لم يكن المصريون القدماء أصحاب تلك الحضارة المادية التي بهرت العالم أجمع وفقط؛ بل كانوا أيضًا أصحاب نبوغ معنوي ورقي إنساني؛ تمثل في تلك القيم السامية والأخلاق العالية التي ظلت حضارتهم المادية شاهدة عليها.

ولذا فقد آن لنا أن نبين لكل محب ومقدر لتلك الحضارة؛ أن المصريين القدماء تخلقوا بالأخلاق الحميدة، والتزموا بها، ودعوا أبناءهم وذويهم للتحلي بها؛ خاصة أنها قد ارتبطت عندهم بالدين؛ فالمصري -كان وما زال- متدينًا بطبعه.

وما يزال هذا التراث العظيم يزين المعابد والمقابر المصرية القديمة حتى اللحظة، بل إن تعاليمه وحكمه انتشرت أيضًا على لفائف البردي، التي غزت متاحف الغرب والشرق على حد سواء.

ونحن في سلسلتنا هذه عن أخلاق المصريين القدماء، سنحاول أن نكشف الستار ونزيل الحُجب عن تلك القيم التي تتوافق في معظمها مع تعاليم الديانات السماوية، كما أنها لا تتنافى مع القيم والأعراف المجتمعية الحالية، علَنا نخرج من ذلك كله بمعرفة حقيقية للحضارة المصرية القديمة، التي شُوهت عند البعض.

الصدق:

ونبدأ بفضيلةٍ ما زلنا في أمس الحاجة إليها والتمسك بمفرداتها؛ ألا وهي فضيلة الصدق، فالمصريون القدماء تحلوا بالصدق؛ ودعوا ذويهم إلى التخلق بها، وارتبط الصدق عندهم بالعقيدة، ولذا فإننا نجده قد قرن بين التزامه بتلك الأخلاق وطاعته لمعبوده، فقد ذكروا أن معبود الشمس رع دعاهم قائلًا: «قل الصدق وافعل ما يقتضيه فهو العظيم القوي».

وها هو «بتاح حتب» -أحد أهم حكمائهم على الإطلاق- ينصح ابنه قائلًا: «… احرص على الصدق…»، كما حثه على التخلق بالصدق داخل البيت عند تعامل أفراد الأسرة مع بعضهم؛ فها هو أحد ملوك أهناسيا ينصح ابنه «مري كا رع» فيقول: «… لا تقل إلا الصدق في بيتك حتى يخشاك الأشراف الذين يسيطرون على البلاد…»، ولم يتوقف الصدق عندهم على النطق به، بل عبروا عنه أيضًا من خلال ما تخط أقلامهم، فها هو أحدهم يدعو ابنه الكاتب ألا يخط قلمه إلا صدقًا فيقول له محذرًا: «… لينطق قلمك بالحق، ولا يخط إلا بالصدق بما يفيد الناس».

وعن تجنب الكذب، نجد نقشًا على مقبرة أحد كبار رجال الدولة في عام 2500 ق.م، يبين فيها المتوفى كيف كانت علاقته بأسرته طيبة فيقول: «إني لا أقول الكذب لأني كنت محبوبًا من والدي، ممدوحًا من والدتي، حسن السلوك مع أخي، ودودًا مع أختي».

حتى إن الفلاح الفصيح في شكواه إلى الأمير يثيره نحو الصدق فيقول:«… ولا تكذبن وأنت عظيم، ولا تكونن خفيفًا وأنت عظيم، ولا تقولن الكذب فإنك الميزان، إنك على مستوى واحد مع الميزان، فإذا انقلب انقلبت، ولا تغتصبن بل اعمل ضد المغتصب، وذلك العظيم ليس عظيمًا ما دام جشعًا، إن لسانك هو ثقل الميزان، وقلبك هو ما يوزن به، وشفتاك هما ذراعاه، فإن سترت وجهك أمام الشر فمن ذا الذي يكبحه؟».

وقال الحكيم آمون إم أوبى: «لا تؤدين شهادة كذبًا، ولا تلعن من هو أكبر منك سنًا، فإنه مؤلم جدًا، ولا تتكلمن مع إنسان كذبًا».

وتأمل معي نصيحته التي يدعو فيها إلى الالتزام بخلق السماحة وتجنب النفاق: «… لا تقرئ أحدًا السلام، عندما يكون في باطنك حقدًا عليه، ولا تتكلمن مع إنسان كذبًا فذلك ما يمقته الله، ولا تفضلن قلبك على لسانك… واعلم أن الممقوت من الرب من يزَور في الكلام؛ لأن أكبر شيء يكرهه الرب هو النفاق».

ويوصي الحكيم المصري القديم بتاح حتب؛ الذي عمل وزيرًا لأحد ملوك الأسرة الخامسة؛ يوصي ابنه فيقول: «… كن حاذقًا في صناعة الكلام، لأن قوة الرجل لسانه، والكلام أقوى من أي محاربة…»، ويقول له أيضًا: «إن الفرد الذي يحمل فضيلة الحق في قلبه أحب إلى الله من نور الظالم، اعمل شيئًا حتى يُعمل لك بالمثل».

وهكذا كان المصري القديم متمسكًا بفضيلة الصدق؛ داعيًا غيره إلى التحلي بها، وكان في ذلك معتقدًا أن الله سيجازيه على كل ما ينطق به لسانه؛ سواءً كان صدقًا أم كذبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!