ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. هكذا كان دستور الفرعون الأكبر، والقانون والنظام الذي يحكم به، وهكذا كان يبرر ظلمه وطغيانه، وذلك حين قال كلماته تلك، تختلف مسميات الفرعون، ولكن المعنى والهدف واحد: حكم بلا معارضه أو اعتراض.

عندما تغيب الديمقراطية، ويتم العبث بالدستور، ستجد السلطة في يد الحاكم مطلقة كما صنع فرعون موسي، ومما لا شك فيه أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وتلك قاعدة في النظم السياسية، والقانون هو روح العدل، والدستور الأب الروحي لكل القوانين أن دولة بلا قانون دولة ظلم وطغيان، وكل دولة قانونها ودستورها ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد هي دولة فرعون.

كلمات الفرعون دستوره، ولقد سجلها القرآن على لسانه بعد ما ظلم، وقتل شعبه وكما أخبرنا الله عنه في القصص أنه كان يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ولقد وصفه بقوله: إنه كان من المفسدين. ليكون نموذجًا لكل من يمارس تلك الممارسات ضد شعبه، كل حاكم يقتل، أو يسكت عن قتل أبناء شعبه، واستباحة أعراضهم، فهو فرعون، ويجب أن يدرك تحت نفس القائمة الفاسدة، ويحاكم محاكمة المفسدين، وإن سكن سوريا، وإن استقر بمصر، فهو فرعون جديد. لقد نجى الله جسد فرعون من الهلاك؛ ليكون آية يتعظ بها كل من يحكم بعده خاصة وعامة، والخاص في مصر التي توالت عليها الفراعين، ولم يتعظوا إلا قليلًا، وكأن القرآن يجسد لنا الصورة المستقبلية لنظام الحكم القادم بعد فرعون عبر الزمان، فلا يجب أن يغفل حاكم ومحكوم في بلد الفرعون عن تلك الكلمات الربانية العظيمة، فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آيه.

مات فرعون وبقى جسده شاهدًا عبر العصور على ظلمه وطغيانه، لقد مات فرعون بجندي من جنود الله، وهو الماء، فلما ظهرت أمامه قوة الله التي غفل عنها تراجع، ولكن بعد فوات الأوان، وفي لحظات الموت وسكراته، لا نجاة للظالمين، هي لحظة فارقة بين الحياة الدنيا بمطامعها وزينتها وزخرفها، وبين الحياة الحقيقية الأبدية التي يغفل عنها الظلمة، وتتغير وجوههم حين نذكرهم بها لأنهم يعلمون جيدًا حقيقة نواياهم، وكما بين الله لنا، بل الإنسان على نفسه بصيرة.

المشهد لم يتغير، وعلى نفس الأرض وبعد ثورة يناير يتضح انقسام القوى السياسية في مصر على ثلاث قوى، وهي القوى الديمقراطية، والتى تمثلت في التيار الإسلامي، وجماعه الإخوان والقوى الاستبداية، وهي أجهزة الدولة متمثلة في قوى الإكراه المادي، والقوى الليبرالية، وهي قوى غير مؤثرة، وليست قادرة على الوصول إلى الحكم، ولكنها تلعب دورًا محوريًا من حيث الدفع بإحدى القوتين إلى الحكم والسلطة، وأحيانًا يتم هذا من خلال صفقات غير معلنه لا تكترث لصاحب السلطة الحقيقي، وهو الشعب، بل تنظر إلى مطامعها، وكان الإعلام محضنًا لتلك القوى في ذلك الوقت.

وما هي إلا أيام حتى ظهرت القوى العسكرية في صورة المنقذ والمخلص، هي هي تلك التي جاء منها النظام الذي ثار عليه الشعب باحثًا عن حريته، والتي أظهرت امتناعها، وعدم رغبتها في الرئاسة والقيادة، ولكن كيف يصدق أو يعقل هذا والقيادة صلب ثابت في تكوين الشخصية العسكرية، فالبيئة العسكرية اثنان لا ثالث لهما، قادة وجنود، ووفق ممارسة ديمقراطية لم تشهدها مصر من قبل، كان الاحتفال بأول ميلاد للديمقراطية في بلد عانى من الظلم عبر السنين، قال الشعب رأيه، واختار من يمثله ويقوده ليحقق له رغبته في الحرية، وما هي إلا ساعه لهذا النظام الديمقراطي الأول بمصر عبر التاريخ.

رفض أباطرة الفساد والظلم في الداخل والخارج أن يستمر نظام الرئيس محمد مرسي ليملأ مصر عدلًا بعد ظلم، وليقود شعبها نحو الحرية الحقيقية والعدل الشامل، لكن لم يتعاون معه أحد، وكل القوى تكالبت عليه، وشن الإعلام حربًا بلا هوادة أو رحمه؛ حتى تم الانقلاب عليه من القوى الاستبداديه؛ ليعود الأمر كما كان عليه من قبل، بل سواء وفق مسلسل مرير دفع ثمنه الأحرار والحرائر، شرفاء الوطن وخيرة أبنائه.

ثم تظهر القوى العسكرية تلك المرة في صورة المخلص، وأن قيادتها وزعامتها هي الخلاص، وهي الحرية والرفاهية، وتتمسك بالسلطة والقيادة بكل ما أوتيت من قوة، بل تغالي في البطش والتنكيل بمعارضيها، وكل هذا تحت مظلة إعلامية قوية مسيسة نراها تظهر بصورة مبتذلة؛ حتى اعتادها البعض، هذا الإعلام الذي ركع للقوة والمال، وترك التيار الليبرالي يعاني ويتذوق من نفس الكأس الذي ساهم في إعطائه للتيار الإسلامي، والذي لم تكن معركته معه سياسية، بل كانت معركه فكر بالدرجة الأولى.

يستوى الآن مع التيار الإسلامى في ويلات القهر والظلم والتنكيل، خاصة مع المسلسل الهزلي للانتخابات الرئاسية المزعومة، فكل من يتقدم أو يبدي رغبة في الترشح للرئاسة يتم إسكاته أو التنكيل به على اختلاف أيدولوجيته، فلم ينج العسكري، ولا الإسلامي، ولا الليبرالي، ولا المستقل، كل تلك النماذج تقدمت للترشح لرئاسة مصر، وتم التنكيل بها، والأسماء شاهدة؛ فمن قنصوة إلى شفيق وعنان وأبو الفتوح لم يسلم أحد، وهذا لضعف موقف من يسوس بالقوة، فلا يجد مناصًا إلا في إحكام قبضته بسفور، فالمعركة بالنسبة له حياة أو موت، فهل يتحالف التيار الليبرالي مع غيره للخلاص من هذا المأزق الذي قاد البلاد إليه؟ وهل تلتحم به القوى الشعبية والشبابية ويكون ثمه ميلاد جديد للديمقراطية؟ أم أن عهدها انقضى تحت أقدام القوى العسكرية؟ أعتقد أن الرهان على الجيش مضمون، فليس كل الجيش قادة توالي النظام، وليس كل القادة تابعين للنظام، وإن فرض عليهم الواقع أن يدعموه ظاهريًا.

أمر عجيب أن تقضى السلطة الحاكمة على كل معارضيها، وتسوس بقانون الحرب ومفاهيم القوة الغاشمة، حيث لا نرى أي مسمى للمعارضة؛ فيكون الحكم بلا معارضة النظام، وهذا ما نراه يمارس ضد المعارضة، حيث أراه حالة من حالات التطهير العرقي، فلا معارضة في مصر، ولا صوت يعلو فوق صوت الحاكم، الجميع يجب عليه الانصياع والانتباه والصمت في حضرة الرئيس القائد.

وعلى خلفية تشريعات وقرارت أربكت الدولة وقادتها إلى الوراء لسنوات عديده بعد الانشغال بالبقاء على الكرسي دون الانتباه والقيام بما يجب أن تقوم به السلطة الحاكمة، وفي غياب الرؤية الاقتصادية السديدة والاجتماعية الحكيمه ضرب الغلاء وقضى على الطبقة المتوسطة، تراجع مستوى التعليم عن الركب العالمي، وتأخر كثيرًا، لا برامج حقيقية ملموسة للنهوض بشؤون الدولة الداخلية والخارجية، دعوات كاذبة ومؤتمرات لا حاصل من ورائها إلا إثقالًا على ميزانية الدولة، وعبئًا جديدًا يضاف إلى أعبائها، وصفقات تضيع فيها أراضيها، ولا صوت لأي معارض، والعصا لمن عصى، حتى أصبح الحكم المستبد للنظام الذي قامت عليه ثورة يناير، حلم البعض الآن.

وإلى الآن لا يزال تصدير الكذب والاستخفاف بعقول العامة، ويستمر النظام يقود الإعلام بقوة مع كذبه ونفاقه في ظل صمت العامة، والتنكيل بمن يعارض أو يقترب – ولو بالإشارة – من كرسي الحاكم، لقد كانت القوى السياسية تسطر المستقبل، ودومًا تتصارع للوصول إلى السلطة، فينتهى الأمر بين نظام ومعارضة، مع اختلاف حجم تلك المعارضة وقوتها حسب ما يقرره النظام الجديد، ولكي تظهر الصورة على العالم وفق ممارسة ديمقراطية فيحصد النظام العديد من المكاسب باسم الديمقراطية حتى ولو كانت مكذوبة أو مصنوعة بيد النظام نفسه، وبالرغم من أن الأحداث على الساحة الآن تحوي العديد من الأخطاء والممارسات غير الشرعية والقانونية، أو التي تكيف قانونًا حسب الأمر العسكري الوارد إليها، نرى المعارضة مع اختلاف فصائلها واتجاهاتها تظهر وتختفي في لمح البصر، خاصة مع قرب الانتخابات الرئاسية لتحسم النتيجة في سفور وقتل لكل معاني الديمقراطية والحرية في عهد غير مسبوق ومشهد لا يوجد له مثيل حتى في الدراما السينمائية، فبدون الحاجة إلى التزوير وإعداد مسلسل يظهر على العالم يحسم الأمر العسكري بقول واحد، لا معارضة، لا صوت، سأستمر بتفويض جديد طوعًا أو كرهًا، سأحكمكم أو الموت لمن يعارض.

لقد بعثر الأقلام الحرة وأوردها السجون والمعتقلات ودفع بها خارج أرض الوطن في شتات تحكى عن قضية الثورة والانقلاب وترويها بعد أن تعالى في ظلمه، كانت تلك الأقلام تسطر لتبني الوطن، وتدافع عنه، ولكن صارت تكتب في شتاتها لتهجو الظالم، تنظر في الأفق البعيد، تترقب زوال هذا الليل الدامس، ترجو سطوع فجر الحرية، وعودة الديمقراطية، تنتظر ولا تستطيع أن تخط زمنًا، أو تتوقع متى يكون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد