هذا النفط في الحال، وأن نحول نقمته الحالية إلى نعمة علينا، وأن نحسن التصرف فيه, فالله يمهل ولا يهمل.

والله من وراء القصد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد