كثر اللغط في السنوات الأخيرة عن البترول المغربي الذي «أكدته» شركات سويدية وبريطانية وفرنسية. وافتتحت نشرات الأخبار الصباحية والمسائية في إعلامنا العمومي خطبها الثقيلة بهذه «البشرى المجيدة»، التي ستضع حدًّا لتعثرات الاقتصاد الوطني، وتملأ خزينة الدولة التي يبدو أنها تعاني نقصًا في العملة الصعبة، ورجالًا ذوي وطنية صادقة حقيقية وصلبة.

آمال عدة تكبر ثم تكبر لتنهار على صخرة صماء، وتصبح حكاية البترول المغربي نسيًا منسيًا، ليسلم الكثيرون بحقيقة جوف الأرض المرة، ويحل حديث السماء عند فئة عريضة محرومة، كل همها توفير قوتها اليومي. بينما آخرون يخيفهم سيناريو العراق الذي حوله ما تكتنزه أرضه من ذهب أسود إلى دولة فاشلة، تعيش على وقع الظلم والظلام والظلاميين، لأن قوى إمبريالية سرقته وأرادت له أن يكون هكذا بزعم وهم دمقرطة المنطقة، والتخلص من الديكتاتورية.

الوهم ذاته يسوقه لنا المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن لكن بطريقة معكوسة عن بلاد الرافدين. فكلما اشتد عود الشارع المغربي، ورفعت مطالب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، قيل لنا إن «تالسينت» بها كميات وافرة من الذهب الأسود، وكذلك منطقة الريف والصويرة، إشارة منهم إلى أن أجلوا أحلامكم فالمستقبل جنة، والتقدم والرخاء صبر ساعة، وتكرر الرسالة والوعود ذاتها، كلما الشباب تململ. فهل هذه مصادفة؟

الحقيقة المرة أنه لا بترول حقيقي مكتشف حتى الساعة في البلاد طولًا وعرضًا، وإلا تم استغلال واحد من هذه الحقول التي روج خبر اكتشافها على نطاق واسع، خلال السنوات الماضية لحاجة في نفس يعقوب.

لنسلم بوجود هذا الغاز والنفط جدلًا، وبالكميات الكبيرة والجودة العالية، على حد تعبير الشركات العالمية الموكول إليها مهام البحث في ترابنا الوطني عن النفط والغاز والصخور النفطية.

– ألسنا نحن المغاربة من نملك أكبر احتياطي للفوسفات عالميًّا، وفلاحتنا تغزو الدنيا؟

– ماذا عن المعادن النفيسة؟

– هل وصلتنا كنوز الجبال ونعيم الصحاري وثروات البحار الممتدة على واجهتين متوسطية وأطلنطية؟

– من سيضمن لنا أن مصيرها لن يكون كمصير باقي الثروات فوق الأرض وتحتها؟

– هل ستجد طريقها لعموم الشعب أم فقط لأهل الحل والعقد؟

على سبيل المقارنة اقتصاد الريع المبني على النفط في دول الخليج أثبت عجزه على بناء المواطن العربي هناك، وصناعة نموذج اقتصادي، واجتماعي حقيقي قادر على الوقوف في وجه التقلبات الدولية، وما أكثر الأزمات، فرغم التطاول في العمران في الرياض ودبي والدوحة وغيرها، أغفل بناء الإنسان وعليه فمستقبل الأشقاء بعد خمسين سنة سيكون على كف عفريت لا محال، مقلقًا للغاية ما لم يتم تنويع الاقتصاد خارج دائرة النفط والغاز، لا سيما وأن العالم لم يعد حبيس هذه الطاقة، وإنما اكتشف حلولًا بديلة، لأنه يعي معنى أن تكون مرهونًا للخارج، ودورتك الاقتصادية في تبعية وإن كانت شكلية، لأنهم يستشرفون وضع أجيالهم اللاحقة ويخشون عليها الضياع، ونحن نعيش الضياع، ولا نفكر إلا في الحاضر.

أما نحن فحتى ولو طال العمر وعشنا حلم النفط الموعود، حقيقة وواقعًا، فبدون بناء المواطن المغربي والاهتمام بالتعليم أولًا وأخيرًا، ورد الاعتبار لباقي القطاعات الحساسة، وجبر ضرر فئات شعبية مهمشة، سندخل الحداثة والتقدم بالمظاهر ووهم التحضر، في حين العقل أجوف والقلب ميت.

لنهتم أولًا بالاستثمار الحقيقي في الإنسان، ونعد جيلًا غير انتهازي، يتعلق بالوطن حقيقة. لننزل الدستور، ونطهر مؤسساتنا من اللصوص، وشوارعنا من قطاع الطرق، عسانا نربح رهان التنمية الحقيقية، ونعد الجيل المأمول، الذي سنوكله على خيرات باطن الأرض وسطحها ومصالح مواطنيها دون ميز أو تجبر «أما حكاية البترول فالخير كينفع وقت ما جا» لكن حذاري من بيع الوهم للمواطن بإعطائه مسكنات فاسدة، فالكل بات يريد أجوبة حقيقة آنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد