(1) انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا

نطق النبي بهذه الكلمات موجها حديثه إلى أصحابه, تعجب الصحابة من هذه الكلمات أشد العجب! فقد نطقها النبي وصمت قليلا فهو كقائد لا يريد أن يربي مواطنا كي يصفق لما يقول بل يريد مواطنا يفكر, لا يريد عقلا يوافق بل عقلا يشك, هو يعرف مع من يتحدث وكانوا عند حسن الظن! فلم يصمتوا ولم يذعنوا لهذا الكلام الذي ينطقه نبي وهم يعرفون أنه لا ينطق عن الهوى, فأجابوا يا رسول الله هذا نصره مظلوما فكيف ننصره ظالمًا؟ – يا الله – ما هذا الرقي؟ لم تتقبل نفوسهم فكرة النصر لظالم كيف ننصر الظالم ولو كان أخًا لنا في الإسلام أو العروبة أو القبيلة؟ إن هذا غير مقبول وغير ممكن. فتأتي الإجابة, تنصره ظالمًا بأن تنهاه عن ظلمه لا تتركه يقتل لا تساعده وترقص على أشلاء المظلومين لمجرد اختلافهم السياسي أو الفكري. لا تقف بجوار أخيك الظالم قف دائمًا مع المظلومين، قف كالطود الشامخ تعلم أن تقول (لا), تعلم أن تقول هذا خطأ, دافع عن المظلومين في السجون ولو كلفك الأمر أن تصبح واحدًا منهم. تعلم أن تقف في وجه (أخيك) الظالم وتنهاه عن ظلمه.

 

(2)بل أنت عند الله غال  

صورة أخرى من صور الرقي الإنساني تبرز خلال مسيرة النبي. تجلت هذه الصورة في قصته مع زاهر بن حرام الأشجعي، بحث عنه النبي في سوق المدينة, ووجده ولم ينتبه زاهر لتسلل النبي من خلفه, وبعد أن تمكن النبي منه وأمسكه من الخلف نادى النبي من يشتري العبد من يشتري العبد؟ والناس في السوق تضحك لمزاح القائد مع هذا الرجل الفقير, وحين التفت زاهر إلى النبي قال أتبيعني يا رسول الله.. إذا بعتني فوالله لوجدتني (كاسدًا), أي لن تجد من يشتريني.

لم يسكت النبي على مثل هذه الكلمة. لم يقل في نفسه بالفعل فهذا رجل فقير لا يملك مالا ولا جاها ولا ثيابا يستر بها نفسه, لم يفكر النبي لحظة أن يحكم على الناس بمظاهرهم أو يعامل أحد أفراد الشعب على حسب غناه أو فقره أو قبيلته, لم يرض النبي عن تلك الكلمات فهو يريد أن يزرع قيم العزة والكرامة لدى أفراد الشعب. يريد أن يعلم الجميع أن الفرد له قيمة كبيرة له حقوق, أجابه النبي بإجابة سريعة بددت مرارة ذلك السؤال؛ بل أنت عند الله غال. نعم قائد الدولة يكرر على مسامع الجميع في السوق أن فردًا من أفراد الشعب بل كل الشعب عند الله غال, فكيف يفكر القائد أن يظلم مثل هؤلاء؟ كيف يواجه الله بمثقال ذرة من ظلم وهو يعرف قيمة أفراد شعبه؟

 
(3)فاقض ما أنت قاض

في مشهد مهيب جمع فرعون السحرة في يوم الزينة كي يواجه بهم موسى, جمعهم من أجل أن يواجه الحق بالباطل, جمع أهل مصر من كل حدب وصوب ليشاهدوا السحرة وهم يسحقون كل معاني العدل والحق والحرية في المجتمع المصري آنذاك, ونسي أن الإنسان مهما تورط في ظلم أو تم تغييب وعيه عندما يستيقظ ضميره قد يصبح أشد على الظالم من كل سيوف العالم.

اصطف السحرة ووقف موسى وأخوه وحيديْن وانتصرا. لم ينتهِ المشهد بأكل الثعبان لحبال العصي والحبال بل كان هناك المشهد العظيم الآخر مشهد تجلي الحق وانتصاره على الظلم والبغي والتشويه والافتراء, لقد سجد السحرة لله بل قل سجدت قلوبهم للحق. ومن سجد قلبه لله فلن يستطيع أحد أن يثنيه عن المضي قدمًا في نصرة قضيته.

صاح فرعون سأصلبكم سوف أقطع أجسادكم, لم تكن صيحته غريبة فكل فرعون يأتي يفعل مثل فعلته؛ يحرق يقتل ينهب يفسد يطلق إعلامه ورجاله لنشر الرعب بين الناس، يجعلهم يخافون من قول الحق بالاعتقال والاختفاء القسري وغيره من وسائل. كل فرعون يأتي ليحكم بلادنا لم يكن ينتظر أن يسمع ذلك الجواب.

لم يدر أنهم مصممون على استكمال مسيرة الحق مهما تعرضوا لويلات القتل، التعذيب، الاعتقال. لم يكن يدري أنهم سوف يجيبون (اقض ما أنت قاض) افعل ما شئت لن نتراجع خطوة للوراء لن نترك ميدان الحق والعدل لنهتف لك (اقض ما أنت قاض) فالحق لا يهاب الموت، بل يسعى للخلاص وكل طلقة بندقية وكل ضربة سيف في صدر المؤمنين بالقضية تقربهم إلى هدفهم.

وإن لم يستطيعوا نيل حريتهم في هذه الدنيا فيكفيهم أنهم لم يحنوا رؤوسهم لطاغية.

 

ليست هذه النماذج الوحيدة في التاريخ الإسلامي أو النبوي التي تعبر عن رقي الفكر وحسن القيادة، بل هناك نماذج كثيرة يجب أن تكون حاضرة في أذهاننا ومطبقة في واقعنا، يجب أن ينتشر الوعي بقيمة الفرد وشر الظلم. يجب أن يستمر المبدعون والكتاب والصحفيون بإزالة ما نتعرض له من عدوان إعلامي ممنهج من قبل أنظمتنا التي تحكمنا. يجب أن تتعلم الشعوب أن لها قيمة، وأن صوتها مسموع، وأن الحاكم ليس سوى فرد لا يملك ضرًّا ولا نفعًا. يجب أن يفهم الناس أن المجتمع قوي بإرادة أفراده، قوي بالعدل، مجتمع يعرف أن الخوف ليس صبرًا وأن الجمود ليس عقلا، وأن الصمت ليس في أغلب الأحيان نابعًا عن حكمة. يجب علينا أن نتغير للأحسن للوعي للعقل، فالظلم والانقلابات والفساد المنتشر ببلادنا هو عرض لمرض عضال في جسد مجتمعنا وهو عدم الوعي.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!