تابع المصريون بفخر الاحتفال المهيب لنقل 22 مومياء لملوك وملكات مصر القديمة من المتحف المصري بالتحرير لمتحف الحضارة الجديد في الفسطاط. جاء الاحتفال أسطوريًا بما صاحبه من مومياوات في توابيت عملاقة بعضها من الذهب الخالص، وهالة تاريخية على المتحف المصري (الذي أصبح نفسه أثرًا عظيمًا)، ومتحف عملاق بالفسطاط، وعربات تشبه عربات الملوك خصصت لنقل المومياوات، وموسيقى كلاسيكية رائعة، وأزياء فرعونية فخمة، ورقصات أوبرالية راقية، وأضواء عملاقة، وتقديم تليفزيوني راق باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وتنسيق مروري رائع، وتصوير جوي كاشف، وجو تاريخي من إطلاق المدافع ل_21 طلقة، إلخ… كان الاحتفال أشبه بومضة تاريخية جميلة أخذتنا للماضي العريق بعض الوقت، غير أن البعض – وأنا منهم – يشبه هذه اللحظة بلحظة إخراج أفضل الأواني من «النيش» للضيوف، فهل هذا حقيقي؟

ثقافة النيش

لا يحتاج المصريون تفسيرًا لتعبير ثقافة النيش، وما طرحه هنا إلا زيادة في التأكيد لإزالة الجهل. فالنيش (والكلمة فرنسية لا علاقة بمعناها في الفرنسية بالمعنى المصري) هو هذا الدولاب الأنيق الذي تضع فيه العروس أفضل ما لديها من أواني منمقة، ولا يُفتَح إلا لحلول ضيف عزيز، ولا يكون فتحه في وجود أطفال، ولا يُحمَل ما فيه إلا بعناية فائقة ونظافة استثنائية، ولا يُسمَح للرجال لمسه أو الاقتراب منه. النيش إذن هو العضو الاستثنائي في جسد الأثاث المصري الذي يعيش طويلًا ويُخدَم أكثر من أن يَخدِم، وهو – لا شك – مدعاة الفخر للسيدة المصرية التي قد تدفع فيه الغالي والنفيس حتى وإن كان ذلك على حساب أشياء أكثر أهمية مثل الكتب أو الملابس أو حتى أدوات الطهي دائمة الاستخدام. يستخدم المصريون تعبير ثقافة النيش أو في عبارات مثل «دي طلَّعت لهم النيش» للتعبير عن التضحية لإسعاد شخص ما أو خدمته بشكل يليق بمقامه.

الاحتفال.. النيش

جاء الاحتفال أشبه بفتح النيش المصري الكبير، وتساءل كثير من المصريين عن مدى إمكانية إجراء كل شيء في مصر بهذا الشكل الأنيق. فلماذا – يتساءل المصريون – لا يكون التعليم والصحة والمرور ونظافة الشوارع والفن والرعاية الاجتماعية وكل شيء كهذا الاحتفال؟ ويتساءلون كذلك: لماذا لا يكون الاهتمام بكل القطاعات المهمة وخاصة التعليم والبحث العلمي مثل هذا الاهتمام بالمومياوات؟ أليس من الأولى توجيه هذه الأموال الضخمة لإسكان المشردين وبناء المدارس والمستشفيات؟ كل هذا الأسئلة أسئلةٌ مشروعة وفي محلها تمامًا، لكنها تغفل عن أن الاحتفال جزءٌ مهم من الاهتمام بالآثار وحفظها، وهذا – لا شك – رافد مهم في تنمية السياحة وزيادة دخلها، وهو كذلك جهد مطلوب لحفظ التراث المصري للأجيال القادمة من المصريين ليعرفوا تاريخهم وليفيدوا منه في تطوير دخل السياحة التي تعود فيما بعد بالخير على ميزانية الدولة ويُنفَق منها على جميع الخدمات والمرافق التي يُفترَض في الدولة رعايتها، ما يعني أن الإنفاق الضخم على الاحتفال الكبير يُتوقَع أن يأتي بأرباح أكبر بكثير مما أُنفَق عليه.

الاحتفال.. ماذا افتقدنا؟

وبرغم إقراري بالاحتفال وتنظيمه كما تقدَّم، إلا أنني أرى أن هناك أشياء غابت عن الدولة، أولها عدم توضيح الصورة كاملة للمواطن الغلبان الذي يحصل على قوته بالكاد، وهذا – لا شك – فشل للإعلام المصري العام والخاص الذي لم يستطع توضيح فكرة أن الإنفاق على الاحتفال ما هو إلا دعايةٌ للسياحة والآثار المصرية دعمًا للسياحة الداخلية والخارجية وتوضيح أهمية السياحة كرافد اقتصادي كبير في الموازنة العامة. إضافة لهذا، لم تنجح الدولة في الترويج الخارجي للاحتفال، وكان أجدر بالجهات المعنية الترويج عبر منصات إعلامية كبيرة مثل قنوات «سي إن إن» و«بي بي سي» و«الجزيرة» و«العربية» و«روسيا اليوم» و«فرانس 24» وغيرها من القنوات التي يتابعها مئات الملايين خارج مصر. أما اختيار موعد الاحتفال فكان أجدر أن يؤجل لشهر أكتوبر أو نوفمبر، ذروة الموسم السياحي في مصر، ليتمكن عدد كبير من السياح من مشاهدته في مصر بشكل ينعش السياحة لفترة من الزمن لم تكن لتقل عن أسبوعين على الأقل. وكان أجدر بالدولة كذلك – إن كانت هناك ضرورة لعدم تأجيل موعد الاحتفال لموسم الخريف – أن تؤجل الاحتفال لأسبوعين على أقل تقدير احترامًا لمشاعر المصريين ممن فقدوا ذويهم في قطار سوهاج.

والآن بقي أن أقول إننا فخورون بالمستوى الذي ظهر في الاحتفال ونتمنى أن نراه في كل الخدمات والمرافق طيلة العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد